دراسة ٌلديوان «خَمائِل فوقَ روابي الشَّمس»

، بقلم حاتم جوعية

مُقدِّمة ٌ:

الشَّاعرُ القديرُ المرحوم "شكيب عبد الحليم "من سكان قرية "كفر مندا "الجليليَّة، يكتبُ الشِّعرَ منذ أكثر من ثلاثين سنة، نشرَ الكثيرَ من قصائدِهِ في الصحفِ المحليَّةِ، وخاصَّة ً في صحيفةِ "الديار "المُحتجبة وقد حقَّقَ شهرة ً وانتشارً واسعًا محليًّا. شعرهُ بشكل ٍعام جزلُ السَّبك متينٌ وقويٌّ في بنائِهِ، عالي النبرة مُفعَمٌ بالأريحيَّةِ يدعو إلى القيم ِ والمُثل ِ والمبادىء وللتضحيةِ والكفاح ِ لأجل ِ العيش الكريم والشَّريف... وأيُّ إنسان ٍ مهما كانت نوعيَّتهُ ومستوى ثقافتِهِ فإذا قرأ أيَّة َ قصيدةٍ لشاعرنا دونَ أن يعرفهُ مسبقا ً يشعر ويحس بشكل ٍ تلقائيٍّ أنَّ كاتبَ هذه القصيدة هو إنسانٌ وطنيٌّ فاضلٌ حُرٌّ وشريف أبيُّ النفس يمشي في طريق الفضيلةِ والإباء، متسربلٌ بالمبادىءِ والقيم والمثل والاخلاق الحميدة لِمَا تحملهُ قصائدُهُ الرَّائعة والمُمَيَّزة من دعوةٍ للخير والقيم ِ وللصلاح ِ والكفاح لأجل ِ الحياةِ الفاضلةِ والشَّريفة … وأنا، بدوري، كنتُ أقرأ قصائدَهُ منشورة ً في الصحفِ المحلِّيَّةِ بإعجابٍ وحُبٍّ وشَغفٍ وكنتُ أستمتعُ وأطربُ لمعانيها وجماليَّتها ومستواها العالي ولما تحملهُ من قيم ٍ مثلى ورسالةٍ ساميةٍ وطنيَّة وقوميَّة وإنسانيَّة وإجتماعيَّة ُتجَسِّدُ شعورَ وإحساسَ ووجدانَ كلِّ إنسان ٍ عربيٍّ وطنيٍّ حُرٍّ وشريف وكلّ مناضل وصاحبِ مبدإ وضمير حيٍّ في هذا العالم. وعندما تعرَّفتُ على الشَّاعر شكيب عبد الحليم بشكل ٍ شخصي وجدتهُ أعظمَ وأكبر ممَّا كنتُ أتوقعهُ وأكبرَ وأسمى من تلكَ الصورة الجميلة المثاليَّة الرَّائعة التي كنتُ أرسمها لهُ في خيالي، فهو إنسانٌ شريفٌ دَمِثُ الأخلاق مضيافٌ كريمٌ بلا حدود وإجتماعيٌّ من الدرجة الأولى بشوشٌ يُحبُّ الناسَ والجتمعَ ومتواضعٌ كثيرً..ولقد توفي مؤَخَّرًا وبشكل مفاجىء إثر نوبة قلبيَّة حادَّة وكان لموته وقع أليم على أقاربه وعائلتهِ وذويه وعلى جميع أصدقائه ومعارفه وخسارة كبرى للمجتمع وبموته تفقد الحركةُ والمسيرة الادبيَّة والثقافيَّة ركنا وعلما هامًّا من أعلام الثقافة والأدب والإبداع المحلي.

مدخلٌ: - هذا الديوان: (خمائل فوق روابي الشَّمس) يقعُ في 138 صفحة من الحجم المتوسِّط الكبير تحلِّيهِ بعضُ الرُّسومات الداخليَّة الجميلة بريشة الفنانين التشكيليِّين، وهم: الفنان الشهيد ناجي العلي وأميَّه جحا وعبد الحليم ربيع. ويوجدُ مقدِّمتان للديوان، الأولى: إهداء بقلم صاحب الديوان (شكيب عبد الحليم) حيثُ يهدي هذا الديوان إلى شعبهِ المقهور وإلى الأرض الطهور وإلى الأطفال ِالجياع ِ في كلِّ البقاع وإلى الأحبَّةِ والأصدقاء ولبلدِهِ المعطاء بلد الوفاء، وإلى كلِّ الذين ينبذونَ العصبيَّة َ القبليَّة - وإهداء أيضًا لكلِّ من يقولُ كلمة َ حقٍّ في وجهِ سلطان ٍ جائر. ومن خلال ِهذه المقدمةِ الصَّادقةِ والبريئةِ نشعرُ وندركُ ونعرف مسبقا ً فحوى مواضيع هذا الديوان وما هو منطلق الشَّاعر وتوجُّهه الفكري والآيديلوجي.

والمقدِّمة ُالثانية ُ بقلم الأستاذ "صلاح بشيري "الحاصل على الماجستير في الإدارة التربويَّة … ومُقدِّمتهُ بشكل ٍعام جميلة صِيغت بلغةٍ أدبيَّةٍ مُنمَّقة وجزلة، فيها يُشيرُ الأستاذ ُ الكاتبُ إلى مستوى شاعرنا (شكيب عبد الحليم) العالي والرَّاقي في مجال الشِّعر وللمواضيع والأمور الهامَّة والوجيهة التي يتناولها في قصائد هذا الديوان.

مدخلٌ:- إنَّ قصائدَ هذا الديوان من الناحيةِ الشَّكليَّةِ على نمطِ شعر التفعيلةِ ولكنَّ شاعرَنا في معظمها لا يتقيَّدُ كليًّا بوزن ٍ واحد بل ينتقل من وزن لآخر في نفس المقطع الشعري وبشكل ٍ تكتتيكيٍّ تقنيٍّ متناسق يبقى فيهِ القارىءُ المثقف والذ َّوِّيق ُمنسجمًا ومتناغمًا مع الإيقاع والجرس الموسيقي، ولهُ الكثير من القصائد متحرِّرة من الوزن (الشعر الحديث الحرّ) ولكن يوجدُ فيها موسيقى داخليَّة جميلة أخَّاذة تغني الأذنَ والوجدان عن روتين بحور الخليل الرَّتيبة. ولهُ أيضًا قصائدُ كلاسيكيَّة تقليديَّة مع قافيةٍ، بَيْدَ أنَّهُ لا يلتزمُ بوزن ٍ واحدٍ معَيَّن فيها فأبيات كلِّ قصيدة تتوزَّعُ على عدَّةِ أوزان وبحور وأحيانا ً في نفس البيت نجدُ أكثر من وزن ٍ، فالصَّدرُ يكون على وزن معيَّن وعجز البيت على وزن آخر … وشاعرنا، كما يبدو متمكِّنٌ ولهُ دراية ٌ بالأوزان الشِّعريَّة (علم العروض) ولكنهُ لا يُريدُ التقيُّدَ الكلِّي فيها أسوة ً واقتداءً بشعراءِ العربِ الكبار والمجدِّدين في مسيرةِ الشِّعر الحديثِ الذين خرجوا في البعض من قصائدِهم عن قيود الوزن (العروض). وكما أنَّ أسلوبَ ولغة َ هذا الديوان جزلة وقويَّة - كما ذكرتُ أعلاه - ومعاني قصائدِهِ عميقة وفلسفيَّة ورائعة.

