الخيمة البيضاء

، بقلم حسن عبادي

قرأتُ رواية "الخيمة البيضاء" للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر، الصّادرة عن مؤسسّة "الأهلية" للنشر والتوزيع الأردنيّة وتحتوي على 276 صفحة من الحجم المتوسط.

ليانة بدر هي روائية فلسطينية، ومن رواياتها "بوصلة من أجل عباد الشمس"، "عين المرآة"، و" نجوم أريحا"، وتكتب القصة القصيرة، حيث صدرت لها عدة مجموعات قصصية، وكاتبة قصص أطفال، كما وأصدرت عدة دواوين شعرية واشتغلت في السينما ولها عدد من الأفلام الوثائقية عن أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال.

"الخيمة البيضاء"، حكاية مدينة محاطة بأسيجة شائكة تخوض معاركها بصمت، تصوّر مأساة الحواجز المذلّة، ودوار المنارة وسط مدينة رام الله هو بطلها ومحورها، فتدور أحداثها حوله في يوم واحد مصوّرة هموم ومشاكل الشارع الفلسطيني، وخصوصًا المرأة، وتصوّر معاناة الفلسطينيين اليومية المزدوجة - القهر الداخلي المتمثل في العلاقات والعادات والتقاليد البالية التي ما زالت الأغلبية تؤمن بها وتدافع عنها، وقهر الاحتلال، إذ إنهم يضطرون للتعامل اليومي معه ويضطرون لعبور حاجز يفصل بين شطري البلد، لزيارة الشطر الثاني، وقد لا يسمح لهم أصلاً بهذه الزيارة، وكذلك "اللهاث وراء الوظائف، والمناصب، والرواتب المؤمنة".

تتناولُ ليانة بدر جمعيات المجتمع المدني والأهلي ذات التمويلِ الأجنبي وترويضها للمقاومةِ وللقضيةِ الفلسطينيةِ، فلتلك المنظمات انعكاسات سلبية على المجتمع الفلسطيني كما نرى في الرواية.

قراءتي للروايةِ آعادتني للوحةٍ تشكيليةٍ خطّيةٍ على حائط مكتبي، هدية من صديقي – الفنان التشكيلي ظافر شوربجي- بعد اعتزالِه العمل الأهلي، عاملًا ومتطوّعًا، بعد عشرات السنين، صار لها معنًى آخر، عنوانها " المانحون والمادحون، لن يمروا".

نشأت خلال بداية ثمانينيات القرن الفائت منظمات أهلية شعبية ارتبطت بشكل أو بأخر بمنظمة التحرير الفلسطينية، ونجحت بتأمينِ خدماتٍ أساسية بديلة لخدمات الاحتلال وكانت الركيزة البُنيوية لانطلاقةِ الانتفاضةِ الأولى، وبطلة ليانة تتوقُ لتلك الايام قائلة : "رزق الله على الأيام التي كنت وغيري نشتغل مع النسوان مثل البلدوزر، وما نلَحِّق نرجع على بيوتنا إلّا في الليل" (ص 80) ولكن أوسلو قلبت الموازين والجمعيّات "فرّخت زيّ الفطر" (ص 80).

يختنقُ الوطنُ بكلِ أصنافِ منظّماتِ العمل الأهلي التي تصرفُ بغير حسابٍ على أمورٍ لا علاقة لها بشأنِ الوطنِ كما كتب الروائي سامح خضر في روايتِه "يعدو بساقٍ واحدة".

غيّرت أوسلو اسم تلك الجمعياتِ فصارت بين ليلةٍ وضُحاها "إن.جي.أو"

(N.G.O: Non Governmental Organization ) ويُحسَد من يعملُ فيها لما تقدّمه من تسهيلاتٍ وامتيازاتٍ لموظّفيها، ما يخطُرُ وما لا يخطُرُ على البالِ وعلى رأسِها الرواتب العالية.

يصفُها الروائي باسم خندقجي في روايتِه الأخيرةِ "نرجس العزلة" التي صدرت قبل شهر بدكاكينٍ مختصةٍ في التنمية المستميتة لتصبحَ سلعًا وطنيةً رابحةً راتبها الشهري بالدولار أو اليورو أو كذبة، "في زمن "البروبوزال" والمشاريع ذات الربحية التي تَستَثمِر في المعاناة الفلسطينية... في زمنِ الذين يفتخرون بشهاداتِ ووصفاتِ البنك الدولي" (ص 132).

خُططها مُقرّرة سلفًا، لا إمكانية للتعامل مع الواقعِ وإبداعِه أبدًا. تأتي البرامجُ مرسومة ومُخطّطة لهم، سواء أكانت مفيدة أم لا. الخبراءُ الأجانب يتعاملون مع بلدان العالم الثالث كأنها عِصِيٌّ داخل حزمة واحدة، يشبه بعضها بعضًا، ولا يفهمون الفروق الدقيقة التي تشكلها الأوضاع بين بلدٍ وآخر، وفي فلسطين، الحمد لله، تختلف الحياة بين قرية وأخرى، بين مدينة وأخرى، وتختلفُ اللهجات ضمن مسافةٍ صغيرةٍ كما لو أنها قارةٍ واسعة وعليك أن تكون العبد المأمور وأن تُنفّذ ما يُمرَّر لك فقط.

