شمعتنا الستون

، بقلم الطيب عطية عطاوي

ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
وفي رحم النسيان ـ لا نزال ـ ينهار علينا القدر بمنساته
نغنـِّي مواويل الأحزان في عامك الستين
ننشد روائع أم كلثوم
نتبخـَّـر بعطرك
والذكريات تعلـِّـمنا كيف نسيناك
تبقين معصوبة الجبين
على شواطئ البحر المالح تستحمِّين
وتصنعين لنفسك رباطات من حجر
ونخجل من أنفسنا أن نمدك بالحجر..!
علـَّـنا وراء الحجر نستتر
ننتظر المساء..
ولا يأتي المساء..
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
نغار على نسائنا..
ولا يمنعنا الحياء أن نغنـِّـي على عتبات البيوت
لا يمنعنا الحياء أن نرقص في عامك الستين..
يقتات داخلوا الرايات الحُمر من جسدك
وعلى مرمى حجر.. يشتعل جسدك
ونحن نسبِّح بحمد الله ونقدِّس له
ولا يمنعنا الحياء أن نصفـِّـق لك
هبِّي بصحنكِ فأصبحينا
ولا تبقي خمور الخائنينا..!
عجـِّـلي بعطرك الأحمر
وصُبِّـي علينا من مائك المالح
فطوبى لنا.. طوبى لنا..
في عامك الستين نحاول اختراق الزمن
ويأبى الزمن..
فنـُردُّ على أعقابنا خاسئين
ونجتمع مثنى وثلاث ورباع لننشدك..
لنعزف تقاسيم الهوى ولوعة الفراق
فنتبارى من أجل أن يحمل بعضنا لواء النصر
ونخطط على إيقاع جروحاتك..
فيحضننا الشتاء في أكواخنا
ويحرمنا الصيف من جوائزنا
فنتباكى من جديد، ويقبِّـل بعضنا يد بعض
فنتصافح من جديد
فيقسمنا عدُّونا بعصًى من حديد..
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
دموع اليتامى معلقة بين الأمس والحين
وأنفاس الثكالى عطشى
تأبى أن تشرب من مائك المالح
والراحلون من غربتهم يتجمَّعون في ميعاد
ينصرون ظلمهم..
ينصبون خِـيمهم..
يعقدون ألويتهم..
ويستمتعون بقطف ورودك
تلك الورود ذبلت، وما عادت تصلح للزرع
أيدينا ما عادت تحرث الأرض
جفـَّـت سواقينا
أفسد الطوفان زرعنا..
ذاك الطوفان..ذاك الطوفان..
ولازلنا نرقب من بعيد
عودة عمر أو صلاح الدين
لازلنا نرقب من بعيد
عودة التاريخ
يولي عنا التاريخ وجهه
نصحِّح أخطاءه ، ويصحِّح أخطاءنا
يملي علينا أساطيره
فنـُسعد لسماعها، ونزغرد مثل القواعد من النساء له
فتتقاذفها الآذان.. وتخشع لها القلوب
وقرارات التاريخ تُملى علينا بكرة وأصيلا
فيهرع شيوخنا لتقنينها
ويُستدعى أبناؤنا وأحفادنا لتسطيرها
ذاك الطوفان..
ما عدنا نعرف من أين يسقينا..
ما عدنا نعرف من أين يُعرِّينا..
ورغم أنوفنا قبلنا أن نستحمَّ من مائه
ونتبادل التهم..
أيُّنا دخله أولا
وها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
تنهضين.. تحاولين الخروج من الاحتقار
الإحساس يطوِّق البشر
فيرجع بنا التاريخ إلى الصفر..
نحاول الخروج منه فيزجرنا
أيها الهاربون من النار ماذا تريدون؟
مكانكم.. لا تنظروا للأمام
وفي أعالي الحذر ينزلق القدر
ممتطياً جواده الأشقر
معلناً بصوت صارخ:
ما سلككم في سقر؟
يصعد القرد والخنزير متكئاً عصاه فوق مصطبَّة التاريخ
ويرسم أطفالا بلا رؤوس، بلا أعين، بلا أذان
وتمشي على الأرصفة.. مخالبه
حاملين كؤوس العلقم
وآخرون يهدوننا تلفازات..
يوزِّعون علينا أشرطة
في هذه الأشرطة مجدكم..
بهذه الأشرطة تنامون، تهدِّئون أعصابكم
مصاعب حياتكم تؤسفنا
اتَّكئوا على كراسيكم واشربوا هنيئاً..
اشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخاليه
فنتباكى من جديد، ويقبِّل بعضنا يد بعض
فنتصافح من جديد..
ويَقْسِمنا القرد والخنزير بعصىً من حديد..
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
منمنمات الخلود يرسمها أبطالك
يتلثمون، يصنعون من أجسادهم جسداً لك
يشترون قبورهم.. وتقبضين أنتِ الثمن
الثمن..
لا أحد يعرف الثمن..
ويترجل أبطالك فرادى وجماعات
يعصرون أنفاسهم، ونمتص نحن الرحيق
ويبدأ الحريق..
حريق باركتيه أنتِ أولاً..
وما باركناه..
حريق اشتعل بدون كبريت..
وما باركناه..
اتكأنا مرة أخرى على قفانا فوق كراسينا
وأشعلنا تلفازاتنا
وأدخلنا أشرطتنا المُهداة لنا..
فكـُتب على شاشاتنا : لماذا الحريق؟
اطفئوا الحريق..
ضعوا المساحيق.. وانصرفوا
قولوا إن هذا ظلم
أين الحقوق؟
ونخرج مبحوحي الأصوات:
لا نريد حريقاً
اطفئوا الحريق
ويأبى أبطالك أن يخمدوا الحريق
فنـُلطم على وجوهنا في الطريق..!
وتصفعنا الرياح
تدخل أتربتها من كل باب
ونستعد ليوم العقاب..
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
أبناؤنا يقرأون كل موسم قصتك
يكتبون في كراريسهم عن هجرتك
يتجرَّعون بدلا عنا كؤوس المرارهْ
يسألني ابني عن حرقتك
فأخجل من نفسي من شدة الحرارهْ..!
وفي غفلة من سؤال ابني
أدخل حجرتي وأغلق على نفسي الباب
أدخل المفتاح في جيبي
كي لا يزعجني ابني..
وهكذا يفعل جاري وجارتي
فندخل من جديد أكواخنا
ويحرمنا الشتاء دفء العائله..
نشعل تلفازاتنا فرادى
نقلـِّـب قنواتها في عزِّالليل
نقفز من على أسرَّتنا نرقص..
وفي الصباح نتبادل الأكاذيب
نتعاطى التهم..
نتربص بأنفسنا..
وإلى أن يحين الوقت
نقرأ الفاتحة والمعوذتين
وفي عيدك الستين نظلُّ نتراشق بالغزل
ونشرب في عيدك الستين الممنوعات
ونأكل الحلويات..
نعقد الصفقات.. ونصلي مع الإمام جماعات
وها أنتِ لازلتِ.. لازلتِ
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
لا أثر.. لا مطر.. لا قدر
ولا خبر..
تقتلنا الذكريات
ولا خبر..
نتعذب بالآهات
ولا خبر..
لا مصانع الغد تأتينا بالخبر
وفي لمح البصر
يأتينا الخبر !
إنكم في خطر
كفـُّـوا أيديكم عن تصحيح التاريخ
طهـِّـروا ألسنتكم من الأدعية على حاشية سليمان
حافظوا على الصلوات الخمس
وقوموا لله في عرس
من مدَّ يده إليك ليصفعك
مُدَّ إليه خدَّك الأيمن لِـيَـ...
ومن سرقك في عقر دارك
ادعُ له بالنوبة والهدايهْ
ومن بال عليك علانيهْ
انزع ثوبك واغسله..
وهكذا يتعلم أبناؤنا كيف هي الحضارهْ
وهكذا يتعلم أبناؤنا أنْ لا علاقة لهم بالحجارهْ..
هذه أرضنا.. لا غنى لنا عنها
هذه أرضنا.. كيف تقبلون أن ننسلخ منها؟
هذه أرضنا.. حياتنا.. موتنا..
بعثنا.. نشورنا.. حسابنا فيها
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
لن نقبل بشيء غير ما نريد
لا نريد حضارتكم
وجوهنا محطمة الفكـَّـين
أحلامنا لم تعد تسع أذهاننا
أفكارنا خرجت من صلبها مطلـَّـقة بالثلاث..
ارجعوا عنا.. لا مقام لكم بأرضنا
عشرات السنين تتشدَّقون علينا بالكلمات
وتعلنون الحرب علينا بالدبابات
والمدافع والطائرات
ارجعوا عنا فلا مقام لكم بيننا
لا الهيكل المزعوم بأرضنا
لا تدغدغوا أسماعنا بسليمان
فقد لعنكم ابنه وابن ابنه..
جرَّدكم الله من كل شيء
قضى عليكم بحكم الجلاء
اللعنة فيكم..
في أعقابكم..
لا مناص لكم منها
لن ترجعوا عن غيِّكم
لا المسيح ولا محمد تريدون..
ولا موسى تنتهون
فجرهْ.. كفرهْ.. سحرهْ
في جنح الليل تتسللون..
تدخلون بيوتاً غير بيوتكم
ولا تستأذنون..
عبدان الصليب تحالفون
تتجمَّعون.. تتضاحكون
وفي أرض السراب تعجـِّـلون بأرواح أبطال حبيبتي
إلى الجنهْ..
وفوق أرض السراب يعجـِّـل أبطال حبيبتي بأرواحكم
إلى النار..
وأنتم وهم.. صعاليك يتبعكم العار
تمشون في ظلـِّـه..
تتمسَّحون بعطره..
تتحرَّكون بأمره..
ها أنتِ حبيبتي تطفئين شمعتك الستين
ها أنتِ حبيبتي في عامك الستين.. لازلتِ
ولا تزالين معلـَّـقة بين السماء والأرض
تلبسين السواد تحت ظل الحصار
ها أنتِ يا حبيبتي.. لازلتِ
ولا تزالين تطعميننا من جسدك المعلول
تطعميننا اللحم والخبز والفول..
تقبـِّـليننا في سويداء قلوبنا
وتشفقين علينا من لسعات الحصار
تنتظرين عمرنا لنفكَّ عنك الحصار
وننتظر نحن المساء
ولا يأتي المساء..
لا ندري بعد عامك الستين أين تصبحين
هل سنطفئ شمعتك السبعين..؟
الثمانين..؟
التسعين..؟
المائه..؟
وإلى أن يحين الوقت
نبقى نتفرَّج على ميلادك الستين
معذره..
شمعتك الستين!
ويطوِّقنا الحنين
ونتعوَّذ بالله من عمر الستين
وعمر ما بعد الستين..