سأتناولُ في هذهِ المقالةِ بعضَ القصائد من الديوان مع الدِّراسةِ والتحليل وسأبدأ بالقصيدة الأولى من الديوان بعنوان: ("إرهَابي"- صفحة 5 - 12) والقصيدة ُ وطنيَّة وسياسيَّة بحتة، يقولُ فيها الشَّاعر:

("عربيٌّ أنا والعروبة ُ وزري … وحِملٌ ثقيلْ //
إذ لا تتقنُ إلا َّ صمتَ الخذلان //
تسقط ُ عيناها كأوراق ِ الخريف // ووجهها جرزٌ بلا ربيع //
ثقافتها لغة ُ القهر ِ والفولاذ // غادرَهَا الصُّبحُ فتاهَت في هَبَاءْ //
عربيٌّ أنا مُطاردٌ في كلِّ آنْ //
مطلوبٌ حيًّا أو ميتا ً // في أيِّ زمان ٍ وأيِّ مكانْ //
متَّهمٌ منذ ُ ولادتي // بالإرهابِ والتطرُّفِ والطغيان //
لا بداية َ لي … // ولو أقسَمتُ بالإنجيل ِ والقرآنْ //
منصوبة ٌ لي المشانِقْ // في المغاربِ والمشارقْ //
منَ المُحيط ِ إلى الخليج ِ حتى جبل طارق //
في اتساع ِ مرافىء أحزاني // من دمي تنزفُ عيونُ الواحات //
يلتهمني الجوعُ والخوفُ والحرمانْ //
ويقولُ فيها أيضًا: ( "مُسلَّط ٌ على عنقي سيفُ السَّفاح // بلا ذنبٍ اقترفتهُ // إلا َّ لأني عربي // والعروبة ُ في عصرنا ذنوبٌ قباح //
سهلي وجبلي يحترقان // وآهاتُ الظمإ تمزِّقُ أضلعي والجفان //").

في هذهِ القصيدةِ المطوَّلة يُريدُ الشَّاعرُ أن يقولَ لأبناءِ شعبهِ وللعروبةِ وللعالم بأجمعهِ: إنهُ عربيٌّ من الناحيةِ العرقيَّة.. هكذا وُلِدَ، ولكنَّ العروبة َ أصبَحَت وزرًا وحملا ً ثقيلا ً، فالعربُ وللأسفِ يعيشونَ اليوم في صمتٍ مُطبق ٍ ولا يُتقنونَ ويُجيدونَ سوى لغة الصَّمتِ والتخاذل، وثقافة ُ الأمَّةِ العربيَّة اليوم هي لغة القهر والفولاذ (وهنا يلمِّحُ ويقصدُ الأنظمة العربيَّة الدكتاتوريَّة والرَّجعيَّة التي تعاملُ شعبهَا بالقوَّة وبالسّبف والكرباج)، وانَّ الصُّبحَ والفجرَ قد غادرَ هذهِ الأمَّة َ فهيَ في تيهٍ ليليٍّ. وأنهُ (الشَّاعر وكلّ الشَّعب العربي) مطاردٌ في كلِّ وقتٍ وزمان ومتَّهَمٌ من قبل ِ الغربِ زيفا ً وبُهتانا ً بالإرهاب وبالتطرُّفِ والطغيان وحتى لو أقسَمَ بكلِّ الكتبِ المنزلةِ والأديان السَّماويَّة. فالمشانقُ دائمًا منصوبة ٌ للإنسان ِ العربي (من الشرق إلى الغرب) - فإسمُ عربي أصبَحَ اليومَ ذنبا ً وجريمة ً لا تغتفرُ ومَقرُونٌ بالقتل ِ والإرهابِ من قبل ِالسِّياسة ِ والإعلام ِ الغربي والصُّهيوني وكلِّ فكر أمبرياليٍّ إستعماريٍّ ُمعَادٍ للشرق وللعربِ والإسلام ولدول ِ العالم الثالث (الدول الفقيرة والمسحوقة إقتصاديًّا) وللأسفِ - وعلى حدِّ قول ِ الشَّاعر ِ شكيب عبد الحليم:

("مُسَلَّط ٌ على عنقي سيفُ السَّفَّاح // بلا ذنبٍ اقترفتهُ //
إلا َّ لأني عربي // والعروبة ُ في عصرنا ذنوب قباحْ // ").

ويذكرُ الشَّاعر في هذهِ القصيدةِ الوضعَ العربي والفلسطيني الصَّعب والأليم) السِّياسي والإجتماعي والإقتصادي والمعيشي) وأنَّ الوطنَ العربيّ مُقيَّدٌ ومأسورٌ من قبل ِ الحكام العربِ الظالمين والطغاةِ العملاءِ والمُسيَّرين والتابعين للغرب وأمريكيا، فالعربي يعيشُ في وطنهِ النفط العريان (وإنهُ لتشبيهٌ جميلٌ) "النفط العريان "فرغم الثراء الفاحش في دول ِ وإماراتِ النفط قسمٌ كبيرٌ من الشعوب هناك تعيشٌ في فقر ٍ مُدقع وأقليَّة ٌ فقط (العائلة الحاكمة والمقرَّبون) يعيشون في غنى وثراءٍ فاحش ٍ وبذخ ٍ … ونتذكَّرُ هنا بشكل ٍ مباشر ٍ قولَ الشَّاعر العراقي الكبير الرَّاحل "بدر شاكر السَّيَّاب "قبلَ أكثر من ستين عامًا: ( "في العراق ِ جوعٌ ويهطلُ المَطرْ ").

فهذا التشبيهُ وهذه الصورة الشعريَّة والإستعارة التي استعملها شكيب عبد الحليم هنا جميلة ٌ وجديدة ومبتكرة (لأنني عربيٌّ في وطن ِالنفط ِالعريان).

ويُتابعُ قولهُ في القصيدةِ:

("التتارُ والمغولُ عني يبحثون // في الغاباتِ في النجوع والوديان //
في كهوفِ اليمن ِ في الحجاز ِ في الأفغان //
في كلِّ سراديبِ الأرض ِ وبينَ الاجرام //
إنِّي مطلوبٌ إني مطلوبٌ // للتطبيع ِ وسيفِ الجلاد //
السَّافلة ُ الكبرى بجيوشِها تبحَثُ عنِّي // وَسَادة ُ أمَّتِي يُهَرولون //
يفتشونَ عني في طبقاتِ الغيم ِ والنجوم //
وجريمتي يا ناسُ أنِّي عربي // والعروبة ُ في عُرفِهم عدوَى وجنونْ //

