الحلقة الأولى

أحرف العلّة والشّعر العربي

، بقلم كريم مرزة الأسدي

1 - أحرف العلة ثلاثة (1) هي (الألف والواو والياء ) بشكل مطلق، سيّان كانت متحركة أم ساكنة - الألف ساكنة دائماً- وبغض النظر عن حركة الحرف الذي قبلها، أكانت تجانسها أم لا؟! والتجانس يعني الفتحة للألف، والضمة للواو، والكسرة للياء،وهذه الأحرف المعلولة تجمعها كلمة (واي)، والاعتلال يعني الكلمة بها حرف علّة، والإعْلاَلُ فِي النَّحْوِ هُوَ تَغْييرُ أحَدِ أحْرُفِ العِلَّةِ حَذْفاً أوْ قَلْباً أوْ تَسْكِيناً (بيع: باعَ).ويحذف حرف العلة عند جزم الفعل المضارع بإحدى أدوات الجزم مثل (لم، لما، لام الآمر، لا الناهية)، أو عندما تسبقه إحدى أدوات الشرط الجازمة، مثل (إن، كيفما، من، ما، متى، أتى، أيان، أينما، أي، حيثما)، وهذا يتم إن سبقته حركة مجانسة له، لتحل محله عند الحذف، وكذلك تحذف أحرف العلة في فعل الأمر.

وأحرف العلّة هي أصوات متحرّكة تساعد في تحديد نطق الكلمة فتخرج حروف العلة من الحلق، وتساهم الشفاه في نُطقها أيضاً، وتكمن الإفادة من هذه الأحرف في إكسابها قيمة للأصوات الساكنة، فالكلمة لا يمكن أن تلفظ من دون حروف العلة. سمّيت حروف العلة بهذا الاسم لكثرة تبدّلها وتغيرها من حال إلى آخر بالزيادة أو الحذف أو الإبدال أو القلب.

وهذا ما يميز اللغة العربية عن اللغات العالمية الأخرى إذ تكون قادرة على التعبير بمخارج حروفٍ ليست موجودة في لغات عالمية أخرى،

2 - حرف (الألف) في اللغة العربية لا يأتي إلا ساكناً، والحرف الذي يقع قبله حركته الفتحة دائماً، أي حركة تناسبه: سَالم.... حرَام....قَام...أرَىْ....ندَى ْ، فحرف الألف هو حرف علّة ولين ومد في الوقت نفسه دائماً وأبداً، سيان في الشعر أم النثر.

2 - يبقى عندنا حرفا الياء والواو:

أ - إما أن يكونا متحركين، فهما حرفا علّة فقط (حَـوَر ـ هَـيَف)، ويأتيان في الشعر كأي حرف آخرصحيح، ليس لهما خصوصية:

فقصيدة مسلم بن الوليد (صريع الغواني ) التي قالها في مدح يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني مشهورة جيدة، أورد فيها حرفي العلّة الياء والواو المتحركين مع القافية كأي حرف صحيح آخر،

انظر:

أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا غَزِلِ
وَشَمَّرَتْ هِمَمُ العُذّالِ في العَذَلِ
هاجَ البُكاءُ عَلى العَينِ الطَموحِ هَوَىً
مُفَرَّقٌ بَينَ تَوديعٍ وَمُحتَمَلِ
أَما كَفى البَينُ أَن أُرمى بِأَسهُمِهِ
حَتّى رَماني بِلَحظِ الأَعيُنِ النُجُلِ
حَذارٍ مِن أَسَدٍ ضِرغامَةٍ بَطَلٍ
لا يولِغُ السَيفَ إِلّا مُهجَةَ البَطَلِ
لَولا يَزيدُ لَأَضحى المُلكُ مُطَّرَحاً
أَو مائِلَ السَمكِ أَو مُستَرخيَ (الطِوَلِ)
سَلَّ الخَليفَةُ سَيفاً مِن بَنى مَطَــــرٍ
أَقامَ قائِمُهُ مَـــــن كانَ ذا (مَيَلِ)
كَم صائِلٍ في ذَرا تَمهيدِ مَملَكَــــةٍ
لَولا يَزيدُ بَني شَيبانَ لَـم يَصُلِ
نابُ الإِمامِ الَّذي يَفتَرُّ عَنهُ إِذا
ما اِفتَرَت الحَربُ عَن أَنيابِها العُصُلِ
سَدَّ الثُغورَ يَزيدٌ بَعدَما اِنفَرَجَــت
بِقائِمِ السَيفِ لا بِالخَتلِ وَ(الحِيَــلِ)
يَفتَرُّ عِندَ اِفتِرارِ الحَـــــــــربِ مُبتَسِماً
إِذا تَغَيَّرَ وَجهُ الفارِسِ البَطَلِ
موفٍ عَلى مُهجٍ في يَومِ ذي رَهَــــجٍ
كَأَنَّهُ أَجَــــلٌ يَسعى إِلى أَمَلِ
كَاللَيثِ إِن هِجتَهُ فَالمَوتُ راحَتُـهُ
لا يَستَريحُ إِلـــى الأَيّامِ وَ(الدُوَلِ)
إِنَّ الحَوادِثَ لَمّا رُمنَ هَضبَتَــــهُ
أَزمَعنَ عَن جـــــارِ شَيبانٍ بِمُنتَقَلِ
فَالدَهرُ يَغبِطُ أُولاهُ أَواخِـــــرَهُ
إِذ لَم يَكُن كـــــــانَ في أَعصارِهِ (الأُوَلِ)
إِذا الشَريكِيُّ لَم يَفخَر عَلى أَحَــــــدٍ
تَكَلَّمَ الفَخرُ عَــــــــنهُ غَيرَ مُنتَحِلِ(2)

