ياهودايزم- ج ٥

تقنيات لعبة السلطة

، بقلم وديع العبيدي

[13]

هل أكمل قسطنطين ما فات يسوع؟!!..

"بعد هذا رأى يسوع ان كل شيء قد اكتمل، فقال: أنا عطشان!.

وكان هناك وعاء ملئ بالخل، فغمسوا فيه اسفنجة، وضعوها على زوفا، ورفعوها الى فمه.

فلما ذاق يسوع الخل، قال: قد اكمل!.. ثم نكّس رأسه، واسلم الروح."- (يوحنا 19: 28- 30).

ونعرف ان يوحنا مدون الانجيل الرابع، هو (التلميذ الذي كان يسوع يحبه)، الذي رافق المعلم بعد اعتقاله وحضر مرافعاته في بيت قيافا وحنانيا –رؤساء اليهود-، وكان حاضرا في مشهد الصلب.

"فلما شاهد يسوع أمه، والتلميذ الذي كان يحبّه واقفا بالقرب منها، قال لأمه: ايتها المرأة!، هذا ابنك!.

ثم قال للتلميذ: هذه أمك!. ومنذ ذلك الحين أخذها التلميذ الى بيته."- (يوحنا 19: 26- 27).

وبحسب التقليد الكنسي، بقيت السيدة مريم ام اليسوع عند يوحنا بن زبدي ابن الرعد.

فالسيد المسيح اكمل مهمته بالتمام قبل انتقاله. ولو كان وراءه أمر تأسيس جيش أو انشاء مملكة أو حتى انشاء ديانة جديدة، لما أعوزته الوسيلة ولا عسر عليه أمر. ولو كان ترك بقية من مشروع يكملها سواه لأوكل بها الى أحد تلاميذه المقربين، مثل يوحنا الشاب الذي طلب منه كفالة والدته.

يوحنا بقي مع التلاميذ وبقية الاتباع في فلسطين حتى حادث تدمير القدس وتقويض الهيكل عام (70م) وقرار اخلائها من السكان ومنع اليهود وغيرهم من العودة اليها ثانية. فتشتت التلاميذ، وتم نفي يوحنا بن زبدي الى جزيرة بطمة في بحر ايجه، حيث بقي هناك حتى وفاته. وفيها انجز كتابة انجيله وسفر الرؤيا ورسائله الرعوية، وكان خلالها اسقفا لكنائس اسيا الصغرى التي أسسها بولس الطرسوسي في رحلته الكرازية الاولى.

لقد اعتقد قسطنطين انه سيكون مثل بولس الطرسوسي الذي دعاه يسوع الجليلي بعد ارتفاعه ان يحمل البشارة للامم -(أع 9)، مكملا لدور الكرازة للامم. فيكون قسطنطين مكملا لدور يسوع السياسي. وبسبب من ذلك ستلحق بيسوع صفات رومانية جديدة مثل [ملك الملوك، وشمس الشموس ونور الانوار] وغيرها. وملك الملوك هو الامبراطور الذي تخضع لسلطته ممالك الارض. أما الشمس والنور فهي من صفات الاله (أبولو) ابن الاله الأكبر (زيوس).

ثمة نص كتابي يؤقلم دعوة بولس الطرسوسي ودوره الكرازي، ولكنه لا مرجعية كتابية/ انجيلية لما قام به قسطنطين، سواء بتحويل (عقيدة الطريق) الى ديانة، أو تعيينها (ديانة دولة)، وهو الاخر امر فات الكنيسة ومؤرخي المسيحية ولاهوتها تأشيره جيدا.

لقد اتبع ذلك القرار تنصيب قسطنطين نفسه – رأسا- للكنيسة، ورغبته في حضور اجتماعات المجالس المسكونية ورعايتها، وهو ما نجح رؤساء الكنائس يومذاك، في رفضه، لكونه يهدد سلطاتهم الكهنوتية، ويشكل بادرة خطرة، للتدخل في شئونهم، وتسييرهم حسب رغباته.

لم يتاخر قسطنطين في الحكم كثيرا، ولكن خلفاءه، تدخلوا في تعيين اساقفة روما والقسطنطينية وعزلهم، وساهموا في التدخل في امور الكنائس واللاهوت، وشكلوا هيئات استشارية برعاية الامبراطور لاصدار مرسوم امبراطوري كنسي في امور الخلافات اللاهوتية وتوحيد الكنائس والطوائف البلدانية.

لقد كان قرار تسييس التعاليم اليسوعية على يد قسطنطين وخلفائه، بداية المسيحية الرسمية وانفصالها عن ينابيعها النقية، لمسايرة اهواء الحكم وتقاليد العالم. وقد جوزت الكنائس لنفسها، تشكيل كنائس بلدانية ذات سلطات وهيراركيا بلدانية، وتعليم لا تختلط فيه تعاليم موسى بتعاليم يسوع الجليلي فحسب، وانما تضيف اليهما التقاليد والعادات الثقافية للبلد موطن الكنيسة.

فانشقت الكنيسة القبطية المصرية عن الكنيسة الاغريقية الارثوذكسية، كما اختلفت كنيسة روما عن الكنيسة الاغريقية/ القسطنطينية والقبطية/ الاسكندرية. وانشقت السريانية عن كنيسة اوروشالوم، ثم تفتت السريانية الى اشورية وكلدانية وارمنية، فضلا عن خلافات اخرى، ما زالت تترى وتزيد. والخلاف ليس اداريا هيكليا وانما يشمل التعليم واللاهوت ومختلف التفاصيل الداخلية.

في القرن الثالث والرابع، حيث اعتبار (المسيحية) ديانة رومانية امبراطورية، لم يكن أحد من التلاميذ الاوائل على قيد الحياة ولا تلاميذ التلاميذ، سيما وان الاعدامات والاضطهادات مسحتهم مسحا، ولم يتبق غير المتجددين الجدد من الامم او اليهود، ومنهم بعض اساتذة ومعلمي الفلسفة الاغريقية المتنصرين، تشكلت منهم قيادة المسيحية والكنائس في العصر الروماني والبيزنطي.

