هورمون السعادة

، بقلم جورج سلوم

سألَتْ عنه في الصيدليات من دون جدوى.. وسخرَ منها البعض قائلين:

إنه تعبيرٌ مجازيٌّ.. ولا يوجد دواءٌ بالحقيقة اسمه هورمون السعادة!

لكنّها كانتْ بحاجة لهذا الدواء.. وبأي ثمن... ولو جُرعة بسيطة تخفّف من تعاستها.. لقد استفحلَ داءُ الكآبة لديها ..وبقي ملاذها المخدّر والمسكر والمنوّم والمركّن والمسكّن.. وجرّبتْ معدتها كلّ فنون الدواء... لكنه عجز عن تخفيف غلواء نفسها إلى الكآبة... وجموح روحها إلى الحزن... وجنوح أعصابها إلى الإنهيار.

لقد استمطرتْ الدموع حتى جفّت منها المآق... واستنبطت الآهات حتى اخشوشبتْ منها الحناجر... واستسهرتْ الليالي حتى ملّ القمر رفقتها....

لم تجدْ هورمون السعادة في كتابٍ جليسْ ...ولا صديقٍ صدوق... ولا خلٍّ وفي...
قيل لها فيما سبق:

إن السعادة تكون بالعطاء والسخاء....

فأعطتْ الآخرين أعزّ ما تملك... لكنهم داسوه... لأنهم أخذوه بلا ثمن.

ثم انقلبوا عليها قائلين:

تبّاً لكِ... أنت ساقطة..

وقالوا استشيري رجال الدين... مما أودى إلى زيادة تعاستها عندما صاحوا بها من خلف الذقون:
أنت خاطئة ..ولا بد من التوبة والاستغفارْ.

ثم قالوا إنّ سعادتك لا تكتمل إلا بالزّواج والإنجاب ..فتزوّجت أحدهم.. وصبرتْ فكان المطلوب أن تسعد زوجها فقط أما هي فلا داعي لذلك.. وفي كل ليلة لا ينام فيها -السيّد - سعيداً كانت تلعنها الملائكة حتى الصّباح...ولم تنجبْ ...هكذا كان قدرها ..فطلّقها وأصبحت ْتسمى:

ساقطة وخاطئة وعاقر ومطلّقة.. وكافرة

وما زالت تبحث عن هورمون السعادة!

غرقت في صفحات التواصل الاجتماعي.. غرّدت على تويتر.. ووضعت صورتها على الفيس بوك.. وصادقها الرجال فقط وما أكثرهم... وطلبوا منها صوراً خاصة.. فتزيّنت وصوّرت شعرها وعينيها ..وما دون العيون.. ونالت إعجاب العيون النّهمة..

فرحت قليلاً.. وسخرت كثيراً.. ولكنها مازالت تبحث في الصفحات عن.. هورمون السعادة!

المال... كيف فاتتها معجزة المال؟

ها هو اليوم سهل المنال بالزواج من ثريّ... طويل الباع.. وممتدّ الذراع!

وافقت على أحد العروض السخية من طالبي القرب عبر الانترنت.. وكان ما كان... وتكدّس المال تحت العباءة المزركشة... وحبل حسابها المصرفي بالعملات الصعبة.. والتفّ الذهب حول معصمها وكاحلها...

رقصتْ بجنون وباعت مادون العيون... فلكلّ خلية من جسدها ثمن... وكل دفقة من منيّ الرجال يقابلها دفقة من المال ...ولكن كلّ ذلك لم يفرز في جسدها حقنة واحدة من هورمون السعادة!

الحزن المتفاقم في كيانها تحوّل إلى خوف.. من المرض في مستنقع السمومْ .. ومن الآخرة في صحةٍ لن تدومْ... فعادت إلى الحلقة المُفرغة والضياع ..وقالت لابدّ من التوبة والاستغفار... تحجّبت ثم تنقّبت... وحملت مسبحة طويلة... كل حبة فيها تروي حكاية الحزن والخطيئة والوحدة...

دخلت في مجموعة من ذوات السوابق (العائدات إلى الصّراط المستقيم)... وعقدنَ حلقات الدّعاء في أحد البيوت المليئة بالبخور... دخانه المتصاعد يزفر كالآهات... استحضرنَ الأرواح وطردن الجنّ... ودرنَ دوراتٍ ودوراتْ على إيقاعِ المزاهر والدفوف..

ولكن ْ.. أين السعادة؟

خطبة اليوم عن عذاب القبر.. حيث الوحدة والظلام والبرد والديدان التي ستنهش الجسد في استسلامٍ مهين... وبعده جهنّم وبئسَ المصير..

(إن الله غفور رحيم )

قالت لها شيختها: لم يبقَ عليكِ إلا الاستعداد للقاء ربك ..فهناك السعادة الأبدية أو العذاب الأبدي.

ازداد عذابها وقد تناهبتها الهواجس.. فكّرت بالانتحار.. وغربت شمسها على شاطئ الخوف... سجدتْ وصلّت وهي غارقة في بحر الدموع... واستسلمت للصلاة ..وغمرتها فجأة سعادة غريبة لم تعهدها... وكأنها تخلّصت من أثقالها... فتحت (حواراً مباشراً) مع الله ودون أي وسيط..ولاذت بالصّمت بين بني البشر ..

زهدت في متاع الدنيا.. وطاب لها الأمل بالآخرة.. وحلّ عليها سلطان القناعة وجبروت الإيمان.
يومها فقط .. عرفت أن الصلاة هي هورمون السعادة !!!!!!!!