ويقصدُ الشَّاعرُ بالتتار ِ والمغول ِهنا أعداء الأمَّة العربيَّة ودول الإستعمار الذين يلاحقونَ كلَّ إنسان ٍ عربيٍّ حُرٍّ وشريف يُحِبُّ شعبَهُ ويعملُ لأجل ِ قضايا شعبهِ وأمَّته العربيَّة (القضايا المصيريَّة).
إنَّ بعضَ المقاطع في هذهِ القصيدةِ موزونة (على بحر المتدارك)، وهنالك جملة يكرِّرُها الشَّاعرُ مرَّتين لأجلِ الجمال ِاللفظي المُمَوسق وللتأكيد على المعنى وهي: (إنِّي مطلوبٌ.. إنِّي مَطلوب). ويقصدُ بالسَّافلةِ الكبرى هنا دولة أمريكا (الولايات المتحدة) أكبر دولة في العالم الآن وهي رمز الأمبرياليَّة والإستعمار والإحتلال والهيمنة والظلم والتسلُّط على الشعوب الضعيفة والفقيرة. وأمَّا سادة ُ أمَّتهِ فهم الحكام والرُّؤساء العرب الدكتاتوريُّون عملاء وأذناب الغرب الذينَ يلاحقونَ كلَّ إنسان ٍ ومواطن عربيٍّ نظيفٍ وحُرٍّ ومتعلِّم ٍ ومثقَّفٍ ولديهِ طاقاتٌ كبيرة ٌ فذ َّة يريدُ أن يكرِّسُها لخدمةِ شعبهِ... وهذا مِمَّا لا يروقُ للغربِ وللإستعمار، فالحكامُ والقياداتُ العربيَّة بدورهم يلاحقونَ ويطاردونَ كلَّ إنسان ٍ عربيٍّ على هذا النمطِ بتوجيهٍ وإيعاز ٍ من أسيادِهم أمريكيا والدول الغربيَّة … وحتى هنا في دولة إسرائيل التي هي تابعة لأمريكا والغرب (الدول الأمبرياليَّة) وُتعتبَرُ ولاية ً أمريكيَّة فلا تعطي لأيِّ إنسان ٍعربيٍّ حُرٍّ ونظيفٍ وشريفٍ أن يتبوَّأ أيَّة َ وظيفةٍ مرموقةٍ وأيَّ مركزٍ حتى لو كانَ بحوزتِهِ كلُّ الشَّهاداتِ والكفاءاتِ والمؤهِّلاتِ الفذ َّةِ والخارقةِ وحتى لو لم يتدخَّلْ إطلاقا ً بالسِّياسةِ وأكبرُ مثال على ذلك أنا (حاتم جوعيه) فقد درستُ عدَّة َ مواضيع وبحوزتي العديد من الشهادات الأكاديميَّة ويوجدُ لي العديدُ من المواهب الإبداعيَّة والكثير من الأنجازات والإصدارات الشعريَّة والأدبيَّة والفكريَّة وغيرها ولكن لم يوظفوني في أيَّة ِوظيفةٍ حكوميَّة في هذه الدولة التي تعتبرُ نفسَها واحة َ الديمقراطيَّة، وذلك لأنني إنسانٌ وطنيٌّ نظيفٌ وشريف ولستُ عميلا ً وذنبًا سلطويًّا كغيري، وبالمقابل نجدُ الكثيرين من غريبي الأطوار والحثالاتِ والمسوخ الذين لم ينهوا دراستهم الإبتذائيَّة وبصعوبة ٍ يستطيعون معرفة كتابة اسمائِهم وهم عملاء وأذناب سلطة وفسَّادون ومنحطون أخلاقيًّا وإجتماعيًّا ولا يحلمونَ لشعبهم أو لأحدٍ بالخير قد تبوَّؤوا الوظائفَ العالية والوجيهة والمراكز الحسَّاسة والهامة في شتى المجالات الثقافيَّة والإعلاميَّة والفكريَّة والإجتماعيَّة والفنيَّة وللأسف وحصلوا على جوائز السلطة في الإبداع الأدبي والفني الثقافي وهم بعيدون مليون سنة ضوئيَّةعن الأدب والفنِّ والثقافةِ والإبداع. ونرى البعضَ من هؤلاء العملاء المرتزقين يتبجَّحون بالوطنيَّةِ والقموميَّةِ والمبادىء زيفا ً وبُهتانا ً وبإيعاز ٍ وتنسيق ٍ من أسيادهم (كماهو واضحٌ) فالمطلوب منهم أن يقوموا بهذا الدَّور المزدوج والجبان والخطير ليخدوا أسيادهم (السلطة الحاكمة بشكل أفضل) ضدَّ قضايا شعبهم الفلسطيني والعربي المصيريَّة، فيعملون بشتى الطرق والوسائل على تدمير الثقافةِ والأدبِ والفن والإبداع العربي الفلسطيني في الداخل، وللأسف هنالك الكثيرين من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني في الداخل (البسطاء والشرفاء) ينخدعونَ فيهم ولا يعرفون ُكنْهَ حقيقتِهم ومآربِهم الخطيرة والدَّنيئة التي تخدمُ السياسة َ الإسرائيليَّة الصُّهيونيَّة والسياسة َ الغربيَّة المعادية للعروبةِ وللإسلام وللشرق ِ بأسرهِ من جميع النواحي.

ويقولُ الشَّاعرُ في القصيدةِ أيضًا:

("وأعشقُ رحيقَ الشَّمس // وأتوقُ لأمجادِ الأمس //
وأعشقُ طيرَ الأبابيل // وَأسوارَ القدس //
ويقولُ أيضًا: ( "تحاصرني القيودُ حيثُ أكونُ ولا أكون //
فإذا جاهرتُ بصلاتي // فأني مُنتحِرٌ مَجنونْ //
لا تلعني أرضٌ ولا سَماء // ومَمنوعٌ عليَّ الدُّعاءْ //
إلا َّ أن أعلِنَ لِرَبَّةِ الإرهاب // يا ناسَ هذا الزَّمان //
يا أمَمَ اتَّحَدَتْ في الخذلانْ // في مجلس ِالإمّعاتِ المُهَان //
يا سلاطينَ العُروبة // … يا فلولَ الخاطئين //
أنا لستُ إرهابيًّا // ما زالَ جُرحي ينزفُ الآهات //
أنا لم أشرِّدْ أحدًا من وطنِهِ // ولم أزرعْ عناقيدَ الغضَبْ //
ولم أحتلَّ أرضَ الغير // ولم أكنْ يومًا مُغتصِبْ //
ولم أغتل البسمة َ في العيون // يقولونَ في دمِكَ الإرهاب //
في دينِكَ الإرهاب // في عشقكَ الإرهاب //
أنتَ جرثومة ُ عدوى ومَشروعُ خرابْ //
مَمنوعٌ أن تحلمَ بالقمرْ // وممنوعٌ عليكَ السَّفرْ //
إلا َّ بينَ الأطلال ِ والقبور // والذ َّنبُ إنِّي عربي //
أبيتُ على فراش ِ الرُّعبِ // وأصحوا في طوفان ِ الهموم //
وسط َ طبول ِ التتار … وسيوفِ المغول //
ويأتي منَ التلفاز ِ بخبَر // الأمراء والرؤساء والحكام في قطوف //
وكلُّ البلطجيَّةِ أصحاب الفخامَةِ والقصور // يبحثونَ عن ِ الإرهابِ فينا //
لا عن شعبنا المغلول // ولا عن طفلِنا المقتولْ //
ولا عن شهيدِنا المغدورْ // ويغتصبونَ الفكرَ ولا يُفكرون //
وبَصَمُوا على الميثاق // والمطلوبُ صكٌّ على بياض ٍ لِرَبَّةِ الإرهاب //
عِيثي قتلا ً وحرقا ً وعربدَة ً // في وطني الضاد المطلوبْ //
يا مَن استمرئتم الذلَّ … والإنحناء //
وَهَانت عليكم الأوطانُ ولونُ السَّماءْ //
وأقسمتم يمينَ الوَلاءْ / / الشُّعوبُ منكم براءٌ براءْ //
إسكروا بينَ سيقان ِ الغازيات //
واشربوا بكؤوس ِ الذهبِ شفاهَ الزَّانيات //
واغسلوا دَشاديشَكم … بدماءِ الشّثهداءْ //
ماتت ضمائرُكم … كأنها حديد ْ //
فاسجدوا لأمريكا … يا عبيدْ //
عليكمُ لعنة ُ اللهِ … والتاريخ ِ … والشُّعوبِ … ودم الشَّهيدْ //").

