لن اغفر لك ابدا..

، بقلم عبد الجبار الحمدي

خالت نفسه بأنه هو .. هو يا إلهي أيعقل ان يكون هو من ابحث عنه منذ سنين طويلة مضت؟ دون ان يستأذن منه ألقى برمته الى جانبه وهو قابع في شبه زاوية من زقاق جانبي ملتو كثعبان، متكئ على صرة كبيرة وقد امسك بعقب سيجارة يجترها حتى آخرها، كانت يديه مغطاة بجلد قد تحرشف وتصدف إلا من بقع صفراء حيث يمسك بالسيجارة، تساءل أيمكن ان يكون قد نزع جلده ليتخذ هذا الجلد القبيح!! وإن كان فعل لم ذلك؟ لعله ليس الذي ابحث عنه!، فقالت نفسه لم القلق والتردد بادر بسؤاله.. تسارعت الكلمات منزلقة كمن يدفع بها.. فكانت ألست انت محمود؟؟ أولست اخي الأكبر الذي ابحث عنه!؟ أنه انا ميلاد ألم تتعرف عليّ؟ كانك لا تعي ما أقول؟ ارجوك تطلع الى وجهي، حاول ان تحسن النظر بتمعن لاني أكاد اجزم إنه أنت..

لم يحرك ساكنا او يرفع رأسا او يطرف بعين، بل لف نفسه كما الصرة التي تكورت تحت ابطه وهو يبحث في داخل الصرة عن بقايا سيجارة، غير آبه بما يقول هذا الذي حاول المستحيل لأن يسمع صوته، ربما .. ربما يمكنني ان اتعرف عليك من صوتك فأنا لا زلت اتذكره جيدا اعني صوت محمود، ارجوك يا هذا رد علي لقد احترقت اعصابي وانا احاول استمالتك للحديث، أيمكن ان ترفع رأسك قليلا لأرى وجهك..

بالكاد حرك رأسه حين رآه قد برك على ركبتيه توسلا لأن يفعل ما سأله، يا ربي ما هذا؟؟؟ أين ملا مح وجهك لقد دثرت كلها بشعر ذقنك ورأسك، كأنك رجل كهف، أيعقل ان تكون مرتاحا لحالتك، ثم مالذي دفعك للعيش كالبهيمة، وأنت شخص لك ما لك من عالمك الذي بنيت.. لا أفهم ما هي غايتك؟! هلا أجبتني عن اسئلتي وفضولي، فإن كنت لست محمود قل لي انطق عن الجوهرة لأذهب في طريقي دون رجعة إليك، فحالك هذا يؤلمني بل يدميني.. ارجوك اقبل يدك..

ما أن امسكها وشعر بحرشفتها ورائحتها وقربه من جسده حتى مال برأسه الى الوراء، وقد اطنبت براعم أنفه بالهرب من نتانته، يا للجحيم ما اشد نتانة رائحتك عذرا.. ألم تستحم يا محمود؟؟ ألا تشم نفسك ورائحتك تبدو كرائحة بول وتغوط سجين لا يرمي بفضلاته، كيف استحملت كل هذا؟ يا لحقارة الأيام التي عاقبتك أشد مما عاقبك القانون على جنايتك بقتل سامي صديق دربك في كل شيء، ربما كنت غير مدرك حينها لما حدث لكن ما كتب وما قيل كان كفيلا بأن أفهم أنه عن غير قصد لم تكن جريمة بقصد القتل اليس كذلك؟؟ لكن هكذا بدت لمن اخرس ألسنة عن قول حقيقة.. سنين طويلة بحثت فيها بعد ان وعيت عقلي عمن لزم الصمت وعن من شهد ليوردك حتفك، قد اكون وجدت بعض الخيوط لكن الحقيقة الوحيدة هي عندك انت احتفظت بها لنفسك ولا احد يعلم السبب حتى الآن..

يبتلع ما يسمع كشفرة حادة لا يستطيع ان يكسرها ولا يمكنه ان يخرج عباراته للرد بعد ان عود فكيه على البقاء دون حركة الى ان تيبست صوامله.. لكنه لا يريد ان يثير جلبة، ما ازعجه من هذا الفضولي العفوي، فحاول دفعه ليعبر عن ملله من لغو دون طائل.. بصعوبة رفع رأسه الى الرجل وهو يزج بمفردات التذمر الى الخارج بلسان اخضر محتضرا في باطن فاه وهو يبتلع مرارة حنضل الأيام من بقايا طعام فاسد، ودخان اصفر يحمل السعال بطاقة يا نصيب ...

