حورية الساحل

، بقلم أحمد غانم عبد الجليل

استيقظت من نومي مجدداً والعرق يتصبب فوق جبيني، بعد تشتت طويل بين سلسلة من الأحلام الغريبة والمتشابكة، لا تتركني إلا وأنا منهك القوى، وكأني قد ارتحلت فعلاً أينما شاءت... أجوب بلاداً ومدناً يلفها الضباب، أتنقل بين أماكن ويبوت عدة، منها ما هو مألوف جداً بالنسبة لي ومنها ما لا أتذكر أني قد ولجتها من قبل، أناسٌ قد يتطابقون مع أشخاصٍ أعرفهم في الإسم تارةً وفي الشكل تارة أخرى، ولكن وجهها الذي تشوب فتنته حمرة المغيب يصر على ملاحقتي من غفوةٍ لأخرى، يتجلى بوضوح ساطع أحياناً ، ثم لا يلبث أن ينزوى في ركنٍ قصي خلف ظلال قاتمة تلفه بالغموض.

أخذت تنسل كحورية من موج الأحلام، تستلقي إلى جانبي على الفراش، تتدثر بالبطانية الصوفية لتحتمي من برد الليالي المثلجة الذي لم تألفه من قبل، حاولت الإنصات بكل حواسي لكل كلمة تقولها، كما لو كنت أستحضر كلامها من ثنايا الذاكرة، أنفاسها الحارة تلثم شفتيَّ، وتهبني عبيراً لم أشم مثله منذ أن فارقت أرض بلادي البعيدة.

شرعت تحكي لي قصتها، منذ زواجها بكهلٍ يكبرها بعقود، عن حسراتها المكتومة بين ذراعيه المترهلتين ومخاوفها من أن تجده جثة هامدة فوقها، عن تلامسهما المقزز، لم يهبها سوى الألم والمرارة، ولم يهبه سوى المزيد من وهن الشيخوخة، وعن نحيبها الطويل في الفراش فيما هو يمضي، بعد اغتساله، ليصلي الفجر في الجامع القريب.

راحت تضحك كطفلة ماكرة وهي تروي لي صعوبة كتمان فرحتها بموته أمام الناس، أخذوا يحسدونها على ميراثها منه، جعلها في منزلة أخرى لدى الجميع، أخوتها قبل الآخرين، وبقدر ما كانت ضعيفة أمامهم في السابق بقدر ما عرفت كيف تتعامل مع أطماعهم بأموالها، كانت تعطي كل واحد منهم بالقدر الذي يجعله في حاجةٍ إليها دوماً، فيحرص على كسب رضاها أكثر من بقية أخوته، بينما ظلت تتوق للحرية والحب اللذين حرمت منهما طويلاً؛ وددت معانقتها بضراوة، مأخوذاً بسكونها المتراخي بين ذراعيَ ونبرات صوتها المشحونة بالشجن، غير إني خفت أن تعاود الإختفاء في لجة البحر الضبابي من جديد، فاكتفيت بنثر قبلات ناعمة على جبينها وخديها النضرين، وكأني أحثها على مواصلة سرد حكايتها.

وَشَت النشوة نبرات صوتها لدى ذكرها جارها القديم، عشقهما المجنون المنعزل في أحد البيوت التي ورثتها عن زوجها، كانت الفترات الطويلة التي يمضيها بعيداً عنها على خط النار في الجبهة تذكي جذواته باستمرار، فلا تبالي لشيء سوى استغلالهما كل لحظة تجمعهما معاً، تعود بعدها إلى ذلك النزق الذي يجتاح أوقاتها ويطغى على تصرفاتها، حتى تبدو أحيانا كزوبعة من الغضب، لا يأمن أحد شر عصفها.

هكذا وجدتها بعد استشهاده، نمرة متوحشة تنزوي بجراحها في دار الغرام تلك، تكتم أحزانها عن الجميع، كانت الزيارة الثانية لي إلى ذلك البيت، المرة الأولى دخلته برفقة أحد رفاقنا لنشهد على عقد زواجهما، في ذلك اليوم، ورغم إرادتي، وجدتني مبهوراً بجمالها وهالة الشبق التي تسطع في عينيها، تزوجتها متحدياً ذكريات عشقها المهزوم في سنوات الجنون، كنت أخوض غمار حرب من نوعٍ جديد، صهرتني نيرانها بقدر ما صهرتها، اصطبرت على مراوغة ذكرياتها مع فقيدها، صاحبي الشهيد، حتى صغتها بين يديّ امرأة مختلفة تماماً، لم تعد مستعدة أن تجهر بعلاقتنا أمام الجميع فحسب، بل السفر معي إلى آخر العالم لنحيا معاً عمرنا الجديد.

نفضت النعاس عن أجفاني، أضئت المصباح المنضدي القريب، ثم جلت ببصري أبحث عنها في الغرفة الصامتة، بعد أن هجرت فراشي وفي عينيها السوداوين يتمطى جرحٌ غائر، يشكو الخيانة والخذلان لدى اخنفائي المفاجئ من حياتها وسفري ـ بمفردي ـ إلى الخارج ما أن حصلت منها على بعض مال ذلك الكهل المتصابي.

أعددت قدح نسكافة، ثم جلست أمام جهاز الكومبيوتر الصغير، وضياء الفجر يلوح في الأفق، أكتب القصة التي واتتني فكرتها كالحمى، فيما كنت أجوب الأرض الرخوة لساحل الأحلام.