تفسيرُ وشرحُ باقي القصيدة: - إنَّ الشَّاعرَ يُصرِّحُ هنا ويُعلِنها لجميع ِ العالم ِ باسمِهِ وباسم ِ كلِّ إنسان ٍ عربيٍّ حُرٍّ وشريفٍ في كلِّ مكان إنَّهُ يعشقُ الحُرِّيَّة َ (التي رمزَ لها برحيق ِ الشَّمس) … وهذا التعبير والإستعارة ُ لم تستعمل من قبل وشاعرنا هو أوَّلُ من يستعملُ هذا المصطلح والتعبير البلاغي - فدائمًا يقالُ: شعاع أو ضوء وضياءالشَّمس وليسَ رحيق الشَّمس … والمقصودُ انَّ الحُرِّيَّة َ التي هي الشَّمس رحيقها وطعمها حلو كالشهد ورائحتها عطرة كالأزهار الفوَّاحة، وأنهُ دائمًا يتوقُ ويشتاقُ لأمجادِ العربِ الخالدةِ (التي كانت بالأمس) ولِحضارتِهم العريقةِ التي نهلت منها جميعُ شعوب الأرض وخاصَّة ًالغرب. ويعشقُ الشَّاعرُ أيضًا (طيرَ الأبابيل) وهي السنونو كما يقال أو ما يُشابهها … وقد وردَ ذكرُ طير ِ الأبابيل في القرآن الكريم (الطيور التي كانت تحملُ صخورًا وأحجارًا كبيرة ً وتلقيها منَ السَّماءِ على جنودِ أبرهةِ الأشرم القائد الحبشي الطاغية الذي جاءَ لِهدم ِ الكعبة الشَّريفة في جيش ٍ لجب. ويصفُ أيضًا أسوارَ القدس، والقدسُ هيَ رمزٌ للقداسةِ … أي أنَّ شاعرنا يعشقُ الوطن ومتكسِّكٌ بكلِّ شبر ٍ من ترابِ آبائِهِ واجدادِهِ، وخاصَّة ً الأماكن المقدسة التي من المستحيل أن يُفرِّط َ فيها عربيٌّ ومسلمٌ توجدُ في عروقهِ َذرَّة ٌ من إباءٍ وكرامة وكبرياء. ويتساءلُ الشَّاعرُ باستهجان ٍ: إذا كانَ عشقهُ لأرضهِ وبلادِهِ ومقدَّساتِهَا كفرًا وإرهابًا في نظر الغربِ والإستعمار فهو أوَّلُ من كفرَ … فالقيودُ ما زالت تلاحقهُ أينما يكون، فإذا جاهَرَ بصَلاتِهِ فهوَ مجنون ومُنتحر … فكلمة ُ "الله أكبر "أصبحت في عُرفِ الغربِ والإستعمار هي إرهاب، وممنوعٌ على العربي والمسلم الصلاة والدُعاء إلا َّ لِرَبَّةِ الإرهاب (أمريكا)، وكلُّ من لا يُطيعُ أمريكا وَيُنفذ ُ سياستها بحذافيرها فهو إرهابي ويحكم على نفسِهِ بالإنتحار والموت.

ويُخاطبُ الشَّاعرُ العالمَ والأممَ المتحدة ومجلس الأمن … وينعتُ الأممَ المتحدة بقولِهِ: (يا أممَ اتحَدَت بالخذلان).. ومجلس الأمن أو ربَّما الجامعة العربيَّة يقصدُ أيضًا حيثُ يقولُ: (يا مجلسَ الأمّعَات المُهان). ويُخاطبُ أيضًا سلاطينَ العروبة وفلولَ الخاطئين: أنهُ … أيّ أنَّ العربي والمسلم والفلسطيني ليسوا إرهابيِّين، وما زالَ جرحُهُ وجرحُ الفلسطيني المُشرَّد والمطارد ينزفُ بالآهات فهوَ لم يُشَرِّدْ أحدًا من وطنِهِ ولم يزرعْ عناقيدَ الغضب … والمقصودُ هنا دولة إسرائيل التي شرَّدت السشَّعبَ الفلسطيني (بمساعدةِ الدول الغربيَّة وبريطانيا) وارتكبت الكثيرَ من المجازر في حقهِ في كلِّ مكان وحتى في لبنان مثل عمليَّة ومجزرة عناقيد الغضب سنة 1996. فالعربي والفلسطسني بالأحرى لم يغتل البسمة َ ولم يعتدِ على أحدٍ ولا على أيِّ شعبٍ ويحتلّ أرضهُ وبلادَهُ ومع كلِّ هذا يتهمونهُ أنَّ في دمهِ الإرهاب وفي دينهِ الإرهاب … أي أنهم يتهمونَ الدينَ الإسلامي الحَنيف المنزل بالإرهاب…هكذا هي سياسة الغرب ودعايتها الإستعماريَّة، فالعربي والفلسطيني ممنوعٌ أن يحلمَ بالجمال ِ والحبِّ والعيش الكريم وممنوعٌ لهُ السَّفر إلا َّ بين الأطلال ِ والقبور … أيّ يجبُ أن يبقى جاهلا ً وأميًّا وممنوع أن يتطوَّرَ ويتقدَّمَ تيكنيلوجيًّا وحضاريًّا واقتصاديًّا، وأمَّا الانظمة العربيَّة والحُكام العرب فبدلا ً من التصدِّي لسياسةِ الغربِ الغاشمةِ الإستعماريَّة فهم يُحاربونَ أحرارَ شعبهم الشرفاء منهم ولا يُريدونَ لشعوبهِم أن تتطوَّرَ وتنعمَ بالديمقراطيَّةِ والأمان لكي يظلوا حكامًا عليهم بالقوَّة وبمساعدةِ الغرب. فهؤلاء الحكام يأخذون ويستوردون كلَّ ما هو سلبي والإراءَ الخاطئة والأفكار والثقافة الهدَّامة لشعبهم عن الغرب، والمطلوبُ منهم فقط شكٌّ على بياض يقدِّمونهُ لأمريكا (ربة الإرهاب) دائمًا. فهؤلاء الحكام الخونة هانت عليهم أوطانهم ودينهم ولا يوجدُ عندهم دينٌ وإيمانٌ فشعوبهم منهم براء، فهم ما زالوا يسكرونَ بين سيقان ِ الأجانبِ العاهراتِ ويرتعونَ في مواخير الغرب النجسة ويغسلونَ دشاديشَهم بدماءِ الشُّهداءِ الأبرياء، فهؤلاء الحكام ماتت ضمائرُهُم فهي كالحجارة أو اللحدود دون نبض. ويقولُ الشَّاعرُ في نهايةِ القصيدةِ:

("فاسجدوا لأمريكا يا عبيد //
عليكم لعنة ُ اللهِ والتاريخ ِ والشُّعوبِ.. ودم الشَّهيدْ ").

فيُفجِّرُ في هذهِ الجملةِ الأخيرةِ كلَّ ثورتهِ وغصبهِ على جميع الحكام العرب الجائرين الطغاةِ والخونة ويطلبُ من لعنةِ اللهِ أن تحلَّ عليهم لِمَا اقترفوهُ من مخازي وجرائم وموبقات ومآسي وكوارث ضدَّ شعبهم وبلادِهم ودينهم وعملوا وارتكبوا كلَّ ما يُغضبُ اللهَ وأنبياءَهُ ورسلهُ من أقذار ٍ وأعمال ٍ مشينة. إنَّ هذهِ القصيدة َ مستواها عال جدًّا ولغتها قويَّة وجزلة وثوريَّة تذكّرنا بالشَّاعر العراقي الكبير "مضفر النوَّاب، وخاصَّة ً في انتقاداتِهِ اللاذعةِ البركانيَّةِ للحكام ولملوكِ العرب.
وهنالك عدَّة مقاطع في القصيدة على وزن المتدارك، ومضفر النواب نجدُ الكثيرَ من قصائدهِ على هذا الوزن، وخاصَّة ً ديوانهُ وتريَّات ليليَّة. ويذكرنا الشَّاعرُ أيضًا بشعراءِ المقاومةِ الفلسطينيِّين في فترةِ الخمسينيَّات حتى أواخر السبعينيَّات وبشعرهم الوطني الحماسي المُقاوم، مثل: راشد حسين، توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، فدوى طوقان، شفيق حبيب، فوزي الأسمر وحنا إبراهيم ومحمود الدسوقي وهايل عساقله … وغيرهم. وفي القصيدةِ الكثير من الصورالشِّعريَّة الجميلة والإستعارات والإبتكارات البلاغيَّة الجديدة التي لم يستعملها شاعرٌ من قبل.