ولا يذكر التاريخ ان الاقباط او السريان باركوا قرار قسطنطين او ساندوه، وكانت العلاقات غير مناسبة بين الطرفين. ان بيزنطة المسيحية لم يباركها يسوع ولم يعترف بها، كما في كلمة ليوحنا ذهبي الفم، وكان انهيارها خرابا مفروضا، لمخالفتها التعليم.

مداخلة كتابية..

لا مملكة ليسوع في الارض..

"وعلم يسوع أنهم على وشك ان يختطفوه ليجعلوه ملكا، فعاد الى الجبل وحده!"- (يوحنا 6: 15)
"ان ملكوت الله في داخلكم"- (لوقا 17: 21)

ما هو المقصود بالمملكة؟.. ما معنى الدولة؟..

في الانجيل تتردد لفظتان متقاربتان هما: [ملكوت، مملكة] ولهما جذر لغوي واحد، مشتق من الثلاثي المجرد (م ل ك). ويستخدم البعض لفظة (ملكوت) للدلالة على ملك سماوي روحي، بينما تؤول (مملكة) دالة لدولة أرضية سياسية. وربما لعبت الترجمة دورها في المداخلة بين اللفظين والدالتين.

ولو كان يسوع قائدا دنيويا مثل الاسكندر أو موسى وداود، لصحت لفظة (مملكة) هنا.

أما أن (يسوع): (صورة الله الذي لا يرى)- (كو 1: 15) و(الله الظاهر في الجسد)- (1تي 3: 16 ) و (ضياء مجد الله وصورة جوهره)-(عب 1: 3)، فأن المفردة المناسبة هي (ملكوت). لتكون العبارة (ملكوتي ليس من هذا العالم).

"ليست مملكتي من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان حراسي يجاهدون لكي لا أسلّم- (يو 18: 36). ان أحدا في مثل تلك الورطة، لن تنقصه الحيلة والوسيلة للتخلص من وشاية أعدائه، والهروب خارج اليهودية في أقل تقدير.

أليس يسوع الناصري قد جاء بنفسه من مقاطعة الجليل إلى أورشليم لمواجهة الصليب.
فما معنى أن يضحي شخص بنفسه ويسلم نفسه للموت، وهو في مقتبل الثلاثين؟..

أليس غرض كل مخلوق التعلق بالحياة وتملق سلاطين الأرض والمال؟..

فلماذا يكون يسوع الناصري، استثناء من أبناء الأرض؟..

وإذا كان يسوع يهدف لغرض دنيوي أو مجد بشري ينافس به قادة اليهود، وقادة الحكم الروماني، فما يعوقه عن ذلك؟.. هل تعوزه الفطنة، أم الحيلة، أم الجيوش؟..

كان ليوحنا المعمدان أتباع أقوياء، وكان ثمة جماعة الغيورون (الغيوريون)/(Zealots) الذين لا يمشون بغير سلاح، وكان دم سمعان الحشموني (67 ق. م.) ما يزال طريا في الذاكرة الشعبية وكل أولئك، بما فيهم قادة السنهدريم، كانوا ينتظرون القائد العسكري الذي يبني المملكة، ويخلصهم من حكم الرومان. فلِم لَم يستغل يسوع الناصري تلك الفرص والامكانات التي تنتظره، لتحقيق أغراضه الشخصية وأحلام شعبه سوية؟..

ان الذين لعبوا تلك الأدوار عبر التاريخ، كانوا أقل من يسوع في كل شيء، ولكنهم نجحوا في انشاء جيوش وقيادة معارك وانشاء دول وممالك، وتمتعوا بسلطان وجاه دنيوي. أولئك، لم تكن لهم مقدرة على احياء الموتى، ولا شفاء المرضى، ولا علاج الأكمة والمفلوج، ولا السيطرة على واحدة من شهوات الجسد، ولكنهم صاروا ملوكا وتبعهم كثيرون، فلم قصر يسوع عن بلوغ ما بلغوا؟..

"مملكتي ليست من هذا العالم"! تلخص الاشكالية التاريخية واللاهوتية في فهم يسوع من قبل معاصريه ومناوئيه. لوكان يسوع من هذا العالم – على شاكلة الناس-، ومملكته من هذا العالم – حكم أرضي-، لما عارضه اليهود في حينه، وقاومه مقلدو اليهود حتى اليوم،
"يظن الذي يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"!- (يو 16: 2)، وهذه هي المشكلة، هؤلاء هم مركز المشكلة: خدام الله، وخدمة الله، والتنابلة!.. ففي غرة العقل، يحسب الذين يعبدون الله، ان الله عاجز عن خدمة نفسه، وبلوغ خطته، إلا بمعونتهم وفضلهم عليه.

فالذي خلق الكون والأجرام وقوى الجاذبية والرياح ونفس الانسان التي ما هي سوى نفخة، يكون عاجزا أمام عضلات جسد بشري مخلوق، لا يصبر على طعام او شراب أو رغبة! أو ألم سن!..
في غفلة من الزمن، يعجز الله عن استخدام القوات السماوية وجيوش الملائكة وكل قوى الطبيعة، ليكل بالمهمة لفرق من الشذاذ وناقصي الأهلية الاجتماعية والانسانية!..

ان رسالة الحضارة والمدنية وتطور المعارف والعلوم، هي ايقاظ العقل وتفتيح الأمخاخ للتمييز بين الخير والشر، الحسن والقبيح، البر والعهر، السماوي والأرضي، الله والشيطان، (تعرفون الحق والحق يحرركم!)- (يو 8: 32)/ (فتشوا الكتب، فأنها تشهد لي)- (يو 5: 39)!.

لكن التمييز يحتاج إلى معيار، وقد اختار البشر معيار المال، وسعر البورصة، للتمييز بين الخير والشر، والله والشيطان، ما ينفعهم وما يضرهم!..

وكل ما يدر المال فهو يشبع حاجاتهم الجسدية، ويملأ فراغات أنفسهم وأنواتهم. الله بالنسبة لكثرة عباد الديانات اليوم، هو الغني الكريم، القوي الشافي- صاحب مؤسسات خيرية لاشباع حاجات الناس وأطماعهم مجانا وبأسهل وأسرع الطرق.

هذا ما تقدمه العيادات الدينية وحذلقات ببغاوات الدين وأيديهم المفتوحة لتسلم التبرعات والعطايا وصكوك الخمس والعشر والزكاة والصدقة، ولو كانت من غنائم الرشاء والسرقات والجرائم. لصوص يتشاركون مع لصوص، وعميان يقودون عميان.