هيه انت يكفي ثرثرة فأنا لست الشخص الذي تبحث عنه، هيا خذ زوبعة فضولك بعيدا واتركني في حالي، ما لك بي يا هذا، لم ترمي تهمك وعوق اخطاءك علي فأنا لا ادري من تكون وما هو بلاءك، فقط اذهب بعيدا..اتركني او اعطني سيجارة ثم ارحل..

قال ميلاد في نفسه .. يا للخيبة لا يمكن ان يكون هذا صوت محمود، إني اعرفه تماما لا زالت كلمات الأغنية التي نغنيها معا ترن في أذني، لقد كان لصوته شبه رنة اما هذا فصوته كما هيئته ورائحته، لا بل صمته افضل بكثير عن حديثه لقد لوث وجهي برائحة فمه ورذاذه المنتن.. لا اصدق ان البشر يمكن ان يكون كالحيوان..!!؟

سمعه يقول: تمهل يا هذا بل هو اسوء من الحيوان، لأن الحيوان رغم عدم امتلاكه العقل غير ان غريزته وطباعه قد جعلت منه ينصاع لراعي القطيع ايا كان جنسه ويألفه، ومن يحيد عن الجمع يقتل او ينبذ بعيدا، هكذا هو قانون القطعان اما قانون الغاب والمخاتلة والعيش على الطبقات الضعيفة والساكنة، او لنقل المسالمة لا يسمى بعالم الحيوان بل هو عالم الإنسان المتحيون الى حد الشراسة بالاستمتاع في القضاء على اي فريسة كانت، فقط ليثبت انه متسيد الحالة.. هكذا هو الانسان المتحيون يعكف على إيذاء الضعفاء من الفرائس ليوصل رسالة الى الأقوياء اصحاب السيادة، إني يا هذا تحيونت بعيون من رآني مفترسا قبل ان يراني إنسانا، عقد عزمه بأن اكون ملقى في مكاب نفايات وأزقة خربة كما هو حالي.. لا لشيء سوى أني امتلك قلبا لا اكثر..

اراك يا أنت تجيد الحديث، بل اجدك تمتلك من الحكمة ما يثير فضولي أكثر، ربما ينسيني مسألة أخي محمود الذي ضاع لخرسه عن قول ما حدث، ولو تحدث لكان معي الآن يمرر بأصابع يده على فروة رأسي كما تعودت واحببت أن يفعله، لا تتصور كم افتقد حديثه وحنانه، فبعد وفاة والدي كان لي الأب والأخ، بل المربي الذي احترمه حين أراه يوزع الادوار من على خشبة المسرح بمقاييس المرونة والألفة، كان فنانا رائعا، صفق له الجمهور طويلا، فازت نصوص مسرحياته واخراجه لها بعدد من الجوائز، ما اجمل إطلالته وهو يحيي الجمهور بعد كل زملائه يعتصر نفسه ظلا للجميع لتسمو اسمائهم مشهورة، حتى تلك الليلة المشؤومة التي ما ان اطفأت الأضواء لأداء المشهد الأخير وقبل أن يغلق الستار عن نهاية المسرحية حتى علا صراخ الجمهور وهو يرى احد الممثلين غارق في دمه وحوله بقية الشخوص في حالة من الذهول التام، واحداهن تصرخ لقد طعنه بمدية حقيقية لقد قتل سامي.. اما محمود فقد شاهدوه وهو يمسك بالمدية في يده وقد ارتسمت على وجهه كما اتذكرها حتى اللحظة تعبير لا يمكن لأي انعكاس دهشة ان يشهده عالم من الفن.. صعق الجميع!! هربت الجماهير الحاضرة، تسارعت الاحداث وانا أرى الشرطة تتلقف محمود، تطرحه ارضا وهو جاث على الأرض بطبيعة الحال على جسد سامي، لحظتها صمت محمود والى الأبد، إلا حين سحبوه عن الجثة صرخ عاليا لن أغفر لك ابدا يا سامي.. لن اغفر لك..