حرف الروي للقصيدة حرف اللام، وحركته (المجرى ) الكسر، والحرف الذي سبق الروي جاء محركاً، لايهم أن يكون حرف علّة محركاً كـ (الأُوَلِ )(الدُوَلِ)(الحِيَــــــلِ)(مَيَلِ)(الطِوَلِ)، أو حرفاً صحيحاً محركاً أيضاً كـ النُجُلِ وَمُحتَمَلِ والعَذَلِ.......

ب - أو أن يكونا (حرفا الياء والواو ) ساكنين، وهما على حالتين:

1 - الحرفان ساكنان وحركة الفتح على الحرف الذي قبلهما (أي حركة لا تناسبهما)، وهنا أطلق العلماء عليهما حرفي اللين، لأنهما يخرجان بيسر ولين من غير كلفة في النطق ولا تعب، و سهولة جريهما في المخرج نحو: (خَوْفْ)، (قَوْم)، (البَيْتْ)، (قُرَيْشْ)، فحرفا العلّة (الواو والياء) هنا تخصصا بسكونهما وحركة فتح الحرف ما قبلهما، ونعتا بحرفي اللين. والألف أيضاً مثلهما حرف لين، لأنه دائما ساكن، والحرف الذي قبله حركته الفتح أبداً مثل: سَام، حَام، قَام، نَام....!!
أقول حركة لا تناسبهما، لأن الحركة التي تناسب الياء هي الكسرة، والحركة التي تناسب الواو هي الضمة، وحركة الفتح للحرف الذي قبل الياء والواو لا يناسبهما.

2 - والآن نضيف صفة (المد) لحروف (اللين ):

فحروف المد هي حروف علّة ساكنة، تسبقها حركة تناسبها، وهي الألف الساكنة المفتوح ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، هذه اسمها حروف المد واللين سميت حروف المد لأن لها قابلية المد وسميت حروف اللين لأنها تخرج بيسر ولينين.، مثل (فِيْل) ـ (غُول) ـ (مَال).

فذلكة الأقوال:

فالواو والياء والألف تسمى حروف علة كيفما وقعت، ساكنة كانت أو متحركة، وكيفما كانت حركة ما قبلها، مجانسة كانت أو غير مجانسة.

فإذا وقعت هذه الحروف ساكنة بعد حركة تجانسها - كالضمة للواو، والكسرة للياء - سميت حروف لين ومد وعلة معًا، فإن كانت ساكنة بعد حركة لا تناسبها فهي لين وعلة فقط، ولا يخفى أن الألف لا تكون إلا بعد فتح.

قال في ضياء السالك على أوضح المسالك: الواو والألف والياء التي يجمعها لفظ واي: إذا وقعت ساكنة بعد حركة تجانسها، وهي الفتحة قبل الألف، والضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء، سميت حروف علة ومد ولين، نحو: قام، يقوم، مقيم: فإن سكنت وقبلها حركة لا تناسبها، سميت حروف علة ولين، نحو: فرعون، خير، فإن تحركت سميت حروف علة فقط، فكل مد ولين، وكل لين علة، ولا عكس. انتهى (3)

وإنما سميت هذه الحروف بحروف العلة لكثرة تغيرها وتبدلها من حال إلى حال بالنقص وبالزيادة، وبالحذف وبالإبدال، وبالقلب، وغير ذلك، قال الرماني: حروف العلة هي التي تتغير بقلب بعضها إلى بعض بالعلل.