الفكر السياسي القديم اعتبر الملك الأرضي خلافة ووكالة للملك السماوي.

لكن الحكم الأرضي، وإن لم يكن متشابها ومتقاربا بين الشعوب والثقافات، توزع بين قاصرين وخائنين للأمانة السماوية.

الانسان وكيل السماء في الاشراف والعناية بالبيئة الطبيعية. ولكن هذا اختار أن يكون سارقا وقاتلا على ملة قايين، يفسد ويسفك الدماء.

وجعل الملوك والحكام وكلاء للسماء في إدارة البشر وتنظيم أمور الحياة بينهم، فاختلفت الرياسات من واحد لآخر، حتى كان الاستبداد أمرهم. وتلك هي شكوى عبد الرحمن الكواكبي [1855- 1902م] في رسالته (أهوال الاستبداد) التي ما زالت ترهب سلاطين العرب وترعد فرائصهم، وستبقى كذلك، طالما استأثروا ديانة المال وسياسة الشر.

أين مكان العلم والفضيلة الاخلاقية بين ذلك؟..

الضمير والأخلاق والقيم والله الحق نفسه يبقى في إجازة، طالما الانسان مجتهد (بالفهلوة)، ليس على الناس، وانما على رب العالمين، وباسمه أيضا. اليس طريفا أن السارق والقاتل وهو يبدأ عمله الاجرامي يدعو باسم الله!.. ابليس وحده يجعل الله الحق شريكا له في مكره.

ما اشبه هذه الدوامة الاشكالية، بدوامة سيد قطب [1906- 1966م] وهو يتحدث عن (الحاكمية الالهية) مستخدما كل ما بحوزته من فذلكات اللغة، وينسى – ويجعل قارئه ينسى معه- انه يفسر الماء بالماء. ويدعو لتكفير الحكومات الأرضية، لأن قادتها (بشر)، فمن يتولى أمور (الحاكمية الالهية) سوى (بشر) ملتحين. فالنتيجة ان (البشر) هم هم، في كل الحكومات الأرضية، دينية، سياسية، اقتصادية، مآفيات تهريب وتجار رقيق، وكل هؤلاء هدفهم المال، وأداتهم العنف والسرقة.

المال والله لا يجتمعان/ (متى 6: 24). و(رأس المال) من تأليف ماركس [1818- 1883م]، وليس وحيا سماويا، وماركس هو أبو المادية التاريخية. لكن ماركس أخلاقي أيضا، شأن معظم الفلاسفة والاقتصاديين؛ وهذا أمر لا يفهمه ببغاوات الدين.

أما العنف، الذي تحذق به بعض الديانات، وتنافس فيه جنكيز خان وأحفاد هولاكو، فليس الله في لزومه. لأنه بنفخة يمكنه تغيير مسارات العالم. بنفخة من نفخات الهاريكان يمكنه أن يجعل أمريكا أثرا بعد عين. وبنفخة تسونامي يمسح جنوبي غربي أسيا بقضها وقضيضها. أم حسبوا الله عاجزا عن مد سلطانه في وقته.

الله ليست له ممالك أرضية، وممالك الآرض ليست الهية.

الحكم اساسه الجور، والسياسة أساسها الكذب!.

فلم المراوغة إذن!..

* انظر: وديع العبيدي- في رثاء يسوع (2: 6)- موقع جماليا الالكتروني للثقافة والفنون- صفحة الكاتب.

[14]

الدين والدولة.. منافسة تدميرية..!

كل شخص يعمل ما يعتقده صحيحا، ويعتبره الافضل في حينه!..

بل ان بعض الاشخاص تكون له قناعة قوية، باللحظة التاريخية وفعل التاريخ، وان ما يشغل ذهنه، سوف يغير حركة التاريخ نحو الامام، او يفتح مسارا جديدا، يعدل مسار البشرية!. هذا الشعور/ القناعة الاخيرة، تكاد تغلب لدى اكثر الكتاب، وبعض السياسيين.

تأكيد الكاتب لطروحاته وقناعاته، مصدره احساسه الميتافيزيقي بأهمية كتابته لتعديل مسار التاريخ او الاضافة اليه. وهو ديدن بعض السياسيين/ الحكام غير العاديين، والذين ينتهون الى الذورة والدكتاتورية، او السقوط والادانة، بيد انهم في الحالين، يتصدرون الذاكرة التاريخية.

كان ضباط الرومان وسياسيوهم، على قسط كبير من العلم والدراسة، بحكم تربيتهم الخاصة والثقافة الرومانية وخبرتهم السياسية. ولا يجوز وصف أي حاكم او ضابط عسكري بالجهل ولانحطاط كما يجري لدينا، حيث نفتقر لثقافة سياسية.

والسؤال هو: الى أي مدى كان قرار قسطنطين صائبا؟.. علما ان قسطنطين الذي اعتنق عقيدة (الطريق)، كان يصدر عن قناعة شخصية، وهو نفسه لم يتعمّد، الا عندما كان على فراش الموت. أما قرار جعل (المسيحية) ديانة رسمية في الامبراطورية، فكان من انجاز خلفه، الذي استخلفه كأمر واقع، ومضى به خطوتين للامام!..

ان صوابية اية فكرة رهن بامتحان تطبيقها الواقعي، ونتائجها المباشرة وغير المباشرة. وقد تنجح فكرة ما في – مختبر- وتفشل في الواقع الحي. قد تنجح في بيئة معينة، وتفشل في غيرها. وثمة.. لا سبيل لاطلاق احكام وقرارات سريعة ومباشرة، بأمر سلطاني قهري، لا يأخذ بالتفاصيل وطبيعة الخلافات.

واعتقد ان الاغريق كانوا اكثر حكمة، عندما كان يتم تطبيق – قرار جديد- في مدينة او بلدية معينة، -في موضع اختبار-، وبناء على نجاحها أو فشلها، يمكن تعميمها او تقليصها، أو دراسة اخطائها وتعديل اسسها. وكثير من القرارت والقوانين فشلت لنقص الخبرة وعشوائية التعميم، وعدم الاخذ بتفاصيل الخلافات البيئية والاجتماعية والزمنية.