أغلبية وقت العاملين في تلك الجمعيات يُهدَرُ على "إعدادِ ورسمِ جداول ولوحات بيانيّة ومعلومات عمليّة، وتسجيل مشاريع قادمة وتقييم أخرى فائتة، ومتابَعة المانحين" (ص 98) فلا بد أن يكونوا مادحين.

تعملُ هذه الجمعيات وِفقَ أجندة وشروط الجهات المانِحة والمموِّلة بالتوافق وإطار أوسلو السياسي ومكافحة "التمرّد"، أي المقاومة، وجوهر مكافحة التمرد يرتبط بالسيطرة على السكان وقتل المتمردين. وُجدت هذه الجمعيات لتعمل كبديل نتيجة لفشل الأساليب التقليدية في إخماد اعمال المقاومة والثورة وهذه العقيدة مبنية على مفاهيم استعمارية مصاحبة لحالات الحروب التي يفشل فيها التدخل العسكري بالأساليب "الخشنة" فتتحايل باتباع أساليب جديدة أكثر "نعومة" من أجل حسم المعركة وتنفيذ مشروع تفكيك المجتمع متجاهلين حقيقة وقوع فلسطين تحت الاحتلال وضرورة العمل والتخطيط لتحريرها من ذاك الاحتلال البغيض وبالتالي تحطيم الانتماء الوطني والقومي.

يصرخ باسم صرخته : "أخذلوني أكثر يا اخوتي حتى أعرّيكم واحدًا واحدًا بقصائدي" (ص 21).

تعمل معظم جمعيات المجتمع المدني ضمن شعارات: تشجيع حقوق الانسان، تعزيز دور المرأة، تعزيز الديموقراطية، شؤون البيئة والخدمات الاجتماعية وغيرها، وهي تصبّ في أنسنة الاحتلال والتطبيع معه عن طريق ترويض المقاومة، فهي تعبّر عن قضايا ثانوية وهمية لاستبدال الفضاء السياسي بمنظمات تعمل وِفق أجندة وشروط الجهات المانحة بالتوافق مع إطار أوسلو عبر دفع العاملين في هذه المؤسسات إلى الابتعاد عن العملية السياسية المقاوِمة، يؤدي الى استبدال العمل الوطني النضالي الطوعي بما يستلزمه من تضحيات بالعمل "الاجتماعي" و"المدني" مدفوع الأجر لحَرفِ وإفساد النشاط السياسي والعام. فالاستعمار يأتي بألف ألف لَبوس ولَبوس.
يلهث المجتمع المدني خلف التمويل نتيجة لغياب الدولة. عندما تريد جمعية أن تقوم بمشروع ما إذا تعذّر تمويله، وبالغالب لعدم إدراجه على أجندة المانح، يتم تغيّر مجمل المشروع والمشاريع لتتلاءم مع المعروض، وبالتالي يغيّر خطته الانمائية لأن التمويل مخصص لمشروع آخر، غير آبه بحاجات المجتمع الفعلية. وتدريجيًا يزداد الارتباط لتصبح أجندة الجمعية رديفة لأجندة المانح، بل وعميلها المحلي والمدافع الموثوق عن برامجها ومشاريعها، لتسويق مشروعه "التوعَوِيّ" فمن البديهي أن لا مال دون مقابل.

إنها جمعيات وهمية انبثقت على عجل، تُموَّل من جهات أجنبية لتُنفّذ أجندتها، فالمساعدات المالية التي تقدم لتلك المنظمات مشروطة على نحو مباشر أو غير مباشر، عبر اقتصار الدعم على برامج معينة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

إسقاط أراضي ال48 من التداول، فلا يمكن تمويل المنظمات والبرامج التي تُدافع عن حق الفلسطينيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم الأصلية.

تجنّب التعامل مع قضية اللاجئين (إلا في الإطار الخدماتي/الانساني) وعدم التطرق لحق العودة إلى أراضي ال48.

التركيز على قضية المقاومة الشعبية للاحتلال وتلميع تجارب غير عنفيه بقطعها عن سياقها وتقديمها كبديل للكفاح والنضال ومحاولة تصنيع نماذج محلية فاشلة من هذه المقاومة.

آن الأوان لأن يبحث المجتمع المدني، وبعمق، عن سُبل التحرر من التأثير السلبي للمانحين على عمله، فبناء القدرات لا يجري بالتمويل فقط، والمطلوب منه أن يقدم دورًا نوعيا عبر المساءلة، وكي يقوم بهذا الدور عليه أن يكون جريئا وذلك عبر استقلاليته عن مصادر التمويل الأجنبي وتطوير المقدرات الذاتية للمجتمع المحلي.

أخيرًا، رحم الله نزار قباني الذي اختزل الموقف عندما قال:

"عشرون عامًا فوق درب الهوى
ولا يزال الدرب مجهولًا
فمرة كنت أنا قاتلا وأكثر المرات مقتولا
عشرون عامًا... يا كتاب الهوى
ولم أزل في الصفحة الأولى"

أو بالعربي الفصحى، تماشيًا مع نهج أوسلو، "فول غاز بِنيوترال".