الأنثى والكلاب

، بقلم جورج سلوم

عندما عقدتْ ساقيها في مجلس الأمس توسّعت حدقات الجالسين,ولمعَ من جلدها بريقٌ خطفَ الأبصار..ثمّ شبكت أصابعاً فوق تنورتها القصيرة..فتشابكت أوتار القلوب.

كلّها مرتعٌ للعيون.

أعجبها شبقُ الرّجال ودبقهم..وزادَ في غرورها عيونُهم النّهمة..

قذفتْ خُصُلات شعرها بحركةٍ هستيرية من رأسها الصغير..فبانَ من عنقها ما أسالَ اللّعاب..
هي محطّ الأنظار بلا شك..بين نساءٍ مستهجنات ورجال محبّذين..

مطلوبٌ منها أن تكونَ متعة للناظرين..هكذا شاء لها القدر..وردة في أصيص تميل بقدّها نحو من يشم ّوتشحذ أشواكها نحو من يحاول القطفَ أو القضم...

خرجتْ من المجلس فشيّعتها العيون...ونبضت القلوب على موسيقى حذائها العالي..تركت رائحتها خلفها كطيفٍ يحكي ألف حكاية..تلوكها الألسن لساعات...ولولا العيبْ لخرجَ الذكورُ خلفها كالدبابير..

وفي الطريق إلى بيتها تلتوي الأعناق وتستوي الآماق..تبتسم وتتمايل في مشيتها وتتمنى ألا تلجَ إلى بيتها..تريدُ أن تبقى بين الناس يكيلونَ لها المديح عيوناً وأشداقاً وأنّاتٍ لا حصرَ لها...

أما في البيت حيث الجدران الصامتة والمرآة التي حفظت شكلها فأدارت لها ظهرها..فلا إطراءَ ولا مديح ولا حتى..فحيحْ..!

اقتنت كلباً صغيراً يلعقُ ما تيسّر له من كاحلها الغضّ..يتلقّاها خلف الباب بشغفِ الملهوف.. فيركضُ حولها مهللاً ثم ينتظر بعضَ الفتات..وفي الليل يشاركها الفراش حرارة ونبضاً وأنفاساً لكن للأسف لا يأبه لجمالها..

ويبقى الكلب كلباَ مهما ارتقتْ أحاسيسه.!

شاركها في صورها على الهاتف الجوّال..وسار حولها في نزهة الحديقة..وأبدى البعضُ إعجابهم بالكلب وصولاً إلى صاحبته..لكنّه في النهاية هو مجرّد كلب ولو أدخلته إلى حمامها وتعرّت أمامه..هناك يعرف وظيفته فيدير ظهره لها ويقف بباب الحمّام حارساً.!

قالت لها صديقتها:

أنت بحاجةٍ إلى كلبٍ من نوعٍ آخر..ينبحُ ويعضّ ويلعق كاحلك..ويحرسك ويدور حولك في الحديقة..ويجثو أمامك صاغراً..

ابتسمت وقالت:

أرى الكلابَ أنّى اتجهت..يسيل لعابهم ويدغدغون عواطفي أنى خرجتْ.

لا أريد كلباً يجلس بجواري..فمكانه على الأرض عند قدميّ فقط.
ردّت صديقتها:

- أنت مخطئة...فالرّجل الذي أتحدّث عنه سيقبّلُ الأرضَ عند قدميكِ

- نعمْ..نعم..ثم سيتسلقني ويعلو عليّ وينهشني ويدوسني..فأغدو بعدها كلبةً تدور في فلكه..فأحملُ اسمه ونيره مدى الحياة.ويكملُ هو نصف دينه بزواجهِ منّي وأصبحُ أنا ناقصة العقل ِ والدينْ!

يملكني ويسود عليّ...ويدعوني إلى فراشه فإذا تمنّعت لعنتني الملائكة حتى الصّباح...!

لا أسافر إلا بإذنه...وجمالي له وحده يأتيني أنّى شاء..فأنا ملكُ يمينه!

لا وألف لا...ما ملكني ولن يملكني إلا من خلقني.

تمرّدك هذا محدودُ الزمن..سوف تخنقكِ وحدتكِ وتجدبُ أرضكِ..ويفوتك القطار..وتلفظكِ الأيام عانساً على الرّصيف..ألم تحلمي أن تكوني أمّاً لملاكٍ صغير يزرع فيك الحياة المتجدّدة ؟

لا لن أسمح لمخلوقٍ أن يحقنني بسمّه الزعاف..فأحبل كُرهاً وألِدُ جرواً مثل أبيه..صدري لن يكون ملعباً للكبير ولا مُرضعاً للصّغير.

بئسا لك أيها الرّحم..فلتنزف كل شهرٍ سفاحاً..على الأقل لن يقولنّ لي أحدٌ أنني نجسة في فترة الحيض..لأنني أطهرُ من أمّه التي لوثها دبق الرجال..

تعال أيها الكلب المطياع..اقفز حولي مراحاً واطربني نباحاً وتذلل بين قدمي وتوسّل بين يديّ..لن تختلفَ عن الكلاب المحيطةِ بي في كل مكان..عيون ٌجائعة وفم ٌمفتوح ولسان ٌيتدلى بين همهمات الأنين..

الرجل الذي عنه تتحدثين..يريد أن يحجّبني.. ينقبني.. يحزّمني.. يغلّفني.. ويقفلني ويقفل عليّ ويبقى مفتاحي في يده وحده!

يهديني شبكة العرس فيشبكني بشباكه، والمحبس ليحبسني في قمقمه ,ويتبعه بسوارٍ يسوّرني بأسواره.. فأصبح نزيلة قلعته وسجينة قصره وجاريته التي تتحلّى وتتزيّن له فقط.
وعندما يأتيني بلياليه الحمراء سيحطّم الأسوار ويهدم القلاع ويفكّ الأغلال التي قيّدني بها..

فتسيل دمائي ودموعي وهذا للأسف يسمّونه حبّاً في لغتهم وقاموسهم الكلبيّ..

هناك على مذبح الزّوجية يتباهون بفحولتهم وأصوات نباحهم ويسعدون بتأوّهات النساء وعويلهنّ في ليالي السهاد.

كل هذا ولم أصلْ بعد إلى مجزرة الطلاق... فبكلمةٍ يدخلني وبكلمة يرميني.. ووسادتكِ التي تنامين عليها اليوم قد تفقدينها إذا ما عنّ له ذلك أو يسفحُ فوقها ماطابَ له مثنى وثلاث وو..........

تلك الزوجة بعَظَمَتها ما هي إلا عظمةٌ بين أسنانه.. يقضمها ويقضي وطرهُ منها..ويحكّ أسنانه بها جافةً كانت أم رطبة..أمّا قطعة اللّحم التي تسيل اللعاب فهي أبداً خارج منزل أم ّالبنين.
سأبقى أنا الأنثى آلهة الرّجال.. وحلمهمُ الليليّ وشبقهم النهاريّ.. يرتمون على عتباتي صاغرين وأبقى أنا العزيزة الطاهرة عن دبقهم ولعابهم.

وعندما تجرفني أصابع الدهر-كما تقولين - وتجفُّ ينابيعي الخصبة.. وتداخلني أخاديد الجفاف.. عندها سيطمرُني قبري ويكون كفني الأبيض هو ثوبُ عرسي...عزيزة وكبيرة وعفيفة و أميرة.... بين الكثيرِ والكثير.. من الكلابْ!!