ولا ارى هنا.. صوابية اعلان الامبرااطورية الرومانية امبراطورية مسيحية. ولكن الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي كانت تنشده، لم يتحقق ابدا، حتى سقوطها المريع تحت قذائف محمد الفاتح، وهو بين التاسعة عشرة والواحدة والعشرين من سنيه، عندما دخل القسطنطينية- عاصمة بيزنطة التي بناها قسطنطين قبل احد عشر قرنا من ذلك.

هل للدولة دين؟..

الدولة شخصية معنوية تتشكل من مفاهيم وأطر ادارية، وبالتالي، فهي لا تفكر او تشعر، لا تنهض او تجلس ولا تتكلم او تئن. الدولة مثل السيارة والتلفون وملعقة الطعام، فهل تعتقد ان للسيارة او التلفون او الملعقة ديانة او عقيدة او قناعة او شعورا خاصا بها؟..

ولكن الذي يقود الدولة ويستخدمها هو شخص يفرض عليها قناعاته ورغباته، ويجعلها اداة ولعبة لخدمة اغراضه. وأسوأ انواع الدولة، هو -الاوتوقراطية- و- الدكتاتورية-، ومن نظائرها -الثيوقراطية-!.. ففي الاولى يستبد شخص الحاكم ويسخر مؤسسات الدولة لمصلحته ويطبعها بقناعاته، بوصف الرجل الاوحد في المملكة.

أما الدولة الثيوقراطية/ (الحاكمية الالهية)، فهي الاكثر نكاية ومراوغة ورياء، بافتراضها ان -الآله- هو رأس الدولة الحاكم من خلال شخص اختاره-، أو كرّس نفسه-، لتنفيذ الاوامر الالهية. وفي هاته الدولة – الاله- يتكلم ويامر ويغضب وينفعل ويصدر قرارات ترقية وتصفية، مثل أي حاكم او قائد عسكري.

لفهم أي ظاهرة اجتماعية او سياسية او دينية، لابد من البحث في اصولها وبداياتها وظروف تكونها. وقد مثلت ظواهر الحكم الاوتوقراطي والثيوقراطي بدايات الفكر السياسي واصول الحكم. ففي الحكم السومري – مثلا- كان شخص الحاكم هو صورة الدولة، ومنها صورة الدولة العربية حتى اليوم، ومنه الحكم القبلي، الذي شكل الحاضنة لتطور نظرة الحكم هاته.

أما الدولة الثيوقراطية، فقد عرفت في بابل الاولى [حمورابي يتسلم وثيقة الاحكام من اله الشمس- اله بابل الاعلى]، ومثل حكم الفراعنه في مصر، وصولا الى الحكم الصيني في عصوره الامبراطورية التي استمرت حتى قيام الجمهورية والحكم الشمولي.

في الدولة الثيقراطية، يلعب الكهنة دور – االممثلية الالهية سواء باتباع الكتاب الديني أو طاعة الانبياء الذين يكلمهم الله ويكلمونه-، وهذا يجعل من شخص – الحاكم- اداة لتنفيذ توصيات الطبقة الدينية، وواجهة لخدمة اغراضهم او رغباتهم. وتكون هاته الدولة مهزوزة ضعيفة الاستقرار، نتيجة الشد والجذب بين شخص الحاكم واشخاص قادة الدين.

الدولة الدينية هي حالة بدائية في الاجتماع السياسي، ولذلك تعتمد طرقا بدائية لاستحصال القوت، وتمويل نشاطاتها اليومية. فتتخذ الاساليب العسكرية للغزو والاستيلاء واكتساب الغنائم وسيلة لوجودها. علما ان فكرة الغزو وما يرافقها هو خلاف صريح لمبادئ النص الديني الذي يتذرع بالعدل والمساواة والاخوة البشرية. فالدولة الدينية هو اصل الدولة العسكرية المتمددة، الى اماكن تتوفر الموارد الطبيعية او المدنيات المزدهرة اقتصاديا. ومعظم مشاريع الاحتلال والسيطرة وصولا للاستعمار الحديث خرج من تحت عباءة الدين ومن بين نصوص وسطور اسفار دينية. وليس اخرها الغزو الامريكي للعراق الذي استند فيه بوش الابن الى أمر الهي(*). وكل ما يشهده العالم منذ سقوط حائط برلين من معارك وحرواب وأزمات في شرق أوربا ووسط أفريقيا، وما تلاها من حركات عنف ديني واسلام سياسي لا تخرج عن عباءة النص الديني وصراعاته على مستويين:

ديني- ديني، ديني- علماني!. أما صراعات الشرق الأوسط والمنطقة العربية تحديدا فكلها صراعات دينية مباشرة أو صراعات سياسية بمرجعيات ومحركات دينية.

وادناه قائمة سريعة للدول والصراعات والأزمات ذات المرجعيات الدينية المباشرة وشبه المباشرة..

انشاء امبراطورية بيزنطه المسيحية [طائفة ارثوذكسية اغريقية] على انقاض الامباطورية الرومانية.

خلاف القسطنطينية عاصمة بيزنطه الاغريقية الارثوذكسية مع روما الكاثوليكية [المسيحية الغربية].

خلاف الاسكندرية المصرية وكنيستها الارثوذكسية القبطية مع كل من كنائس القسطنطينية وروما وانطاكية وفلسطين.

ظهور الاسلام كحركة دينسياسية تحولت الى قوة عسكرية متنامية بعد عقد من بدايتها في ظاهرة الدولة العربية الامبراطورية التي ناجزت كل من فارس وروما وبيزنطه العداء وتوسعت على حساب مستعمراتها في شرق المتوسط وشمال افريقيا، وانتهت في صورة دولة الخلافة [أي خلافة النبي الحكام والقائد العسكري].

تفتت دولة الخلافة الاسلامية الى دول وامارات واقاليم دينية منشقة ومتصارعة فيما بينها على أسس طائفية ومذهبية، مثل دول بني الاحمر في الاندلس، والقرامطة في البصرة والخليج العربي، والاسماعيلية في اليمن، وسلسلة الدول العبيدية في المغرب وتونس وصولا للدولة الاطمية في مصر والدرزية والاسماعيلية والنصيرية في بلاد الشام.