وإلى قصيدةٍ جديدةٍ أخرى من الديوان بعنوان: ( "عربيٌ أنا "- صفحة 19 - 23) وهي وطنيَّة حماسيَّة يشوبُها الطابعُ الرُّومانسي، يتحدَّثُ فيها الشَّاعرُ عن القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ وعن الإنسان الفلسطيني في الضفة والقطاع وفي المهجر والشتاتِ ونضاله ضدّ الأعداء والمستعمرين ويتحدَّثُ عن انتفاضةِ أطفال الحجارة ومقاومتهم وتصدِّيهم لجنود الإحتلال، فيقولُ في القصيدة:

("عربيٌّ أنا… فلسطيني
في عيوني أسرارُ القدس قد بنيت
وصدري غاباتُ قندول ٍ وزيتون ِ
ومن فؤادي ينابيعُ كنعان تفجَّرت // فاضت على الكون ِ بالسِّلم ِ والنور//
ويقولُ: ("كلماتي معولٌ في يدِ فلاح // وسيوفٌ تناجزُ السَّفاحْ //
وحَجرٌ يرميهِ طفلٌ في وجهِ مُغتصب //").

وقولُ أيضًا: ("لملمتُ أحجاري بكفِّي // ولملمتُ أشلاءَ أطفالي // ومَا تبقى من شراييني // ووقفتُ شامخًا في زمن ِ الإنحِناءِ اليعربيِّ // كالزيتون ِ والنخل ِ والتين ِ وقلتُ ها أنا ذا هي ذي هويَّتي // عربيٌّ أنا … فلسطيني // ").

وبإختصار ٍالقصيدة ُجميلة ٌ جدًّا وطويلة ٌ ومُؤثِّرة ٌ، يتحدَّثُ فيها الشَّاعرُ بتوسُّع ٍعن القضيَّةِ الفلسطينيَّة ومأساةِ الشَّعب الفلسطيني ومُعاناته ومقاومتهِ للظلم ِ والإحتلال في كلِّ مكان.
وإلى قصيدةٍ أخرى بعنوان: ( "خمائل فوق روابي الشَّمس "- صفحة 41 42) وهو عنوان الديوان … والقصيدة ُ وجدانيَّة فلسفيَّة وإنسانيَّة من الدَّرجةِ الأولى ورمزيَّة، يتطرَّقُ الشَّاعرُ فيها إلى عدَّةِ مواضيع وقضايا هامَّة ويُدخلُ ويُوظفُ فيها الكثيرَ منَ الرُّموز ليصلَ إلى فكرتهِ والهدف الذي يريدُهُ، والقصيدة ُ مستواها عال جدًّا ومتطوِّرة من ناحية تقنيَّة وحسب مقاييس ومفاهيم النقدِ الحديث وهي على بحر المتدارك ولا يقلُّ مستواها تألُّقا وإبداعًا عن مستوى كبار وفحول الشُّعراء العرب في العصر الحديث وَرُوَّاد التجديد. والقصيدة ُ مُفعمة ٌ ومُترعة ٌ بالجمال ِ والشَّفافيَّةِ وبالأجواءِ الرُّومانسيَّةِ وممتلئة ٌ بالكلماتِ السَّاحرةِ المأثِّرة والمُسكرة للروح ِ والقلبِ والوجدان. ويوظفُ الشَّاعرُ فيها الكثيرَ من عناصرالطبيعةِ وجمالها ليدعمَ ويصلَ إلى مبتغاه. يقولُ في القصيدةِ:

("شُطآنٌ ورمالٌ وزرقة ُ ماء // وبساتينُ نجوم ٍ وزنابق //
ونوارسُ تحكي للغيم ِ أشعارًا //
ويقولُ: ("والنسيمُ أرخى على خدِّ النسرين دثارَا //
وحقولُ السَّنابل ِ تمايلت طربًا //
وَراعية ُ لحن نايها ينسابُ … عبرَ الواحاتِ شجيَّا //
فيرقصُ الشُّحرورُ … ويُصفقُ في الفضاءِ هزارٌ //
وتدقُّ القصائدُ أبوابَ السَّماء //
يا روابي الشَّمس ِ أنثري على الكون ِ أشعارا //
وباقاتٍ من صفاءِ الشُّعاع // َذهِّبي الحواشي //
ولحنٌ سماويٌّ //
يُحيي موات الصَّحارى //
وخفقات قلب ليِّنة // وسكون ليل وعين غجريَّة //
وطلاسم سحر وأسحارا …") … إلخ.

عندما نقرأ مقاطعَ هذه القصيدة نتذكَّرُ مباشرة ً جبران خليل جبران وروائعَهُ الخالدة، وخاصَّة ً في وصفِهِ الصُّوفيِّ المُنمَّق والسَّاحر للطبيعةِ وبهائِها وقداستِهَا … وشاعرنا هنا يلتقي مع جبران في هذا الصَّددِ.. وبنفحاتِهِ وشطحاتِهِ الصُّوفيَّة الفلسفيَّة العميقة وفي محرابِ التعبُّدِ للجمال والحبِّ وللخالق. ولكن في نهايةِ القصيدةِ تبدو بوضوح صبغة ُ التشاؤم أو بالأحرى الحزن العميق والرَّزين، ويتحدَّثُ الشَّاعرُ عن وطنِهِ وعن القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ ومأساةِ الشَّعب الفلسطيني وما كابدهُ هذا الشَّعب وما خسرهُ لأجل ِ الحُريَّةِ والإستقلال والعيش الكريم حيث يقول:

("فروابي الشَّمس ِ رمالٌ وبحرُ سرابْ //
فكلُّ خميلةٍ كجنان ِ الفردوس ِ كانت //
صارت جحيمًا … حرائقَ خرابْ //
والمعنى واضحٌ ومفهومٌ هنا... أيّ أنَّ المُحتلَّ اجتاحَ كلَّ شيىءٍ وأحرقَ الأرضَ والزرعَ والأخضرَ واليابس وعاثَ في البلادِ فسادًا وخرابًا وطمسَ كلَّ معالم ِ الجمال.

ويقولُ الشَّاعرُ:

("خمائلُ الشعر اضمحلَّت //
وهيَ في ميعةِ الصِّبا وريعان ِ الشَّباب //
والبدرُ المُنيرُ جلَّلهُ السّواد // ويرجعُ الصَّدَى مَحزونا ً كئيبًا //
والشّيبُ والشَّبابُ غارقونَ في بحر ِ العذاب //
ويقولُ: ( "أينَ العُروبة ُ والأخوَّة ُ يا وطني ؟؟ //
وأينَ العدلُ وميزانُ الصَّواب //
وتترنَّحُ القصائدُ ألمًا وحُزنا ً //
وروابي الشَّمس ِ تقرعُ الأبواب // ").

فالقصيدة ُ تنتهي بنبرةِ الألم والحزن والمعاني مفهومة ٌ واضحة ٌ للجميع وليست بحاجةٍ لتفسير … وشاعرنا كما يبدو يُكرِّسُ القسمَ الكبير من أشعارهِ للقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ وللشَّعبِ الفلسطيني، وحتى في قصائدهِ الوجدانيَّة والوصفيَّة والفلسفيَّة والتي يتحدَّثُ فيها عن الأمور الحياتيَّة بشكل ٍ عام … إلخ... فيتطرَّقُ إلى الجانبِ الوطني والقومي وللقضيَّةِ الفلسطينيَّة، وكان على هذا المنوال الشَّاعر الكبير "براهيم طوقان "- (شاعر فلسطين قبل النكبة) فكانَ يستغلُّ كلَّ مناسبةٍ وكلَّ موضوع ليتطرَّقَ إلى السياسةِ والقضيَّةِ الفلسطينيَّة وبيع ِالأراضي من قبل السَّماسرةِ والتجار وغيرهم … فمثلا ً لهُ قصيدة ٌ في وصف فصل الرَّبيع رائعة جدًّا ويُنهي القصيدة في الحديثِ عن الأرض والوطن وأهميَّة الأرض للإنسان، وأنَّ الرَّبيعَ وجماله وبهاءَهُ ورونقهُ يهنأ بهِ ويستمتعُ بسحرهِ وبهائهِ مَن لهُ أرضٌ وليسَ َمنْ يبيعُ أرضَهُ للسماسرةِ والتجار أعداء الوطن والشَّعب - حيثُ يقولُ:

("َفرَحُ الرَّبيع ِ لِمَن لهُ أرضٌ وليسَ لِمَنْ يبيعُ ")
وكانَ للأمومةِ والمرأةِ دورٌ ومكانة ٌ كبيرة هامَّة عند الشَّاعر وقد كتبَ الشَّاعرُ للأمِّ والمرأةِ (حوَّاء)

قصائد عديدة، منها قصيدة ("حواء "- صفحة 104) حيثُ يقولُ فيها:

("حَوَّاءُ يا صَفاء الأمل // وبهجة الروح ِ دنياك ِ //
ويقولُ: ( "إسألوا التاريخَ عنها // منذ ُ فجر ِ الحياةِ السَّحيق //
إنَّها الأمُّ الرَّؤومُ // والأختُ والبنتُ والزَّوجة ُ… والصَّديق // ").

