الحنين إلى الوطن

، بقلم كريم مرزة الأسدي

1 - مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ؟!!

الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، يحاول الاستقرار، والتشبث بالأرض التي يعيش فيها، يحرثها،ويبذرها، ويستسقي السماء لزرعها، ويبني فيها مستقراً له، ويأنس لمن هو حوله، ومنحه الله العقل، ومن العقل الذاكرة، فترتسم الأشياء المادية والمعنوية في ذهنه، ويربط بينها ربطاً جدلياً...ثم يسرع بكبح جماح الفوضى من حياته، ويبذر في كل جانب منها بذورالعلم والمعرفة والغناء حتى يصبح الجو والغلال والحيوان والإنسان أرق حاشيته، فتتضاعف لديه مشاعرالحب والخير والنفع (1). وما الجو والغلال والحيوان والإنسان إلا هبة الله على الأرض، والتعلق بها، وبما حولها، غريزة طبعٍ ٍ جبلَ عليها هذا الإنسان، وذلك الحيوان.

والعرب من أقدم الأمم تعلقاً بالأرض، وحب الديار،وذكرى حبيب ومنزل، وأبصر الشاعر البدوي ما حواليه، فامتزج به امتزاجاً قوياً، فوصفه وشمل بوصفه البلاد أرضاً وسماء:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وان شفائي عبرة مهراقــــة
فهل عند رسم دارس من معول

والمنزل ليس له قيمة وجدانية، إذا لم يرتبط مع من يأنس إليه الإنسان، فتتشابك الذكريات، وتتراكب العلاقات، وتمتزج امتزاجاً وجدانياً يصعب انفكاكها، وإلا فالطبيعة قد جادت بما هو أجمل بكثير من هذا المنزل، او تلك الأطلال، فما وجهة امرئ القيس غير (فاطم )، وما مراده إلا هي:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلّلِ
وإن كنت قد أزمعت هجري فاجملي
أغرك مني، ان حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل

ولا أراك تنسى المجنون، وهو يهيم بدار ليلي وجدرانها، يلثم الأعتاب، ويقبل الأطلال، وما مقصده الحجارة، وإنما ليلى، وأسراره:

مررت على الديار ديار ليلى
اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

ويعيد إلينا أبو تمام هذا الترابط والحنين المتنامي في اللاوعي لكل الأهل والخلان، فالسكن:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزلِ

ثم يتطور هذا العشق الوجداني من مناجاة الأطلال والمنزل إلى دائرة أوسع , ليشمل حب القرية أو المدينة والسكان معا، فالترابط الاجتماعي أساس الوجود الإنساني، وتطوره نحو الأفضل.

أقول يتسع إدراك الفرد من الخاص إلى العام تبعاً لثقافته وحضارته، فإبان عزّ الحضارة العباسية، لم ير ابن بغداد أجمل من بغداده مصراً، ولا أبدع من دجلتها نهراً، ولا أعذل من روحائها جواً، ولا أروع من ناسها خلقاً، ولكن الأيام تدور بما لا تروم الأنفس، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فعندما حاصر طاهر بن الحسين، وهرثمة بن أعين بغداد سنة 197-198هـ، لنصرة المأمون على أخيه الأمين، ودكت عاصمة الرشيد دكاً، وهدمت دورها، وخربت ساحاتها، وماتت حدائقها، وقتل رجالها، وانتهكت أعراضها، ورميت عاصمة الخلافة بالنفط والنيران، والمناجيق والعرادات، لقتل المقبل والمدبر، قال أحد فتيان ببغداد، كما يورد الطبري في تاريخه:

بكيت دماً على بغداد لمّا
فقدت غضارة العيش الأنيقِ ِ
تبدلنا هموماً عن سرورٍ
ومن سعة تبدلنا بضيق ِ
أصابتها من الحساد عين
فأفنت أهلها بالمنجنيقِ
فقوم أحرقوا بالنار قسرا
ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي وا صباحاً
وباكية لفقدان الشقيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا
متاعهم يباع بكلّ سوق
ومغترب غريب الدار ملقى
بلا رأسٍ بقارعة الطريق(2)

