الخديو والسادات وسانت كاترين

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

سيناء أرض مقدسة وقطعة غالية من أرض مصر الحبيبة وقد زرتها أكثر من مرة وكتبت عنها وفي إحدى أعداد مجلة روزاليوسف قرأت موضوعا أسعدني كثيرا للصحفي حسام عبد الهادي حيث قال فيه: لم تكن سانت كاترين بالنسبة للخديو إسماعيل مجرد رمز ديني فقط ومهبط للرسالات السماوية وكذلك بالنسبة للرئيس السادات فقد كان لكل منهما حلمه الخاص بها.. الخديو إسماعيل كان يحلم بالإقامة بها لسبب صحي حيث أصيب في أواخر أيام حكمه لمصر عام 1879 قبل أن يستبعده السلطان العثماني وينفيه خارجها بالتهاب رئوي حاد يتطلب جوا جافا بالبحث عن أنسب الأماكن لتلك الظروف الصحية لم يجدوا أفضل من سانت كاترين التي أجرى بها اختبارا لقياس درجة جفاف الجو حيث تم نشر رقائق من اللحم على جبالها سواء جبل سانت كاترين أو جبل موسى وتركوها لمدة ثلاثة أشهر ليتأكدوا من تجربتهم بعد أن وجدوا لون اللحم لم يتغير مما يعني جودة الجو في تلك البقعة وصلاحيتها لعلاج الأمراض الصدرية وقتها أمر الخديو ببناء قصر له في تلك المنطقة ليقضي فيه بقية عمره وحكمه للبلاد إلا أن القدر لم يمهله وتم استبعاد البلاط السلطاني له من حكم مصر بعد أن تراكمت الديون وإزدات الأحوال الاقتصادية سوءا في البلاد وتم نفيه في نابولي بإيطاليا بعد أن رفض السلطان العثماني طلب إسماعيل بأن تكون الأستانة بتركيا مقر الدولة العثمانية منفاه.

أما الرئيس السادات فكان هدفه من وراء اختياره لسانت كاترين مقرا لواحدة من أهم استراحاته في مصر سياسيا بحتا ولامانع أن يغلفه المظهر الديني.. اختيار الرئيس السادات لسانت كاترين لإقامة استراحة بها جاء بعد تحرير سيناء واتفاقية كامب ديفيد عام 1979 وليؤكد سيادة مصر على سيناء التي كانت إسرائيل تود اعتبارها كيانا تحت سيادتها وهو ماحاولت فيه جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل في حرب أكتوبر عام 1973 حيث جاءت قبل الحرب بحوالي ثلاثة أشهر لتلتقي بالأنبا داميانوس مطران سانت كاترين وتطلب منه إنزال العلم المصري من على الدير ورفع العلم الإسرائيلي بدلا منه إلا أنه رفض بشدة وأكد لها أن سانت كاترين مصرية وستظل أرضا مصرية.
الرئيس السادات اختار سانت كاترين لأسبابه السياسية وأيضا لم يكن يريد أن يبتعد بها عن قدسيتها الدينية كمهبط للرسالات وكمكان تجلى فيه الجبل الذي خر عندما طلب موسى عليه السلام من الله سبحانه وتعالى أن يكلمه.

حلم الاستراحة لم يكن فقط هو الحلم الذي يربط بين الرئيس السادات وتلك البقعة الطيبة من الأرض المصرية التي عشقها وأنما وصلت درجة العشق عنده لهذا المكان أن يدفن فيه وهو ماأوصى به حسب الله الكفراوي وزير الإسكان في تلك الفترة بأن يبني له قبرا في وادي الراحة وهو نفس مكان استراحته المقابل لجبل موسى لأنه يريد أن يدفن في هذا المكان الطاهر الذي كلم فيه موسى عليه السلام ربه وسارت فيه العائلة المقدسة عيسى عليه السلام وأمه مريم ومر به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

كما طلب الرئيس السادات من حسب الله الكفراوي بناء مجمع للأديان في تلك المنطقة لتكون رمزا للتسامح والسلام ونبذ الخلافات بين الإنسانية كنموذج لمجمع الأديان الموجود بمنطقة عمرو بن العاص بالقاهرة ولكن لم يتحقق حلم السادات بالنسبة للقبر ومجمع الأديان فأسرة الرئيس السادات رأت أن القبر في تلك المنطقة سيكون بعيد ولايتيح لهم زيارته بشكل مستمر وحلم مجمع الأديان فقد مات الرئيس السادات قبل أن تبدأ مرحلة التنفيذ.

أما الاستراحة فقد بنيت بوادي الراحة على مساحة 150 مترا مربعا من الخشب وتتكون من غرفة نوم وقاعة طعام ومكتب ومطبخ وحمام ولم يزرها الرئيس السادات إلا 6 مرات فقط الأولى كانت عام 1979 بعد تحرير سيناء و 3 مرات في شهر رمضان أعوام 1979 و 1980 و 1981 ومرتين قبل عيد الأضحى عامي 1979 و 1980 حيث كان الرئيس السادات يفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان في سانت كاترين منذ تحريرها عام 1979 وحتى وفاته عام 1981 كما كان يفضل قضاء الأربعة أيام التي تسبق عيد الأضحى صائما متعبدا.

لذا آليت على نفسي الكتابة عن الوطن لأن أشرف كتابة وأعظم رسالة تلك التي تخدم الوطن والإنسان.

من نفس المؤلف