يشيدُ الشَّاعرُ هنا بمكانةِ المرأةِ والأمِّ ودورها الهام والرَّائد في تربيةِ الأطفال ونشأتهم فهي نصفُ المُجتمع بكلِّ معنى الكلمة. ويقولُ في القصيدة:

("حَوَّاءُ ليست مُجرَّدَ وعاءْ // وليست للتسلِّي والمجُون //
وليست كأسَ لذ َّةٍ في العراء ْ //
وهيَ للرُّجولةِ دفءٌ وسَكن // وبناءُ الحضارةِ بالبهجةِ يُضيىء//
كلامُها شهدٌ يُداوي الجراحْ // وللأسرةِ نياشينُ وشاحْ //
وهيَ لغزٌ رائع الفتون // وخفقان ُ قلبِ مُحب //
وَشدوُ بلبل ٍ صَدَّاحْ //
وهيَ جمالُ الهوى المُعَطَّرْ // وَمبسمُها فجرٌ باسمٌ وضَّاحْ //
وهيَ حكاية ُ يراع ٍ خجولة // وناي راعيةٍ في بساتين النجوم //
وضحكات عيون ٍ ملاحْ //
هي درَّة ُ الأيَّام ِ وحلوها // ودوحُ جنانها ألذ ُّ منَ الرَّحيق // ").

أيّ أنَّ للمرأةِ مكانتها واحترامها وقداستها وأهميتها وموقعها في المجتمع وليست دمية ً أو أداة ً ووسيلة ً للهو ِ والإستمتاع كما يعتبرُهَا البعضُ في المجتمع، وخاصَّة ً بعض الشّعراء الغزل والإباحيِّين وأصحاب المفاهيم الذكوريَّة والعقد المترسبَّة والأفكار الرَّجعيَّة من مخلَّفاتِ العصر الجاهلي. وليست كما يعتبرُها نزار قبَّاني وكما يصوِّرها في الكثير ِ من أشعارهِ الغزليَّة الإباحيَّة وغيره من الشُّعراء.

فحوّاَءُ المرأة كما يقولُ شاعرنا شكيب عبد الحليم:

("وللأجيال ِ مدارس وفخر ٌ // حوَّاءُ نصف المجتمع //
ولولاها لما كانت حياة ٌ // ولا اخضرَّ منتجَعْ //
ولولاها لجفتْ روافدُ البسمَات // ولا طفلٌ في الربوع ِ رتعْ //
وهيَ الطيبُ وطيبُ الطيبِ // وحقلُ السَّعادةِ فيها انزرَعْ //
وهيَ للعيون ِ بهجة ٌ وبهاءٌ // َومُلهمة ُ الشُّعراءِ قريضًا وَسَجعْ // ").

بهذه الكلماتِ واللوحاتِ الشَّاعريَّةِ الجميلةِ والعذبة والتعابير الصادقة والمُنَّمقة يُصَوِّرُ ويرسمُ لنا الشَّاعرُ المُبدعُ "شكيب عبد الحليم "المرأة، فالمرأة ُ في مفهومهِ وآيديلوجيَّتِهِ هي الأمُّ والأخت والزوجة والزميلة والصَّديقة ورفيقة الدَّرب ورفيقة الكفاح والنضال من أجل ِالحريَّة والعدالة والعيش الشَّريف والكريم...وهي وكلُّ شيىءٍ في الحياة - فالرَّجلُ بدون ِ المرأةِ لا يصلحُ لشيىءٍ فهي نصفهُ المكمل وشريكهُ في الكفاح والنضال وفي قطع ِ مشوارِ الحياة بجميع أبعادِهِ... بحُلوهِ ومُرِّهِ، بأفراحِهِ وأتراحِهِ … والمرأة ُ هي التي تضيفُ وتدخلُ البهجة َ والسرور والفرحَ والسَّعادة المثلى (الجسديَّة والرُّوحيَّة) للرَّجل وللحياةِ بشكل ٍ شامل، وبها تكتملُ الحياة ُ وتتألَّقُ وتزهو وتحلو.
وفي هذهِ القصيدةِ يستعملُ ويُدخلُ الشَّاعرُ بعضَ التعابير والإستعارتِ البلاغيَّةِ الجميلةِ والجديدةِ والمُوفَّقةِ، وربَّما يكونُ هوَ أوَّلَ من استعملها، مثل: "روافد البسمات "و "طيب الطيب "و "ناي راعية في بساتين النجوم".. وفي توظيفهِ لعناصر الطبيعةِ ومباهجها وسحرها وروعتِهَا وبتعابيره وبتشبيهاتِهِ الرومانسيَّةِ الحالمة وبشطحاتِهِ الصوفيَّة قد يقتربُ إلى جوِّ وعالم وأسلوبِ الأديبِ العربي الكبير "جبران خليل جبران".

وإلى قصيدة ٍ أخرى من الديوان بعنوان ("ها قد أتى العيدُ يا أمِّي "-صفحة 29 – 30) ولعلَّها من أجمل قصائد هذا الديوان حيثُ يقولُ فيها:

("وليسَ لي من ثيابٍ سوى خرق ٍ سماج ٍ بالياتْ
فلا ثوبٌ جديدٌ أرتديهِ ولا فرحٌ لعيوني الباكيات
وفي الفؤادِ أكداسُ أحزان ِ
لو فاضَ بها فؤادي لأغرقت كلَّ الصَّحاري وربوعِنا الخالياتْ
ها قد أتى العيدُ يا امِّي وليتهُ ما جاءَ وأعلنَّا أنهُ ماتْ
وليسَ في العيدِ من جديدٍ سوى أمواج ِ المآسي ومرير الذكرياتْ
وليسَ لي في العيدِ من أمل ٍ ورأسُ مالي الأماني الكاذبات
كلُّ أطفال العالمين في العيد يفرحون إلا َّ أنا حرمتُ المَسرَّاتْ
وطني في بروج ِ العذابِ مصلوبٌ ويقتلُ المحتلُّ أحلامي البريئاتْ زرعوا روابيهِ بالإستيطانِ البغيض ِ واقتلعوا الكرومَ ولينَ الشجيراتْ
ها قد أتى العيدُ يا أمِّي وليتهُ يا أمَّة َ الضَّادِ ما جاءْ
دربي بالأشواكِ زرعوها وشنوها عليَّ حربًا شعواءْ
والأهلُ يا أمِّي حولي سكوتُ جمودٌ، كأنهُم صخرة ٌ صمَّاءْ
فقدوا الأحاسيسَ تبلَّدوا وهم صفوفٌ في خانةِ الأعداءْ
نشربُ من دمع ِ اليتامى كؤوسًا والخُبزُ تعاسة ُ التعساءْ
أحرقوا بيتي ومدرستي ودفاتري وشوَّهوا الشَّمسَ وسمَّمُوا الأجواءْ
صادروا فرحي وسروري
والناسُ يتفرَّجُونَ لاهُونَ وتترى قوافلُ الشُّهداءْ
فلِمَ أتيتَ يا عيدُ !!؟؟ ليتكَ ترجعُ بقصيدتي لأبي الأنبياءْ").