لكي لا تختلط عليك الأمور، الطبيب صفة مطلقة لخريج كلية الطب، وإذا تخصص بالقلب، فهو طبيب وطبيب قلب، وإذا تخصص بجراحة القلب، فهو طبيب بشكل مطلق، وطبيب قلب، وطبيب جراحة قلب... ما المشكلة؟!!!

أولاً - حروف اللين والمد في الشعر العربي كحروف ردف وحرف تأسيس:

حرف الرِّدْف:

وهو مأخوذ من ردف الراكب، لأن الرَّوِيّ أصل فهو الراكب وهذا كردفه، والردف هو ما يقع قبل الروي مباشرة من غير فاصل، ويكون من حروف المد الثلاثة، وحروف اللين وهي الواو والياء الساكنتان بعد حركة غير مجانسة لهما أو مجانسة، والألف تعتبر أصلاً.

ويجوز في الياء والواو أن يتعاقبا في القصيدة الواحدة، ويجوز أن يكون الرِّدْف والرَّوِيّ من كلمة واحدة أو كلمتين، ولا تعتبر الياء أو الواو المحركتين أو المشددتين ردفاً.

حرف التَّأْسِيْس

والتَّأْسِيْس لا يكون إلا بالألف قبل حرف الرَّوِيّ بحرفين، فالتَّأْسِيْس إذًاً حرفُ ألفٍ بينها وبين حرف الرَّوِيّ حرف واحد صحيح، وهذا الحرف الصحيح الذي يفصل بين ألف التَّأْسِيْس وحرف الرَّوِيّ يسمى (الدَّخِيْل) وهما متلازمان فسميت الألف تأسيسا لأنه يُحَافَظُ عليها في قافية القصيدة كأنها أسٌّ للقافية، وقيل: لأنها تقدمت على جميع حروف القافية.

حرف الدَّخِيْل

وهو حرف متحرك يقع بين ألف التَّأْسِيْس والرَّوِيّ، وسمي دخيلاً لأنه دخيل في القافية، وذلك لوقوعه بين حرفين – الرَّوِيّ والتَّأْسِيْس – خاضعين لمجموعة من الشروط في حين لا يخضع هو لشروط مماثلة فشابه الدَّخِيْل في القوم. والدَّخِيْل حرف لا يلتزم بذاته وإنما يلتزم بنظيره وهو واقع بين حرفين ملتزمين من حروف القافية، فإذا التزمه الشاعر فهو لزوم ما لا يلزم كما فعل أبو العلاء المعري

بما أنَّ حروف اللين والمد هي حروف علّة ساكنة، فالتأسيس والردف لا يلتقيان مطلقاً،والسبب كلاهما ساكنان، وفي اللغة العربية لا يتوالى ساكنان، إلا في خواتيم القوافي المقيدة، وهذه أصعب من القوافي المطلقة، لا يتمكن عليها سوى الشعراء القادرين، وتأتي في بحور الرمل والمتقارب والطويل أكثر من بقية البحور.

أ - الردف في القوافي المقيدة:

أي عندما يكون حرف الروي ساكناً، ويسبقه أحد حرؤف الردف الساكنات وهي (الألف أو الياء أو الواو )، فتكون من حيث لفظ القافية (مترادف )، لإلتقاء الساكنين في آ خر البيت، وهذا لا يأتي إلا في الشعر(4) كقوله:

ما هاجَ حسانَ رسومُ المقـَامْ
ومظعن الحيّ ومبنى الخيَامْ (5)

كما ترى- يا صاحبي - لا تأتي قبل ألف الردف إلا حركة الفتح فقط، لذلك هوحرف مد دائماً، و حرف المد يمكن له أن يكون حرف لين، وحروف المد واللين أصلها حروف علـّة (الألف والياء والواو ) - كما أسلفنا - وحروف العلة الثلاثة لا تبالي أن تكون ساكنة أو متحركة، ولكن لا تكون ردفاً إلا إذا كانت ساكنة، لذلك أياك أياك أن تعتبر حرفي الياء والواو المُحركين حرفي ردف (الألف دائماً ساكنة، وقبلها حركة فتح)،أنا أعرف قد ذكرت من قبل هذا، وهذا للتأكيد ولمن فاته الأمر.
تعال معي لحرفي الياء والواو من حروف العلة الساكنة، هذين الحرفين إذا سبقهما حركتال من جنسيهما الكسرة للأول والضمة للثاني، فهما حرفا مد ولين وعلة (ساكنان، وإذا كانت الحركة قبلهما الفتح فهما حرفا لين وعلة (ساكنان) فقط، وإليك أمثلة على ردفيهما في حالتي تجانس الحركة قبلهما، وطبعاً حرف الروي ساكن مقيد، مثال الياء الردف وما قبله الكسر قول طرفة:

وجامل ٍخوّعَ من نيبهِ
زجرُ المعلـّى أ ُصلا ًوالمنِيْحْ (6)

والياء ردف، إن كانت الحركة التي تسبقها مجانسة، وإليك الحركة التي تسبقها غير مجانسة (الفتحة ):

يمنعها شيخ ٌ بخدّيهِ الشـَّيْبْ
لا يحذرُالرَّيبَ إذا خيفَ الرَّيْبْ

الياء ردف، وما قبلها حركة فتح، والروي ساكن فالقافية مقيدة، وهاك الواو وهي ردف وما قبلها حركة مجانسة وغير مجانسة (الفتح)، يقول منظور بن مرثد الأسدي:

هل تعرفُ الدارِ بأعلى ذي القـُوْرْ
قد دُرستْ غير رمادٍ مكفـُوْرْ (7)

لاحظ الحرف الذي يسبق الواو الساكنة (الردف) مضموم، فالحركة من جنس الردف، بينما البيت الآتي الحرف الذي يسبق الردف (الواو الساكنة ) حركته الفتحة من غير جنس الواو، وإليك قول الراجز:

ما لك لا تنبحُ يا كلبَ الدَّوْمْ
بعد هدوء الحيّ أصوات القـَوْمْ
قد كنت نبّاحًا فما لك اليَوْمْ.

ب - القوافي المقيدة المؤسسة:

وهذا يعني طبعا أنّ حرف الروي ساكن، ويسبقه حرفان الذي قبله مباشرة حرف الدخيل، وقبل الدخيل حرف الألف يسمى ألف التأسيس، فمن قصيدة مطولة للمتنبي يمدح فيها عضد الدولة يقول:

حكيتَ يا ليل ُفرعها الوار ِدْ
فاحكِ نواها لجفني السّاهِدْ
طالَ بكائــــي على تذكـّرها
وطلتَ حتى كلاكمـــا واحِدْ (8)

دقق رجاءً الألف ألف التأسيس، والحرف الذي بعده هو حرف الدخيل حركته الكسر في كل القصيدة المطولة، والدال هو حرف الروي الساكن، فالقافية مقيدة مؤسسة.

(1) كلمة الأحرف: تطلق لغويا على عدد أقل من 9 مثال: أحرف الحلق أو أحرف الجوف أو أحرف العلّة.

الحروف:جمع كثرة تطلق على العدد أكثر من 9 مثال: حروف اللسان.. حروف اللغة العربية.
ولكن شاعت كلمة حروف على أحرف العلّة...!!

(2) الموسوعة العالمية للشعر العربي العصر العباسي - صريع الغواني - أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا غَزِلِ

(3) ضياء السالك إلى أوضح المسالك: محمد عبد العزيز النجار، ج ص - 2001 - ط 1 - مؤسسة الرسالة.

(4) ذكر أبو العلاء حالة شاذة نادرة إذ ورد ساكنان في وسط الكلام، وهذه لا يؤخذ بها مطلقاً.

(5) لزوم ما لا يلزم: أبو العلاء المعري ص شر ح الدكتوران طه حسين وزميله م. س. الشعر فقط.

(6)المصدر نفسه ص، جامل جمع الإبل، النيب: النوق (الأناث)، المنيح قدح الميسر الثامن، والمعلى السابع، الشعر وشرح مفرداته في الهامش فقط من المصدر.

(7 ) المصدر نفسه ص: الدّوم: الشجر الضخم

(8) ديوان المتنبي: شرح علي العسيلي ص مصدر سابق، الفرع: الشعر، الوارد الطويل المسترسل، الساهد: الساهر.

من نفس المؤلف