الدول البويهية/ (شيعية)، والسلجوقية/(سنية) في اطار الحكم العباسي القائم على اصول دينية باطنية ايرانية قديمة ممثلة بابي مسلم الخراساني وابي العباس السفاح.

انشاء الدول الامبراطورية العثمانية الصوفية السنية، وجنوح الدولة الصفوية لاعتماد المذهب الشيعي ديانة رسمية لايران، خلاف جاره العثماني السني، ولم يتوقف الصراع العسكري والديني التوسعي بينهما، والممتدة اثارهما في عراق ما بعد الغزو الانكلوميركي عشية هذا القرن.

انفصال الهند الى دول متعددة على اساس ديني برعاية المحتل البريطاني، وضد مشروع الهند الموحدة للمهاتما غاندي. حيث اعلن استقلال محمد علي جناح/ (1945م) بباكستان اسلامية/ الجناح الغربي لشبه جزيرة الهند، مقابل دلهي الهندوسية، ثم اعلان بنغلادش الاسلامية/ (1973م)/ الجناح الشرقي لشبه جزيرة الهند. وما زالت تعيش الهند وجاراتها المسلمة صراعات بينية وخارجية على اساس ديني.

كل الحروب التي شهدتها المنطقة العربية هي صراعات سياسية عسكرية ذات جوهر واطار ديني، الحروب العربية ضد اسرائيل- [اسلامي- يهودي!]. ومنها حرب حزب الله اللبناني الشيعي وحركة حماس الاخوانية ضد اسرائيل.

الحرب الاهلية في لبنان، والحرب العراقية الايرانية، والعنف الديني في العراق لمرحلة ما بعد (2003م)، والحرب الاهلية في سوريا منذ 2011م، كلها ذات جوهر واحد هو الصراع السني- الشيعي، وغطاؤه الخارجي [ايراني- ارامكوي]، تحترق بناره مجتمعات لبنان وسوريا والعراق، وهو امتداد للازمة الاصلية التي قامت عليها دولة العباس السفاح.

ما يسمى بحركات الربيع العربي في البلدان العربية الجمهورية غير الموالية للمحور الانكلوميركي ذات جوهر ومرجعية دينية شلفية برعاية جيل الاستشراق الثاني والثالث، والذي انتهى بتسليم السلطات للاسلام السياسي المتطرف [تونس، مصر في عهد مرسي، ليبيا السلفية، تسليم الحكم في عراق الاحتلال لأحزاب شيعة موالية لايران].

سماح الغرب بنشأة امارات طائفية: حزب الله في جنوبي لبنان، حماس في غزة، الحوثيين في اليمن الجنوبي. والدعم الخارجي مستمر لاقليات طائفية شرق السعودية وغرب العراق، وفي شمال وجنوبي وغربي السودان.

حركات انفصالية على اساس ديني في دول وسط افريقيا مثل نايجيريا/(بوكو حرام)، حركة (شباب) في الصومال، وبلدان اخرى مازالت مرشحة للتأزم والانفصال على اساس اراق دينية، تتلاعب بها البيت الابيض.

ومن حاضنة الدولة الدينية، ظهرت الدولة الاتوقراطية والدمقراطية. ففي الاوتقراطية يحل شخص الحاكم محل – طبقة الدين والاله المزعوم- ويتولى الحكم وادارة الدولة والمجتمع لخدمة اغراضه وقناعاته. وفي الدولة الدمقراطية تحل طبقة وجهاء البلد/ الاغنياء/ اقطاع الارض/ البرجوازية التجارية- الصناعية محل طبقة الكهنوت في التحكم بتنصيب الحاكم – الممثل والخادم لمصالحها- وادارة الدولة بما يخدم وجهات نظرها وتنمية مصالحها واستمرار هيمنتها.

والنموذج الاخير هو السائد في اوربا الحديثة – باسم الدمقراطية- حيث تقود البرجوازية الاوربية عجلة الدولة والاقتصاد والمجتمع، بحسب رؤاها واستمرار سيادتها. وفي نصف القرن الاخير، يلحظ غياب الكارزمات السياسية الحاكمة، واستخدام شباب طموحين (للمال والصيت)* لشغل مراكز الدولة العليا وشغل وزارتها، بصفة موظفين تحركها اصابع ومصالح البرجوازية المستفيدة من –بزنس- الدولة. ومنها ايضا تولية نساء على الوزارة، حيث يمكن التحكم بهن من وراء الستار.
وارتبطت ازمات بريطانيا مثلا باستلام امرأتين مرغريت تاتشر وتيريزا ماي. وكان ديفيد كاميرون المحافظ احل عشرة نساء في فترة ولايته الثانية في وزارته محل الرجال، منهن خليفته رئيسة البريكست.

فهاته ليست دول مدنية اقتصادية تتوزع بين اسواق المواد الخام وتصريف المنتجات، وانما مأفيات مالية(*) تمارس القرصنة المالية وكل انواع المغامرة والمقامرة، بدون وازع اخلاقي – تهميش الاخلاق والكنيسة- وتربية مجتمع ينقسم الى فئتين: مستثمر- مستخدَم. ومجتمع من طبقتين: الاغنياء المالكونن والفقراء المعدمون. وفي الحالين يخدم الاخطبوط الاكبر وحيتانه المتصارعة فيما بينها.

اعترف بوش على الملأ عشيه اصدار امره لقوات التحالف الاميركي بغزو العراق في مارس 2003م انه استلم رؤيا سماوبة تأمره بغزو العراق، وهي تذكر برؤيا قسطنطين مؤسس بيزنطة المسيحية وموضوع بحثنا هذا. ويؤكد بوش انه كان يبدأ يومه في البيت الابيض بالصلاة خلال مدة حكمه، وقد اسفر استفتاء اميركي خلال التسعينيات بانه الشخص الاكثر حمقا بين رؤساء الولايات المتحدة الى جانب سلفه الجمهوري رونالد ريغان. وقد ادان عدد من المفكرين الغربيين اتجاه ومزاعم بوش الابن، الممثلة لتسلط التيار الصهيومسيحي على السياسة الاميركية.

عقب تنازل الاشتراكي فرانتسكي عن رئاسة الوزارة في النمسا خلال التسعينيات رشح وزير ماليته فيكتور كليما لتولي الوزارة للمدة المتبقية. ولوحظ ان كليما بدل التشبث بمستقبل سياسي في بلده، غادر البرازيل ليرأس مركزا ماليا لاحد شركات السيارات هناك. وقد خرج الاشتراكي توني بلير من رئاسته للوزارة البريطانية ايام غزو العراق بالتحالف مو بوش الابن/[فضيحة ايراك انكوايري] مليونيرا يمتلك قصرا في وسط لندن بالقرب من اجزرد رود وحصلت زوجته على شقة تقدر قيمتها باربعة ملايين ونصف من أموال ورشاوي خليجية. بينما كانت مجموعات وزارية في الحكومات البريطانية منذ عهد تاتشر ومن تلاها يستلمون رشاوي مليونية من المياردير المصري محمد الفايد وحكومات العراق ولبيبا والسعودية وقطر.

الطريف انه بينا ما يزال بعض المثقفين العرب يجادلون في الدولة الريعية وغير الريعية لتوصيف بلدانهم، تحولت الراسمالية الغربية الى دول بورصة ومقامرة مالية مفضوحة، دون تناولها اقتصاديا وسياسيا من قبل المعنيين. فالهدف المباشر من غزو العراق وليبيا هو نهب النفط وشطف مسكوكات الذهب في بنوك البلدين، كلاهما حدثا في عهد توني بلير. بينما تتصاعد في وسائل الاعلام البريطاني ازمات العجز المالي ودعاوى حكومة المحافظين بتضخم حجم الانفاق البريطاني للتغطية على اسئلة غنائم الحرب. ويذكر ان كونديرا رايز مستشارة ووزيرة بوش الابن هي الوحيدة التي تطرقت لغنائم غزو العراق، وقد اختفت من وسائل الاعلام نهائيا، على غرار المس غلاسبي سفير الولايات المتحدة في العراق قبل غزو الكويت (1991م)، حيث تمنع الدمقراطية الغربية تسرب اية معلومات تفضح ممارسات دولها وزعمائها السياسيين، في مراكز اقامة جبرية، لمددة تقارب العقدين حتى يتم تناسي الامر، وتزوره سياسيا واعلاميا. وللمراقب التامل في دعاوى ترامب الحالي عن [قايك نيوز]!.

[15]

فوضى غير خلاقة..

في خضم التحولات الفكرية، والاستحالات التاريخية، والمتغيرات الحضارية الكبرى؛ يبدو عدم وجود انفصال او قطيعة بين ما يجري اليوم، وما جرى وتبلور، قبل الاف السنين وعشرات القرون. سيما في ظل عصر ما بعد الحداثة [Post- Modernism] الذي نعايش بداياته تحت عنوان الفوضى الخلاقة [Creative Choas] وما تقتضيه من تقويض للأسس والقواعد والاطر والمفاهيم والتعريفات، مقدمة لإعادة الاشياء والمعاملات الى بداياتها الاولية، أي مرحلة ما قبل بدء تدخل الانسان، والذي يتعارف عليه بعض الغربيين تحت عنوان (الدين الطبيعي)/ [Natural Religion].
لا شك.. ان ما يحدث اليوم هو مجازفة تاريخية كبرى، بل هي الأعنف والاخطر من نوعها ومستواها، سيما وهي تجري باسم (العلم وفلسفة العقل) وتحت اشراف ورعاية الانسان نفسه. لقد بذل الانسان مجهودا عظيما على مدى الاف السنين، للخروج من ربقة الطبيعة، ووضع الاسس الراقية للحضارة والمدنية، وهو امر يستحق الاعجاب والفخر. لكنه سيكون غريبا، وبعيدا عن خاطر المبدعين والمنتجين والبنائين القدماء، انه يأتي على الانسان حين من الدهر، يتولى بنفسه، بارادته ويده، تقويض كل ما بناه، ودفع منظومة الحياة الحياة الى ماكانت عليه في البدء الاقدم، نقطة الصفر التاريخية، او ماقبل التاريخ. وهذا هو مغزى فلسفة ما بعد الحداثة، او الفوضى الخلاقة،لدفع المساحات الخاملة من خريطة البشرية، لتوسم بداياتها واعادة تشكيل نفسها، تحت ضغط الضرورة/ الحتمية التاريخية.

اننا ازاء، ما يشبه، تركيب الة ميكانيكية، ثبت مع العمل عدم صلاحيتها للاستعمال، فتعاد الى معمل –سكراب/ خرده-، ليعاد بناؤها منجديد وتجاوز اخطاء التجربة الاولى. ما يشبه، بيتا او أثرا عمرانيا، تبين انه غير قادر على مواجهة العوامل الطبيعية، أو عجوه عن استيعاب الجمهور المفترض حسب المخطط، او تلبية احتياجات السكان بعد مدة من الزمن. وهو ما يصح، تحديدا، على البلاد العربية والنظام العربي العاجز عن استيعاب شعوبه وزياداتهم السكانية، وتلبية احتياجاتهم المعيشية والذوقية.

لقد اختار النظام العربي تجميد (لحظة الزمن الاولي) وتحويلها الى محور الحباة العربية، والهدف المثالي الاسمى الذي ينبغي لعرب المستقبل بلوغه، في صورة أدنى من فكرة عصر النهضة الاوربية في استعادة الفردوس. وقد اعتبر النظام العربي، [لحظة الرسالة/ البعثة النبوية/ صدر الاسلام] بمثابة الفردوس المطلوب اعادة تحقيقه، لتأكيد تفوق العرب على الأمم، وافضلية (البداوة) على (الحضارة) الغربية والعالمية.

ولن نتعرض هنا الى ظروف تشكل هاته الفلسفة وورائياتها، بقدر ما اقتض التنويه لما وراء ما يدري من عنف وخراب وانقلاب واضطراب يشمل الاخضر واليابس، ولا يبقي او يذر، كما يقال. ومع انقسام الرأي العام الى من يتهم الغرب بوقوفه وراء الحاصل، وتردد قسم اخر بدعوى عدم الانسياق وراء (عقلية المؤامرة). الا ان ما التوصيف الفلسفي لما يجري، هو تطبيق لمرحلة [Destruction] لابد منه، لاعادة صناعة التاريخ [Re-Construction] ؛ وليس اعادة كتابته فحسب!

لم يمضِ وقت طويل على مشروع الانوار والحداثة [Ages of Enlightment & Modernism] الذي باشره العقل البشري بكل ثقة وشجاعة، ابتداء من غرب أوربا، والذي انتشرت ظلاله وانعكاساته، وأينت ثماره في القارات المختلفة خارج أوربا، واستفدنا نحن – سكان الشرق الاوسط- منه في تشكيلنا المعاصر.

ويمكن لسؤال بريء، عن سبب تقويض مشروع انساني كبير، لم تمض عليه ثلاثة قرون فحسب!، أن يكون له مبرراته. ولكن ما يفتقد المبرر، ان يصدر السؤال من عنصر سلبي في صناعة الحياة!. نحن الذين حكمنا على انفسنا، بمواصلة نهج الالتقاط والتصيد والقنص والاستهلاك، للبقاء على سطح الأرض، وأكثر منه منافسة الاخرين من منتجي الحضارة وصانعي الحياة والتاريخ التقدمي!.

عصر النهضة والحداثة، شهد ولادة وتشكيل وتبلور الامم والشعوب والمجتمعات وكياناتها السياسية وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية ومنظوماتها الثقافية الفكرية والاجتماعية، وبالشكل الذي أفرز تفوق الامم الأوربية الغربية على سواهم من سكان العالم.

من هذا المنظور، نحتاج اعادة النظر الى انفسنا، ودراسة اسباب تخلفنا عن اكتشاف اسئلة الوجود والتكون والهوية والطريق. ونحن نعرف، ان القرن العشرين، بمجمله – تقريبا- كان بالنسبة لسكان الشرق الاوسط، مرحلة اكتشاف الذات وتشكيل الهوية واستبيان صورة شخصياتنا القومية والوطنية.

ولكننا انتهينا، في سلسلة في من صراعات وانقلابات وتناقضات مستمرة لليوم – عشية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين- في افلاس تام عن الامساك بخيوط السيطرة وعجز تام عن تبين ملامح الاستقرار. ما يجري في الشرق الاوسط اليوم، هو انهيار اطر المجتمعات والشعوب وعدم تشكل قوميات وهويات قومية وثقافية مفرزة. والسؤال الوحيد المطروح، في الواقع العربي والاسلامي، أمام الاجيال الطالعة، هو البحث عن المستقبل في مكان آخر، وفي ظل ثقافة اخرى.

هذا السؤال الذي تبلور ودخل موضع التطبيق منذ خمسينيات القرن الماضي، لم تتوقف عنده اية حكومة او جماعة سياسية مسؤولة، ولم يتصد له أي باحث او مؤسسة اكادمية. وما زال المدعوين مثقفين ومفكرين عربا، يناقشون معضلة -البيضة والدجاجة-، الشرقي والغربي، الديني والعلماني، الوحي والتنزيل، علمية القرآن وخلافات المذاهب، والسماح بالتاويل أو عصرنة الفروض والطقوس.

وكلما، تاكد عجزنا الثقافي وبؤس مخلفاتنا الغيبية عن تلبية مستلزمات حاجات الناشئة ومستجدات الحياة العصرية والالكترونية، ازدادت قبضة الاستبداد ومحاكم التفتيش وشبكات الارهاب والترهيب، في قطيعة تامة عن مضمار العصر، وتجاهل صورتنا في مرايا العالم الشفافة.
وبعبارة واحدة، انه كلما حقق العقل الغربي منجزات نوعية كبرى، وتصدر قيادة الحياة والثقافة والسياسة الغربية، زاد اعتماد النظام العربي مرجعيات فكرية وثقافية ضعيفة ومهترئة، سواء من بطون التراث أو سقطة الراهن، مما يتماهي بين النزعة الانتهازية والوصولية وضعف العقل وجدب الابداع.

والثقافة العربية عموما، انتهت الى ما يسمى بثقافة (إعلام) رسمي، أكثر منه ثقافة (أعلام) مبدعين حقيقيين. لقد تم دفن مفكرين ومنظرين لهم قدرات ابداعية مقتدرة، بأفكارها ورؤاها على تطوير مضمار الحياة ورفع مستوى الناس والتفكير، لمجرد احتمال تهديدهم [القداسة والمعصومية والكمال والحكمة] المتمثلة بالماضي.

ان اشكالية المثقف المسلم الحقيقي هو كيفية التوفيق بين واقع متخلف بائس وماض مقدس معصوم، بحسب تعبير احد المفكرين، وكما وصفه الرصافي [1879- 1945م] : وهل لو كان حاضرُنا شقيّا..... سنُسعَدُ طونَ ماضينا سعيدا؟!..

لقد خسرنا معركة الوجود ومضاهاة الامم المتقدمة المستحقة والجديرة بالحياة!..

وقد وردت هاته الفكرة لدى كتاب سابقين في صيغة أسئلة خجولة ظاهرة القلق. ولم يعد مجديا اليوم، السماح بالسؤال او رفضه او تفنيده أو حتى تسفيهه، لأن الواقع العربي، بكل مستوياته وتلويناته، هو الجواب الحاسم. واقع العرب الذي لا يكسر ظهر الانسان العربي والمسلم فحسب، انما يكسر الشعارات والعناوين وفنوان البلاغة والبديع والبيان، وكل منتجات صالونات التجميل الثقافي والسياسي ورتوش اللغة والاعلام.

الواضح والحقيقي.. ان الانسان الحر والفكر الحر والرأي الجريء لا مكان له في الوطن العربي الكبير ولا الشرق الاوسط الكبير، بحسب قول الشاعر عبد الغفار الأخرس [1804- 1873م]: فأن الحرّ لا يرضى بأرضٍ.... يعيش بها مهانا أو ذليلا!!..

مشكلة النظام الاجتماعي والسياسي العربي أن السقوف والمداخل واطئة جدا، والفرصة الوحيدة للحياة فيها، أن يعيشوا منحني الظهور، يسيروا منحني الظهور، ويفكروا برؤوس وعقول منحنية. والانحناء الطويل يصيب بعشي النظر!..

كما ظهرت البداوة العربية في القرن السابع الميلادي، ردّا على حضارة الرومان الامبراطورية، - بحسب ابن خلدون التونسي- وثقافة الفطرة ردّا على ثقافة العقل، تخذ الردّ الاسلامي المتاخر الثياب البدوية [دشداشة وحجاب ونقاب] تحديا لطراز ما بعد الحداثة الغربية، والتطرف الدموي ردا على منطق العقل والحوار.

وكأن ما سبق من تاريخ الدولة ومجال المد الاسلامي، سيتكرر بعد اربعة عشر قرنا ونيف، بحكم –حتمية تاريخية او قدرية- معينة. وهو أمر ينطوي على قراءة خاطئة، أو اهمال القراءة العقلية والمنطقية لتاريخ الحاضر، كما في قراءة حقيقة المتحقق السالف، المرفوع على أسنة اللغة والبلاغة والمعصومية.

الانسان لا يشبع بالكلام. اذا جاع ابنك لا يشبع بكلمة (بندورة- شوكولاته- كباب)، وانما يحتاج طعاما ماديا مصنوعا باليد. الكرامة والحقوق ليست بلاغة وحماسيات شعرية، وانما هي بيئة اجتماعية وقيم ثقافية راسخة. ونحن نحتاج للخروج من بطون اللغة وأنفاق الماضي وتسليات الغيب، للدخول في الواقع. لأن الواقع يساعد على تعلم المواجهة. تعلم تبادل النظر مع المقابل خلال الحوار.

عندما نتحدث مع بعضنا، عودتنا الثقافة الاجتماعية النظر للأرض، وعدم النظر في عين المقابل. وفي الغرب، حيث يقيم شعب عربي وشعوب مسلمة عدة، الاتصال العيني جزء من توصيل المعنى وتكامل الاحترام والمساواة بين الافراد[communication]. لقد تاخرنا كثيرا في فهم الحياة وسنة التطور وتقدير امتياز العقل الذي رفعه الله فوق الانسان، وخفضته ثقافتنا البدوية والدينية دون الاقدام والسيوف.

ان البلاد التي عاشت تحت نفوذ الامبراطورية الرومانية والبيزنطية، هي التي شكلت جغرافيا العالم المتقدم المتمايزة بالعقل والابداع والقيادة الحضارية للبشرية. بينما البلاد التي اقتطعتها الدولة العربية الاسلامية، بما فيها شمال افريقيا والشام، بقيت خارج نطاق التطور بعيدا عن مضمار الحضارة وبيئة، للتخلف الاجتماعي والاقتصادي والصراعات ومظاهر عدم الاستقرار.

لقد كان لمصر وليبيا وتونس والجزائر وفلسطين وبنان وسوريا اسهام حضاري ومكانة مميزة في سلك الحضارة والمدنية الرومانية، ولكنها فقدت امتيازها الحضاري، وانقطع عنها دور المفكرين والفلاسفة في عصر الاسلام. بل ان الباحث الاجتماعي يلمس –جزئيا-، مدى (استمرار)، تمايز المصريين والاقباط مدنيا وحضاريا وسياسيا على سواهم من مجتمعات الشرق الاوسط. كما يمكن تلمس التمايز الحثيث بين العقلية والثقافة الاجتماعية لأهل لبنان وسوريا مقارنة بسكان العراق وغيرهم. وهو ما يصح كذلك في المقارنة بين تركيا البيزنطية وايران المحكومة بالاقطاع الديني.

فالمرجعية التاريخية الرومانية والبيزنطية، رغم القطيعة الزمنية، تركت بذورها المميزة التي تفرز الاختلاف والتجديد على ارض الواقع. ولعل مجتمعات الخليج والجزيرة العربية هم الأعرف بذلك والأكثر تماسا، خلال نصف القرن الاخير.

ان ما يجري من دمار منظم لسوريا يقوض عمرانها المدني والاجتماعي والسياسي، هو استكمال لما حصل في ليبيا والعراق ولبنان والسودان ومصر من بلدان الشمال المتمايزة حضاريا وثقافيا في تاريخها. فإذا كان العرب قد عجزوا عن رفع المستوى الحضاري والاقتصادي في بلدانهم العديدة/ [المساواة في اشتراكية الرفاه]، فأنهم يصرون على عمل المستحيل لتحقيق [المساواة في اشتراكية التخلف والاضطراب والجوع].

لقد عمل رواد التنوير الاوربيون في حملات البحث والتنقيب واستكشاف البيئة والثقافة الشرق أوسطية في القرون الأخيرة، على وضع الموروث التاريخي في متناول ايدينا. وكان الفرنجة ولالمان والانجليز اول من وقف على كثير من المرجعيات التراثية والدينية، وعملو على تنقيحها وعادة طباعتها وترجمتها ونشرها. وكانت الاجيال الاكادمية الاولى من العثمانيين والعرب تلاميذ الجامعات والمرجعيات الغربية في اللغة والدين والعلوم، وذلك حتى خمسينيات القرن الماضي.
وكان في تصور علماء الغرب، ان انعكاسات التنوير واشعاعات الانوار سوف تعالج اشكالية البون الحضاري، وتنقل العقل والانسان العربي الى مستوى العصر ومضاهات مضمار الغرب. ولكن نتائج التغيير والتطور كانت بطيئة جدا، وسلبية بالاجمال.

اذ يلمس القارئ، تراجعا فكريا واجتماعيا وحضاريا عند النظر اليوم لمستويات الحياة ومظاهر المدنية وحرية الراي والانتاج الصحفي والخطاب الاعلامي، مع تقدم عجلة الزمن. بل ان المدينة العربية بين الحربين من القرن الماضي كانت اقرب للمدينة الاوربية، وطرز الثياب والثقافة في القاهرة وبيروت وبغداد.

فالتراجع الفكري والحضاري والمدني في النصف الثاني من القرن الماضي وتنامي المد الرجعي، كلف العرب والمنطقة حاضرها ومستقبلها، وسحق ملايين اجيال العرب التي خسرت فرصة التطلع للامام. وسوف تستمر فاتورة الخسائر اجيالا، قبل ان تستكمل الهمجية الحضارية أدواتها ومستلزماتها وتسفر عن ضوء ضعيف في نهاية النفق!.

عندها فقط، يظهر جيل وعقل جديد، يعرف ان يفكر بطريقة واقعية، جديرة بالحياة والتقدم!..

(يتبع..)


وديع العبيدي

شاعر وكاتب عراقي، مقيم في النمسا.-السيرة الذاتية

من نفس المؤلف