وهذه القصيدة ُ هي إنسانيَّة ٌ واجتماعيَّة من الدرجةِ الأولى ونتذكَّرُ عندما نقرؤها روائعَ الشعراءِ العربِ الكبار في مطلع القرن العشرين، مثل: معروف الرَّصافي وجميل صدقي الزَّهاوي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والبارودي عندما يتحدوثون في قصائدهم عن الظلم ِ الفقر والمعاناةِ والألم وعن الطفل اليتيم ومآسيه … ونتذكر أيضًا الشاعرَ الفلسطيني الكبير المرحوم راشد حسين في قصائدهِ عن الفلسطينيِّين المُشَرَّدين واللاجئين في الخيام وما يكابدونهُ من حزن وعذاب وفقر وحينما يعزُّ عليهم نيل رغيف الخبز حيث يقول راشد في إحدى قصائدِ: (وكأنَّ من الزئبق ِ خبز الفقير) … أي يصعبُ الإمساك بهِ وسرعانَ ما يختفي، ونتذكَّرُ أيضًا فدوى طوقان في قصائدها عن اللاجئين، وخاصَّة ً قصيدها: "مع لاجئةٍ في العيد "التي تتناولُ فيها نفسَ الموضوع ونفسَ التَّوَجُّه الذي طرحهُ شاعرنا شكيب عبد الحليم في هذا الصَّدد. وقصيدة شكيب تتمحورُ وترتكز في عدة مجالاتٍ وأبعاد، وهي:

1) البعد الإنساني. 2) البعد الإجتماعي. 3) البعد الوطني والقومي. 4) البعد السياسي. 5) البعد الأمَمِي. ومن الناحيةِ الشكليَّة لقد كتبَ وأدرجَ الشَّاعرُ جُمَلَ القصيدة على شكل ِ أبياتٍ وأعطاها الطابعَ والشكلَ الكلاسيكي التقليدي مظهرًا والتزمَ في القافيةِ في نهايةِ كل بيت وقد استعملَ قافيتين وهما: (التاء والهممزه) ولكنهُ لم يلتزم بوزن معيَّن في القصيدة فقد استعمل عدَّة أوزان، وفي نفس الجملة الشِّعريَّة نجد أكثر من تفعيلة أو وزن ولكنَّ القصيدة كلماتها جميلة ورنّاَنة وجيِّدة السَّبك وتترعها موسيقى داخليَّة أخّأذة ٌ ويشعرُ كلُّ قارىءٍ مهما كانت نوعيَّتهُ وثقافتهُ بجماليَّتِها وسلاستِهَا وبجرسها وإيقاعها الجميل المموسق والذي تستسيغهُ وتشنفُ بهِ وتطربُ كلُّ أذن بالرغم من عدم تقيُّدِها الكلِّي ببحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولهذهِ القصيدةِ وقعها وتأثيرها الكبير والهام على كلِّ إنسان نفسيًّا ووجدانيًّا وعاطفيًّا وعقليًّا، لقد صاغها ونسحها شاعرنا بحسٍّ شاعريٍّ فنان ٍ صادق ٍ مُرهف. وبالمقابل قد نجدُ الكثيرَ من القصائد الموزونة والمقفاة لشعراءٍ آخرين، وخاصَّة ً محلِّيِّين (شويعرين) وهم ليسوا شعراء ولا توجدُ عندهم الموهبة الفنيَّة إطلاقا ً ولا نشعرُ بالمرَّة بالجرس الموسيقي في قصائدهم، بل جميع ما يكتبونهُ وما يسمونهُ شعرًا تقرفُ وتشمئزُّ من سماعهِ الآذانُ وتنبذهُ وترفضهُ العقولُ والإذهان فهو مجرَّدُ صفِّ ورصِّ كلام لا أكثر. وهذه القصيدة بشكل ٍ عام هي جميلة ورائعة بكلِّ المقاييس والأفهام: الذوقيُّة والفنيَّة والتعبيريَّة وتجَسِّدُ مشاعرَ وأحاسيسَ ولواعجَ كلَّ إنسان ٍ مظلوم ٍ ومُضطهد في هذا العالم يناضلُ ويكافحُ من أجل ِ حقهِ المسلوب.

وللشاعر شكيب عبد حليم قصيدة في نزار قبَّاني (صفحة 99 – 101) وهي قصيدة جميلة ويقولُ فيها:

("قالوا نعت فيحاءُ العروبةِ بيرقا ً
ملكَ البلاغةِ والصَّقيلَ الألمَعَا
قالوا قضَى والموتُ كأسٌ لا يلذ َّ لِشاربٍ
تأبى النوائبُ إلا َّ أن تجرعا
وهوَى كنجم ٍ ساطع ٍ في كبدِ السَّما
فاهتزَّ رُكنُ القصيدةِ تأوُّهًا وتوجُّعَا
وإذ المنابرُ تميلُ في أركانِها
حزنا ً وقد كانَ الأديبَ الأصقعَا ")

والقصيدةُ كلاسيكيَّة من ناحيةِ الشكل ِ ويلتزمُ الشاعرُ بالقافيةِ في نهايةِ كلِّ بيتٍ ولكنَّهُ لا يلتزمُ بوزن ٍ معيَّن … وبإختصار هي قصيدة ٌ جميلة ٌ ومُعبِّرة ويذكرُ فيها أهميَّة َهذا الشَّاعر العملاق ودورَهُ في مسيرةِ التجديدِ والإبداع ِ في الشِّعر ِالعربي الحديث.

وفي هذا الديوان يتطرَّقُ الشَّاعرُ إلى مواضيع وقضايا عديدةٍ: إنسانيَّةٍ وإجتماعيَّة وفلسفيَّة ووجدانيَّة وغزليَّة ووطنيَّة وسياسيَّة وأمميَّة، وكانَ للقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ ولقضايا الأمَّةِ العربيَّة بشكل ٍعام دورٌ كبير ومسافة ٌ واسعة في شعرهِ، في هذا الديوان وفي غيرهِ من دواوينهِ الأخرى، وقد كتبَ أيضًا لمآسي ورزايا المسلمين في البلقان (البشناق) بأوروبا الذين تعرَّضوا لأبشع ِ وأعنف ممارساتِ الإجتياح والإغتصاب والقتل والإبادة الجماعيَّة من قبل الأوروبيِّين الأكثريَّة في تلك البلاد الذين يدَّعُونَ التحضُّرَ والرّقيَّ والتقدُّم والعولمة وأمام صمتِ جميع ِ وسائل ِ الإعلام الغربيَّة المعادية للشرق والعرب والمسلمين ودول العالم الثالث كما يسمُّونها في مفاهيمهم وتجاهلها الكلِّي لهذه الجرائم البشعة والنكراء. ولهُ قصيدة في هذا الديوان بعنوان: ("هتلر والبلقان "- صفحة 122 125) – ويقولُ فيها:

("إليكِ يا بشناقُ وأهلها // دم اليراع يسيل //
لآلافٍ عُزَّل ٍ ذبحوا ظلمًا // بوحشيَّةٍ ليسَ لها من مثيلْ
ويقول: ( "بنات سراييفو تنادي // يا حُماة َالكلابِ والقرودْ //
هل تساوي سراييفو دُبًّا مفقودْ ؟؟ //
الأمَّهاتُ في البشناق ِ يرفعنَ الأيادي الصَّابرَهْ //
بإصبعِ اللإتهام ِ تشيرُ // للصامتين َ على المآمرَهْ //
في عرفِ نظامكم الجديد يا سماسرهْ !!! //
ألا نساوي دلفينا ً أو َخدَّ عاهرَهْ //
سلَّحوا الوحشَ بأحدثِ السلاح //
وحرَّموهُ على الضحيَّة َ لتكتملَ المآمرَهْ //
وألقوا الأبرياءَ للوحوش ِالكاسرَهْ //
دعني يا يراعي أجترُّ أحزاني //
ألملمُ ما تبقى منَ الأشلاءِ الطاهرَه ْ //") … إلخ.