عبارة قالها سمعها الجميع، شهدوا بها عليه، هي من مسحته عن خارطة الحياة، بل ازالته عن الوجود، ضاع محمود رغم كثير من المحاولات في الكشف عن كيف وصلت الى يده المدية الحقيقية ومن ابدلها لقد كانت وفق ما شهدوا به الممثلون انها مدية تمثيل مسرح لا يمكن ان تصيب أحد بجدية كما تلك التي بيد محمود.. لكن القرار صدر بالحكم عليه بالمؤبد 25 عاما
خرج بعدها محمود كما سمعنا دون ان نعلم متى والى اين ذهب؟ بحثنا عنه كثيرا لكن لم يرشدنا البحث الى سبيل، قطعوا الأمل في ايجاده إلا انا لا زلت ابحث عنه.. ويبدو يا هذا اني سابقى ابحث عنه حتى يأتي أجلي.. رمى بعلبة سجائر الى الرجل مع ورقة نقدية وادار وجهه والدموع تملأ عينيه...

امسك الرجل بعلبة السجائر بشكل دراماتيكي، جعل منها بضعة حنان، يرتشفها بشفاهه، يلثمها قبلا بشكل محزن وهو يصرخ في داخله ميلاد صغيري هذا انا محمود يا حبيبي، آه لو تعلم كم كانت حياتي عذاب دونك وامي واخواتي؟ لم استطيع ان اراكم حين تأتون لزيارتي كنت امتنع لأني لا يمكن ان ارى وجوهكم .. قاسيت الكثير حتى هزمتني إرادتي واسلمت نفسي للحزن بشكل لا استطيع التنفس دون معاناة و وجع، حتى بعد ان خرجت عقابا، عشت وانا اصنع عذابي بجريرة صديقي الذي قتلت لخيانته لعرضي الذي أمنته إياه وادخلته بيتي، راود حنان بل طعن بشرفي بعد ان ساق بها هاوية الرذيلة، لقد احبته بجنون وصدقت عذوبة كلامة و وعوده بالزواج منها، لكنه رفض كل وعوده كما رمى بصداقتنا واخوتنا، باع كل شيء، رغم اني حاولت المستحيل معه بأن يتقدم للزواج منها لفترة ومن ثم يطلقها حتى لا نفتضح كعائلة، لكن غلوه وشيطانه ركب رأسه..

وانا في السجن علمت بأن حنان قد صدمتها مركبة وماتت لم تكن تلك الحقيقة، لقد جاءتني وقالت بأنها ستنتحر بكت طويلا وانا معها، انصت لها لكني لم احاول منعها، لأني اعلم بأن محاولتي لا تمنعها عن قتل نفسها.. اقدمت على فكرة قتله بكتابة النص المسرحي بعد محاولاتي اليائسة، رسمت الى كل شيء بعناية استملته الى العمل معي كأني نسيت ما فعل، واكبت على رؤية قبح وجهه وأنا استعر نارا بالحقد عليه، توجس خيفة عن شخصيته لكن كان هناك من يقنعه المال والشهرة، نال العمل شهرة تذوق هو حلاوتها، اصابه الغرور نسي كل شيء وانا تناسيت، استمر العمل لأكثر من ثلاثة أشهر، سعيت كثيرا ليطمئن لي لا تتصور كم كان المشهد الأخير يخيفه، حتى جاءت الفرصة السانحة التي جعلتني امثل دور شخصية القاتل بعد ان اصيب رشاد بحادث..

العرض الاخير كان مهما بالنسبة له، لقد كانت شخصيات مهمة حاضرة العرض لم يظن بما نويت ان افعله حتى بعد ان قلت له أني سأقوم بالدور بدل رشاد .. كان يعول على ان يكون ممثلا مشهورا خاصة بعد ان عرض عليه البطولة في فيلم سينمائي.. قتلته بيدي هاته وانا اهمس له ستموت كالخنزير في وحل جريمتك النتنة الى الجحيم.. ثم صرخت لن اغفر لك سامي .. لن اغفر لك..

لن اغفر لنفسي يا اخي لأني انا من ادخلت الذئب الى الحملان بحسن نية .. اما ابتعادي فكان بإرادتي لأعيش بؤسا ربما اكفر عن ذنبي لأختي، ويغفر لي من ساق لي الاقدار بنص لم اتخيل في يوم من الأيام ان اقول بإخراجه او تمثيله لولا أنه كتبه علي لأؤديه على مسرح الحياة.