الاثنين ٨ أيار (مايو) ٢٠١٧

الشعرُ ليس حكرٌ على اسماءٍ بعينِها

يتذمرُ بعض الشعراء الكبار من تيّهان قصائدهم الجديدة وتراجع تناولها نقداً وتحليلاً واهتماماً، مُحمّلينَ الدماء الجديدة من الشباب وكثرة قصائدهم، وهيّمنتها على النشر في الصحف والمجلات "ورقية والكترونية "، وِزرَ ذلك التيِّهان.

وفي واقع الأمر يقودنا هذا التذمُر لتفسيراتٍ تُؤخذ على محاملٍ وأوجُهٍ مختلفة، منها الأنانية والتعالي واحتكار الصنعة ((إذا ما جاز اعتبار الشعر صنعة))، ومنها ايضاً "النرجسية "وما يتمخض عنها من نزعة عدوانية حيال المنافسين، اللذين لاوجود لهم سوى في عقول البعض، مع ضرورة الإعتراف: ليس جميع مايُنشر من القصائد ((الفتيّة)) يمكن تصنيفها شعراً سليم البُنيّة إطلاقاً، إذْ يتخلل البعض منها ضُعفاً وتَعَثُراً، بيّد ذلك لايُبرر قمع اصحابها وناظميّها، ومنعهم من التعبير والنشر.

او ربما وضع محاولاتهم موضِعَ التهكم والتندُر.

وكأنَّ جميع الشُعراء وُلِدوا مُبدعينَ عُظماء، دون مرورهم بتجارب متواضعة إنتابها الإخفاق في أحايين كثيرة، وليس إنتقاصاً القول: ان السوادَ الأعظمِ منهم قطعوا اشواطاً نحو الجودة تخللتها الهفوات سواء في العناصر او الأغراض او المُقوّمات.

وإنسياقاً مع نفوسنا البشرية الأمارة ((بسوء الظن))، يصبحُ لِزاماً التوضيح وإزاحة اللبس التالي: الدفاع هنا عن المحاولات الشعرية المتواضعة، لايعني قط، التشجيع على استساغة اللغة الهابطة، مقيتة النبر في الأذان.

قدر الأخذ بيّدِ المبتدئين والحؤول دون وقوعهم أسرى الفشل والإحباط الذي يُسببهُ النقد اللاذع الهادم للأمل وتردي المعنويات.

وربما يجدني البعض متحمساً في التشجيع على العودة الى تراثنا اللغويّ والنهل من معين نتاج الأجداد، وهذه حقيقة فيها جانب من الصواب، إلا انها لاتصل حد التطرف والمغالاة في الواردِ مما يكتب البعض من جيل الثمانينات والتسعينات للقرن المنصرم، وهو يُحاكي الأشعار العربية القديمة في نصوصه التي يطغى عليها طابع التقليد والميّل الى إيراد الغريب من الألفاظ التي ربما تلائم العصر "الجاهلي وما تبعهُ وصولاً للعباسي "، منها مثالاً: (حسا ذو عفا، الأقْعَسِ، عصبصب، أرْتِعُوا، ماضي المشرفي.. وغيرها).

صحيحٌ ان الشعر نابع من ذاتيّة الشاعر وعاطفته وخياله، فينقل الأثر الذي يحسُهُ الى سواه، وصحيحٌ ايضاً إحتياج الشاعر الى التأنقِ في عباراته وتخيّر الفاظه في تصوير وجدانه وإثارة وجدان المتلقي، إلا ان الإيغال في التقليد والإكثار منه سيّولد نفوراً وحالةً غير مُستساغة لدى جمهور الشاعر ومُحبي الشعر، لاسيما وان مُعظم الجمهور من الوسط الأدبي والثقافي الذي يُميّز الغث من السمين، سواء في المنظومِ ام المنثور.

لذا يقتضي الإنصاف تشجيع الشباب المبدعين والشدِّ على اياديهم في استمرارهم لنظمِ الشعرِ عمودياً كان ام تفعيلياً، وربما آن الأوان لأن نحتفل بولادة احدهم في هذه الظروف الحرجة التي يمرُ بها قطرنا وامتنا، وسط تكالب قوى الشر والعدوان علينا.

والإحتفاء هنا إحياءٌ لِسُنةِ اسلافنا من الأجداد، إذ كان القُدامى منهم يعتبرونه لسان حالهم في التعبير عن الأفراح والاتراح وتدوين المفاخر والتأشير على مواطن الجمال في الحب والغزل، بدل احتكاره على اسماءٍ يُريدُ بعضهم ان يحتفظ بألقابهِ وجوائزهِ الدهر كُله.

عبد الجبوري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى