الحلقة الثانية

حروف العلة و الشعر العربي

، بقلم كريم مرزة الأسدي

ج - الردف في القوافي المطلقة وهو حرف من أحرف المد واللين:

القوافي المطلقة التي يسبق رويها حروف الردف، وأنواعها، ونتابع التسلسل نفسه لحروف القوافي المطلقة المردوفة والموصولة بأحد حروف اللين أو الهاء الساكنة، أو الهاء وحرف خروجها، وحرف الردف هو أحد حروف العلة الثلاثة الساكنة (9) يسبق حرف الروي.

1 - الردف حرفا الياء والواو الساكنان:

ففي قصيدة المتنبي عند مغادرته مصر في عيد الأضحى وهجاءً لكافور الأخشيدي، فكان الردف الياء الساكنة، ويجوز أن تأتي الواو الساكنة معها كردف في القصيدة نفسها أو المقطوعة دون عيب:

عيدُ بأيةِ حال ٍ عدتَ يا عِيْدُ
بما مضى أم لأمر ٍفيكَ تجدِيْدُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهُ
نـّي بما أنا شاكٍ منهُ محسُوْدُ (10)

تكتب القوافي عروضياً (عِيْدُوْ) (دِيْدُوْ) (سُوْدُوْ)، الياء الساكنة في قافيتي صدر وعجز البيت الأول ردف، والواو الساكنة الأولى في قافية البيت الثاني (ردف)، والدال المضمومة في القوافي (روي)، وحركة (المجرى) في الروي الضمة،والواو الساكنة الأخيرة الناتجة عن إشباع حركة الضمة في القوافي (وصل)، وهاك مثال آخر من الجواهري وهو يناغي لبنان:

ورددتُ بالنغم الجميل لأرزهِ
ظلاً أفـــــــاء به عليّ ظلِيلا
أو ما ترى شعري كأنّ خِلاله
نسي النسيم جناحهُ المبلـُولا (11)

ركز على وصل البيت الأول أصله تنوين (ظليلاً - ظليلن بالكتابة العروضية)، ولكن حول التنوين إلى ألف الإطلاق وصلاً، أما البيت الثاني الفتحة شبعت إلى ألف كوصل.

يعلل الدكتور جميل سلطان سبب جوازالجمع بين الحركتين السالفتين " لأنّ الضمة والكسرة اختان "(12) بمعنى - حسب المفهوم الحالي - أنّ الإيقاع الكمي للحركتين بعد إشباعهما متساو ٍ تقريباً، بينما الفتح بعد الإشباع يتحول إلى الألف، والإيقاع الكمي للألف أطول كمّاً، فلا ينسجم مع الكسر والضم، ثم ينتقل الدكتور جميل في الصفحة الأخرى إلى قوله " وهذا الجمع لا يجوز في ردف اللين عند العارفين بالأصول الأساسية " (13)، والحقيقة كما ذكرنا سابقاً حروف المد يجب أن تكون حركة الحرف الذي يسبقها من جنسها، أما حروف اللين فأشمل قد تكون حركة الحرف الذي يسبقها من جنسها، أو ليس من جنسها ما عدا حرف الألف فهو حرف مد دائماً، لذلك في حالة مخالفة حركة الحرف الذي يسبق الواو أوالياء لجنسهما - كأن تكون حركته الفتح - لا يجوز جمعهما في القصيدة الواحدة أو المقطوعة.

2 - بعد أن انتهينا من ردف حرفي الواو والياء، ويجوز اجتماعهما في القصيدة الواحدة في حالة كونهما حرفي مد، والآن نأتي إلى القافية المردوفة بالألف، ونلجأ إلى السيد مصطفى جمال الدين إذ يقول:

بحروفٍ شدّتْ عيوني للنور
وروتْ من العبير انتظَـَاري
وحوار ٍلو أنّ لليلِ قلبــــــــاً
لاكتفى عن ترصّدِ الأقمَـــار ِ(14)

الروي حرف الراء، والألف التي تسبقه في البيتين ردفه (الردف)، وياء المتكلم الساكنة في البيت الأول وصل، وعموماً ياء المتكلم لا تكون حرف روي مطلقاً، وفي البيت الثاني تشبع حركة الكسر إلى ياء ساكنة فتصبح وصلاً.

3 - قافية مطلقة مردوفة بعد رويها هاء ساكنة مثل قول دعبل يهجو الفضل بن العباس الخزاعي،وكان دعبل مؤدبه، قائلاً:

ما أن يزالُ - وفيه العيب يجمعهُ
جهلاً لأعراض أهل المجد عيّابهْ
إنْ عابني لـــــــم يعبْ إلا مؤدبهُ
ونفسهُ عــــــــاب لمّا عاب آدابهْ (15)

الباء الروي والألف الذي قبلها ردفها، والهاء الساكنة بعدها وصلها.