إنَّ معاني القصيدة موفهومة ٌ وواضحة ٌ جدًّا فهو يُخاطبُ هنا دولَ الغرب الأمبرياليَّة التي ُتسَلِّحُ سكانَ البلقان الأوروبيين ليقتلوا المواطنين المسلمين هناك بدم ٍ بارد وهذه الشعوب والدول الاوروبيَّة ومع أمريكا الذين يدعون الحضارة والتقدم ويتبجَّحُونَ بالعولمةِ وأخوَّةِ الشعوبِ ومناصرةِ المظلومين ومعاداة الإرهاب وفي الحقيقةِ همُ الإرهابيّون والقتلة ُ والذين يمتصُّون دماءَ الشعوبِ الضعيفةِ والفقيرةِ والمسحوقةِ والمغلوبةِ على أمرها.

ونجدُ الشاعرَ شكيب في العديدِ من قصائد هذا الديوان يوظفُ شخصيَّات تاريخيَّة وأسطوريَّة، مثل: "زرقا ء اليمامة - في قصيدة لهُ صفحة (77 – 80)، و "يابوس "– مدينة أورسالم (أورشليم) التي بناها اليبُّوسيُّون العرب وقد احتلّها الملك داود منهم، والمثنى بن حاثة الشيباني وسعد بن أبي وقاس والمقداد بن الأسود في قصيدة: (قصيدة كفوا الأذى عن شعبِ العراق - صفحة 24 - 25) …. وغيرهم من الشَّخصيَّات.

وأخيرًا: إنَّ هذا الديوان من أجمل وأحسن الدواوين الشِّعريَّة التي صدرت محلَّيًّا، وشاعرنا قبل كلِّ شيىءٍ هو إنسانٌ بكلِّ ما تعنيهِ هذه الكلمة ُ من أبعادٍ، فهو مؤمنٌ وَمُتسربلٌ بالمبادىءِ والقيم ِ والمناقب الحميدةِ وشاعرٌ وطنيٌّ ملتزمٌ وحُرٌّ من الدرجةِ الأولى، وشعرهُ وجدانُ وضميرُ كلِّ إنسان ٍعربيٍّ حُرٍّ وشريف في كلِّ بقعةٍ ومكان ٍ، َويُجَسِّدُ ما يُعانيهِ ويُحسُّ بهِ من هذا الواقع الأليم … وما تكابدُهُ الأمَّة ُالعربيَّة والشَّعبُ الفلسطيني وما يتعرَّضون لهُ من مآمراتٍ ودسائس ٍعلى جميع الأصعدة:الإقليميَّة والعالميَّة. ويُصوِّرُ شاعرنا في معظم قصائد الديوان بالضبط ما يدورُ على السَّاحةِ العربيَّة والفلسطينيَّة من أحداثٍ وأمور جسام وبلغةٍ شعريَّةٍ صافيةٍ راقيةٍ منمَّقةٍ ورائعة، ولا يستطيعُ أيُّ شاعر ٍ أن يصلَ إلى مستوى شاعرنا وَيُعبِّرَ ويُصوِّرَ الأمورَ والأحداثَ بهذهِ الدِّقةِ والرَّوعةِ والإبداع.

وأحبُّ أن أذكرَ أنهُ لم يكتبْ حتى الآن عن الشاعر ِ القدير ِ والمبدع "شكيب عبد الحليم "وعن دواوينِهِ وإصداراتِهِ أيُّ ناقدٍ (نويقد) محلِّي (رغم مكانته الأدبيَّة والشعريَّة والثقافيَّة وأعماله وإصداراته الكثيرة والمميَّزة ونشاطه المتواصل ثقافيًّا)، وخاصَّة ً أولئكَ الذين ينالون الجوائزَ السُّلطويَّة مقابلَ سكوتِهم وخصائِهم ثقافيًّا وفنيًّا وفكريًّا …أو مقابلَ عمالتِهم واذدِنابهم وخنوعِهم وإذعانِهم وتشويشهم وتخريبهم على الأدبِ والشِّعر والإبداع ِ المحلي وتزييفهم وتشويههم للحقائق ِ فيجعلون الأسودَ أبيض والأبيض أسود، والمعتوه وغريب الأطوار والعميل يجعلونَ منهُ مبدعًا وفنانا ً وشاعرًا وووطنيًّا، والفنان الكبير والأديب والشاعر الحقيقي الوطني النظيف والشريف والمبدع لا يكتبون كلمة ً واحدة ً نظيفة ً في حقهِ، بل قد يهاجمونهُ بشكل ٍ سخيفٍ وتافهٍ ظلمًا وافتراءً بإيعاز من أسيادِهِم، والذي يكتبونهُ ويخربشونهُ في حقِّ الشعراءِ والكتاِب المحلِّيِّين سواء كانَ مديحًا أو هجاءً هو مجرَّد هذيان وتخبيصاتٍ وخزعبلاتٍ فارغة ونفاياتٍ ليسَ لهُ علاقة ٌ إطلاقا بالنقدِ والأدبِ. وهذه الظاهرة ُ السلبيَّة ُ والخطيرة موجودة ٌ بشكل ٍ واضح ٍ ومقرفٍ على الصَّعيدِ المحلِّي،على الساحةِ الأدبيَّة والثقافيَّة، وتعكسُ مدى الهبوطِ الإنحطاط الذي وصل إليهِ وضعُ الأقليَّة العربيَّةِ في الداخل (داخل دولة إسرائيل) وتعكس مدى مصداقيَّةِ أولئك القيِّمين على الثقافة والأدب والفن والإبداع الموجَّهين والمسيَّرين من قبل السُّلطة الغاشمة ومستوى هؤلاء النويقدين والشويعرين السلطويِّين والمقرَّبين من السُّلطة ومستوى ثقافتهم المزعومةِ وانحطاطهم السياسي والفكري والإنساني. وكيفَ أنهم يتجاهلون كلَّ إنسان وفنان ٍ وشاعر ٍ وطنيٍّ مُبدع ٍ مثلَ شاعرنا شكيب عبد الحليم الذي خدَمَ شعبَهُ وعروبتهُ بإخلاص ٍ وقدَّمَ أسمَى وأروع الكلمات والدُرر الخالدة. وتعكسُ أيضًا مستوى ومصداقيَّة جوائز التقرُّغ السلطوية التي ُتمنح كلَّ عام لعددٍ من الكتابِ المحليِّين الذين معظمهم ليست لهم أيَّة ُ علاقةٍ مع الثقافةِ والإبداع.
وفي النهايةِ أقول: رحمَ اللهُ الشَّاعرَ القدير والمُبدع والمُمَيَّزَ الأستاذ "شكيب عبد الحليم "...وكان فخرٌ وشرفٌ كبير لي أن أكتبَ دراسة مطولة لديوانه هذا(خمائل فوق روابي الشَّمس) القيِّم،وكم كنا نتمنّى لهُ العمرَ المديدَ والمزيدَ منَ الإصدارات شعرًا ونثرًا ولكن يدَ القدر لم تمهله فخطفهُ الموتُ وهو في أوجِ نشاطهِ وعطائهِ وتألقهِ. وللأسف الشديد أقول وأكرِّرُ: إنَّ شاعرنا رغم قدراته الأدبيَّة الفذه ومستواه الشعري الراقي والمميَّز لم يأخذ حقهُ من شهرة وانتشار وأهتمام من قبل الجهات والأطر الثقافيَّة والأدبيَّة المسؤولة ولم تُقم له أمسيات تكريميّة خارج قريته احتفاء باصداراته وإنجازاته وإبداعاته الشعريَّة والادبيَّة...وشعرُهُ يضاهي مستوى كبار الشعراء المعروفين والمشهورين ويستحقُّ أن يدرَّسَ في المدارس والجامعات محليًّا وفي العالم العربي.


حاتم جوعية

كاتب وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف