قصة النكبة، والتصميم على العودة

مسلسل «عائد إلى حيفا» أكبر من رواية نورمان أسعد نجحت بامتياز في دور الأم الفلسطينية

، بقلم عادل سالم

قد أكون تأخرت كثيرا في الكتابة عن مسلسل (عائد إلى حيفا) الذي ظهر إلى النور عام ٢٠٠٤ إذ لم يتسن لي مشاهدته ربما لأنني كنت قد قرأت رواية الأديب الشهيد غسان كنفاني التي أخذت قصة المسلسل عنه (عائد إلى حيفا) منذ أكثر من أربعين سنة، واكتفيت بها، ولأنني مقل في مشاهدة الأفلام، والمسلسلات لانشغالات كثيرة.

انتهيت في نهاية الشهر الماضي (نيسان ٢٠١٧) من مشاهدة مسلسل (عائد إلى حيفا) الذي الذي قام بإخراجه المخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب صاحب العديد من المسلسلات السورية المعروفة. وقد شارك في التمثيل: نورمان أسعد بدور الأم صفية، وسلوم حداد بدور الأب سعيد، وسامر المصري بدور المقاوم قاسم، وتيسير إدريس بدور أبو مازن بالإضافة للعديد من الممثلين المعروفين مثل صباح الجزائري، وتاج حيدر، وفائق عرقسوسي إلخ.

قصة المسلسل مأخوذة عن رواية الأديب الشهيد غسان كنفاني والتي توسعت في نقل النكبة الفلسطينية إلى ذهن المشاهد ليعيش عمق المأساة الفلسطينية، ويرسم في ذهنه حقيقة النكبة التي كانت أكبر من رواية، وأعمق بكثير من مجرد وطن احتله الأعداء.
في هذا المسلسل نجح المخرج باسل الخطيب في الوصول للهدف بتقنية فنية عالية، وتصوير ممتع، الممثلون أبدعوا في أدوارهم، سواء الذين مثلوا الجانب الفلسطيني، وتقمصوا دور الضحايا، والمقاومين، أو الذين مثلوا الجانب اليهودي، ومثلوا دور الجلاد، والمجرمين. لكن يجب أن أعترف أن أبرز الشخصيات التي تألقت جدا في المسلسل، وشدتني كثيرا كان نورمان أسعد، وتيسير إدريس.

شاهدت الكثير من المسلسلات للفنانة السورية نورمان أسعد، وكانت الصورة النمطية المحفورة في الذهن عنها أنها ممثلة كوميدية، لكن في مسلسل (عائد إلى حيفا) فقد فرغت نورمان أسعد كل طاقاتها الإبداعية كفنانة، فقد تقمصت دور الأم الفلسطينية المنكوبة التي لم تستسلم، والتي ظلت تحاول أن تعود إلى حيفا لاستعادة ابنها، وتكررت محاولاتها أكثر من مرة.

تعابير وجهها، ردات فعلها، انفعالاتها كانت أكثر من دور تؤديه، دموعها أحسبها كانت أو كان بعضها حقيقيا. كانت أما فلسطينية من جيل النكبة. أما تيسير إدريس الممثل السوري الفلسطيني الذي ولد في دمشق الذي جسد دور أبو مازن صاحب كراج السيارات في حيفا الذي كان ابنه أحد المقاومين والذي سجنه الإنجليز، ثم قتله اليهود، وقتلوا زوجته، وهجروه مع ابنته كل منهما هجر إلى بلد دون أن يعرف عن الآخر شيئا، فقد فجر في هذا المسلسل طاقة إبداعية عالية، تغلب فيها على بقية أبطال المسلسل، ورغم أنه عاش النكبتين عام ١٩٨٤ وعام ١٩٦٧ إلا أنه توفي في آخر حدود فلسطين على مشارف نهر الأردن عندما كان برفقة ابنته نازحين إلى الأردن أثناء حرب ١٩٦٧.

مسلسل (عائد إلى حيفا) لم يلتزم بتفاصيل رواية أديبنا غسان كنفاني، بل توسع كاتب السيناريو غسان نزال لينقل لنا قصة النكبة كاملة في شهر نيسان ١٩٤٨، ذلك الشهر الذي سقطت فيه حيفا بعد أن ارتكب الصهاينة المجازر ضد سكانها بقصفهم بالمدافع، وقتل أكبر عدد منهم لإجبارهم على الهرب بالسفن الإنجليزية التي كانت تنتظرهم في الميناء في سيناريو محكم الاتفاق بين العصابات الصهيونية، وقوات الاحتلال البريطاني المنسحبة.

وفي الوقت الذي كان صديقي الدكتور جوني منصور ينشر في الفيسبوك عن ذكرى سقوط حيفا في ٢١، و٢٢ نيسان ١٩٤٨ كنت أشاهد بالصدفة وفي نفس التاريخ حلقات المسلسل الخاصة بسقوط حيفا كأنني أعيش النكبة شخصيا بعد أكثر من ستين سنة، تلك النكبة التي قرأت عنها الكثير لكني ولدت بعدها وعشت نكبة ١٩٦٧ في القدس، لكني أعترف لكم أنها لم تكن بحجم تلك الجريمة.

في (عائد إلى حيفا) المسلسل نشاهد خلدون ابن صفية، وسعيد الذي صار يهوديا يقاتل العرب، خلدون الذي أُجبر والداه على ترك حيفا أثناء الحرب بدونه، فقد خرجت أمه على بعد أمتار من البيت تبحث عن زوجها فلم تستطع العودة بسبب قصف المدافع، وسقوط الشهداء بالمئات فظل الطفل في حيفا لتتبناه امرأة يهودية وزوجها ويحتلان بيتهما.

كنت أتمنى لو أن كاتب السيناريو توسع قليلا لينقل لنا عن الأم اليهودية المقدسية التي انتقلت للعيش بعد النكبة مع الفلسطينيين وتزوجت من فلسطيني، كيف تحول ابنها اليهودي أبو يوسف (لا أعرف إن كان لا يزال حيا) إلى الفلسطيني الذي عاد أبوه اليهودي بعد ١٩٦٧ يسأل عنه ويطالبه بالعودة لكنه رفض أيضا وقرر أنه فلسطيني وأن زوج أمه الذي رباه هو أبوه الحقيقي، ورفض طلب القاضي اليهودي أن يقيم أية علاقة مع أبيه الأصلي اليهودي.

في المحصلة فإن مسلسل عائد إلى حيفا أحد أنجح مسلسلات المخرج باسل الخطيب، ويضيف إلى تراثه الإخراجي الكثير فنيا، وتقنيا.
آملا أن يواصل المسير، ويتحفنا بمسلسلات جديدة.


عادل سالم

- رئيس تحرير ديوان العرب.

من نفس المؤلف