الشعر على بساطته يجسد هول المصاب، وعمق المأساة، واستمر الحال، وزادت النكبات، وتراكمت الهموم، واغرورقت العيون، لم تعد بغداد بترفها، ولا دجلة بخيرها، ولا الدنيا على حالها، انقلبت الأمور، وحلت الدهيماء، أي عين أصابت بغداد الأمس البعيد، وحتى بغداد الأمس القريب، فالتاريخ يعيد نفسه، والأيام تدور لتلتقي بداياتها بالنهايات، ولا يدري ابن بغداد أين هو من عمر الزمان؟ إن كان للزمان عمر، وأصل وفصل!

وقد عبرعمرو بن عبد الملك العتري الوراق عن الحالتين، بعينين دامعتين قائلاً:

من ذا أصابك يا بغداد بالعين ِ
ألم تكوني زماناً قرة العينِ؟!
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم
وكان قربهم زين من الزينِ؟!
صاح الغراب بهم بالبين، فافترقوا
ماذا لقين بهم من لوعة البينِ؟!
أستودع الله قوما ما ذكرتهم
إلا تحدر ماء العين من عيني
كانوا، ففرقهم دهر، فصدعهم
والدهر يصدع ما بين الفريقين(3)

ترى أن الشاعر يفزع لما أصاب بغداد المنكوبة، وما بغداد إلا بأهلها وسكانها...وما أشبه الليلة بالبارحة...يا بغداد يستبيحك السلاطين، ويهتك حرماتك الأشرار، ودائماً يعجز الإنسان عن فهم الأسباب، أو يتناسى، فيلعن الزمن، ويغلق المحن، وأحياناً يدرك الحقائق الموضوعية، ويفقه أن الصراع المادي، والنزعة الأنانية، والجهل المركب، وراء كل تخريب وفساد ودمار:

أرى درراً تصان على أناسٍ
وأخلاقاً تداس فلا تصانُ ُ
يقولون الزمان به فسادٌ
وهم فسدوا، وما فسد الزمانُ

ومهما يكن من أمر، فما من امرىء بتارك وطنه إلا تحت ظروف قاهرة، يكون فيها تحت خيار الموت أو الحياة، فيقول الوراق العتري نفسه بنفس الحصار والدمار:

ولست بتاركٍ بغداد يوماً
ترحل من ترحل او أقاما
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا
نبالي بعد من كان الإماما

اذاً هو ليس بتارك بغداد، إذا ما ساعده العيش فيها، ولا يبالي من يكون الخليفة من بعد،فالسلطان سلطان بأي زمان ومكان، فكم يعاني هذا الشعب المغلوب على أمره من جور وظلم الطغاة وقسوتهم جراء الصراع على السلطة حتى لو كانت بين أخوين، هما المأمون والأمين، تنكب بغداد، وتهدم بيوتها على رؤوس ساكنيها، فلا كأن هارون الرشيد - وهو والدهما - جلس على عرشها متنعما هو وبنوه، وأمامه المنصور النمري يخاطبه شعراً، بأمر من السيدة زبيدة ليقول:

ماذا ببغداد من طيب الأفانين
ومـــــــــــن منازه للدنيا وللدين ِ
تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت
وجوّشت بين أغصان الرياحين ِ

رحم الله المظلومين، ولله أمر الظالمين، وما الحساب ببعيد، وإن غدا لناظره قريب!!

(1)ممثلوا الانسانية: لوالف والدإمرسن

(2) تاريخ الطبري-ج8-ص456-457 المصرية.

(3) المصدر نفسه-ص447

(4) تاريخ بغداد -للخطيب ج1ص 21

من نفس المؤلف