4 - قافية مطلقة مردوفة بعد رويها وصل هاء تنتهي بخروج حرف لين عقبى تشبعه من حركته، إليك قول أبي فراس وهو يصف السحاب:

جاءتْ به مسبلة ً أهدابُهُ
رائحة ً هبـوبها هِبابُهُ
ولم يؤمن فقدهُ إيــــــابُهُ
شيخ ٌ كبيرٌ عادهُ شبابُهُ (16)

الباء المضمومة الروي، الألف الذي قبلها الردف، الهاء بعد الروي الوصل، وتشبع حركة الهاء إلى واو ساكنة، فتصبح الخروج، أو خروج ألف ضمير المونث الغائبة المتصل، كقول السيد جعقر الحلي:

بالغلس انســـــلت إلى حبـِيْبـِها
تخطو وعينــــاها إلى رقِيْبِـِها
ساحبة الأبراد فـــــي مـــرابع ٍ
أرجآوءها تضوّعــــتْ بطِيْبـِها
مرّتْ بها ريحُ الشمال فاغتدتْ
تحمل طيب المسك في جيُوْبـِها (17)

لاحظ من خارج القافية المطلقة إلى داخلها، يطلّ عليك من خارجها حرف (الخروج) ألف ضمير الغائبة المتصل، ثم (الهاء) وهي الوصل , فحرف (الروي) الرئيسي وهو الباء المكسورة، فالردف، وفي الأبيات السابقة حرفا الياء أوالواو الساكنان، ولكن دقق في حركة الحرف الذي يسبق الردف تجدها من جنسه، الضمة للواو الساكنة، والكسر للياء الساكنة، لذلك جاز للشاعر جمعهما (الواو والياء) في قافية القصيدة نفسها، وهذا رأي سيبويه (18)، ومن الجدير ذكره أفضل شعرياً إن كان حرف الردف نفسه في كل القصيدة دون تصنع أو تكلف، ولكن مجيء الياء مع الواو وفق الضوابط لا تعد عيباً مطلقاً.

د - القوافي المطلقة المؤسسة بألف التأسيس يعقبه حرف الدخيل:

حرف التأسيس هو حرف الألف، وهو حرف علّة ولين ومد،يكون ساكناً، وقبله حرف حركته الفتحة دائماً، كما ذكرنا مراراً - يأتي قبل حرف الروي في القاغية المطلقة، وبين حرف التأسيس (الألف)، وحرف الروي، حرف آخر، يسمى الحرف الدخيل، وإليك التوضيح:

1 - إمّا أن يكون حرف التأسيس من نفس الكلمة التي بها حرف الروي، وبينهما حرف واحد يسمى الدخيل، مثل أبيات ابن المعتز العباسي الشاعر الشهير في دفاعه عن نفسه، لما أشاع عليه القرامطة هجوه للإمام علي (ع) قائلاً:

أآكل من لحمي وأشرب من دمي
كذبت لحــــــاك الله يا شرَّ واغل ِ
عليٌّ وعبّــــــــاسٌ يدان كلاهما
يمين سواء في العلى و الفضائل ِ(19)

كما ترى (واغل) كلمة واحدة تشمل حرفي التأسيس (الألف) والروي (اللام)، وبينهما حرف الدخيل (الغين)، وتشبع كسرة اللام إلى ياء ساكنة (حرف لين)، فتصبح (الوصل)، ومثلها كلمة (الفضائل) في البيت الثاني، ولكن إذا كان بين الألف وحرف الروي حرفان مثل (عقابيل) لا تكون الألف حرف تأسيس.

2 - وقد يكون التأسيس من كلمة، والروي من كلمة أخرى، فكلمة الروي إما أن تكون متصلة بضمير أو غير متصلة، فإن كان فيها ضمير فلا يخلو إما أن يكون ذلك الضمير حرفاً متصلاً بحرف خفض أو غير متصل، فإن لم يكن متصلاً بحرف خفض كالكاف في الخطاب المذكر والمؤنث مثل قول طرفة:

قفي قبل وشك البين يا ابنة مالكٍ
وعوجي علينا من صدور جمالكِ (20)

أمّا إذا كان الضمير متصلاً بحرف خفض (مكسور)، كقول سحيم عبد بني الحسحاس:

ألا نادِ في أثارهنّ الغوانيا
سقين سِماماً ما لهنَّ وما لِيا (21)

صدر البيت واضح ألف التأسيس من نفس كلمة حرف الروي (الياء)، ونعني كلمة (الغوانيا)،النون فيها (الدخيل). والألف الأخيرة هي فتحة فوق الياء شبعت إلى ألف فيصبح (الوصل)، أمّا في العجز(ماليا) كلمتان، ألف التأسيس في كلمة (ما)، والكلمة الثانية (ليا) اللام حرف جر مكسور، (ياء) المتكلم (الروي)، والألف الأخيرة (الوصل).

وما عدا كاف المخاطبة للمذكر و المؤنث والضمير المتصل بحرف خفض (مكسور)، لا يمكن أن نحسب الألف المفصولة عن حرف الروي - من كلمة أخرى - بحرف واحد تأسيساً، مثل قول حسان:

إذا لم يسدْ قبل شدّ الإزار ِ
فذلك فينا الذي لاهُوهْ

(لاهُوهْ) هنا الألف ليس بحرف تأسيس (22)، لأن حرف الروي الواو قبلها الهاء مضمومة وليس مكسورة (مخفوضة)، وضمير الهاء الساكن الذي بعدها منفصل عنها، بينما لو (ماهِيا) يحسب الألف الأول حرف تأسيس، الياء حرف الروي قبله هاء مكسورة (الدخيل)، والألف الأخيرة حرف الوصل متصل بالروي الياء.

3 - قافية مطلقة مؤسسة وصلها هاء ساكنة: من قصيدة لكاتب هذه السطور مؤسسة رائية مجراها حركة الفتح ووصلها الهاء أو تاء التأنيث المحولة إلى هاء ساكنة:

مرّوا كما مرَّ العجاجُ على الحقول ِالزاهرَة ْ
رسفتْ بقيدِ الذّل أقـــــــــدامُ العبيدِ الخائرَة ْ
صبراْعلى البلوى فكمْ ليل ٍيفلقُ بــــــاكرَهْ (23)

الراء متحركة بالفتح، البيت الأول والثاني نهايتهما تاء التأنيث المحولة إلى هاء ساكنة، والبيت الثالث نهايته الضمير المذكر المتصل (الهاء) الساكن، وكلها حروف وصل، ولكن إذا جاءت الهاء بعد حرف ساكن تعتبر هي الروي، وذكرنا هذا في الحلقة السابقة.

4 -قافية مطلقة مؤسسة متصلة بهاء محركة أو متصلة بحرف ساكن، بمعنى الهاء تؤدي لحرف (الخروج )، مما ينسب إلى دعبل الخزاعي:

ما أعجبَ الدهر في تصرّفهِ
والدّهر لا تنقضي عجائبُهُ
فكم رأينا في الدّهر من أسدٍ
بالتْ على رأســــهِ ثعالبُهُ (24)

القافية مطلقة مؤسسة بـ (ألف التأسيس)، (الروي) الباء، ما بينهما (الدخيل)، الهاء بعد الروي (وصل)، الوصل محرك بالضمة، تشبع الضمة إلى الواو فتصبح حرف (الخروج)، وإليك قول السيد حيدر الحلي:

جلا على الطرس من فرائده
عروسَ فكر ٍ زهتْ فرائدُها
خلوقها من شذا حجــاهُ ومن
جوهر ٍألفاظـــهُ قلائـــدُها (25)

أيضاً القافية مطلقة مؤسسة بألف التأسيس والدال خرف رويها وما بينهما الدخيل، والهاء بعد الروي الوصل، والألف الأخيرة التابعة لضمير المؤنثة الغائبة هو حرف الخروج.

(9) شرط أن لا يسبق حروف العلة حرف ساكن،لأنه لا يجتمع ساكنان في اللغة العربية،
فيصبح حرف العلة متحركاً، وبالتالي لا يمكن أن يكون حرف ردف.

(10) ديوان المتنبي: ص م. س.

(11) ذكرياتي: الجواهري ج1 دار الرافدين دمشق.

(12) راجع: كتاب الشعر: د. جميل سلطان ص منشورات المكتبة العباسية، بلا.

(13) ص المصدر نفسه.

(14) الديوان: مصطفى جمال الدين ص ط2 دار المؤرخ العربي 1995م بيروت.

(15) ديوان دعبل: م، س. ص ت الدجيلي.

(16) ديوان أبي فراس الحمداني: ت. د. محمد التنوجي ص م. س.

(17) سحر بابل...: السيد جعفر الحلي ص م. س.

(18) القوافي:أبو يعلى التنوخي ص م. س.ينقل "وذكر سيبويه أن فتح ما قبل الواو والياء لا يجوز"

(19) ابن المعتز العباسي: د. أحمد كمال زكي ص - المؤسسة المصرية العامة - أعلام العرب 36 - بلا.

(20) القوافي: التنوخي ص م. س.

(21) المصدر نفسه

(22) المصدر نفسه

(23 ) ديوان (وطني): كريم مرزة الأسدي ص م. س.

(24) ديوان دعبل...: الدجيلي ص م. س.

(25) ديوان السيد حيدر احلي: ج2 م. س.

من نفس المؤلف