أيام في الخليج

، بقلم إبراهيم مشارة

أصيح بالخليج: «يا خليج
يا واهب اللّؤلؤ، والمحار، والرّدى !»
فيرجع الصّدى
كأنه النّشيج:
«يا خليج
يا واهب المحّار والرّدى.»
وينثر الخليج من هباته الكثار،
على الرّمال رغوة الأجاج، والمحّار
وما تبقّى من عظام بائس غريق
بدر شاكر السيّاب/ من أنشودة المطر

كان السيّاب حاضرا معي في رحلتي هذه ، أكثر من ذي قبل فالسيّاب يظل من أهم الشعراء الذين أحب شعرهم وأشعر شعورا صادقا بمآسيهم ،أما هذه المرة فيحضر بكثرة في خيالي ووجداني لأنني سأقترب كثيرا من جيكور بلدته في العراق ومن الكويت حيث مات وحيدا منسيا ذات شتاء من عام 1964.

والحق أن رحلتي الخليجية هذه بدأت من مطار الدوحة التي وصلتها ليلا بعد رحلة طيران امتدت لساعات في طائرة قطرية حديثة ومتطورة كأنك في فندق صغير من خمس نجوم يطير في السماء ، فمن شاشات تعرض الأفلام ومسار الرحلة والبلدان التي نمر فوقها والمسافة التي قطعناها وما تبقى لنقطعه ، إلى الخدمات التي تقدمها مضيفات الطيران وهن من أروبا والشرق الأقصى تقترب الواحدة منك في ابتسامة غير مصطنعة وإنجليزية واضحة تسألك عن حاجتك فتلبيها لك على الفور وترشقك بنظرة حانية فيذهب عنك الروع إن كنت ممن يخاف ركوب الطائرات أو مصاب بداء

" رهاب الأجواء العالية والأماكن المغلقة" الأيروفوبيا والكلوستروفوبيا كما يعرفان في علم النفس.

ومطار الدوحة مساحة من الأرض تسمع فيها كل اللغات وترى فيها كل الأجناس وهو صورة صادقة للبلد الساعي بلا كلل في طريق التحديث على النمط الأمريكي، ولكنني في عجلة من أمري ففي منتصف الليل سأطير إلى أبو ظبي والساعات القليلة المتبقية سأقضيها متجولا في هذا المطار

"المدينة " بين المحلات وألوان البضائع الغربية والشرقية ومن حين لأخر أدلف إلى غرفة أدخن، فالتدخين ممنوع في غير هذه الغرفة وحين تدخلها تصطدم بجموع بشرية من كل الأجناس ذكرانا وإناثا ومن مختلف الأعمار بعضهم جالس وبعضهم لم يحالفه الحظ في العثور على مقعد فبقي واقفا، وجميعهم يدخنون على عجل خوف أن تفوتهم الرحلة أو أن يتيهوا في هذا المطار العجيب، وانتابني شعور بالأسى لتلك الأوانس يتلفن طراوتهن وسحرهن بلفائف التبغ. فانا رغم إيماني بالمساواة الكاملة بين الجنسين لا أحب للمرأة أن تدخن وهذا ليس من قبيل الفلسفة الذكورية الشرقية التي تنكر على المرأة فعل أشياء تحفظها للرجل وحده ولكن من قبيل الإشفاق على الحسن تعبث به السجائر!

وامتطيت الطائرة بعد منتصف الليل لأصل إلى أبو ظبي والنهار الوليد فجرا يمشي في جنازة الليل الدابر هرما.

خرجت من المطار وكان السائق الذي ينتظرني شابا مصريا وسيارات الأجرة في الخليج تمتلكها شركات وتوظف العاملين بها، كشركة

"الغزالة " التي تمتلك هذه السيارة وتوظف هذا الشاب المصري. والمصريون كعادتهم حميميون فيهم مرح وخفة وعلى جانب من الثقافة

فهذا السائق متخرج من الجامعة ولكنه يكسب أفضل في الخليج كسائق سيارة أجرة وهو سعيد بعمله، شرع يحدثني في الشعر ويقرأ علي شيئا من أشعار الغزل لنزار قباني التي يحفظها ويحبها وأبدى إعجابه الشديد بأم كلثوم التي شرع يغني شيئا من أغانيها وأنا مرهق لا قبل لي بسماع الشعر ولا أغاني أم كلثوم التي أحبها بل أبحث عن سرير لأستلقي وأذهب في نوم عميق.

- فندق" ساندز أبو ظبي" أنا مأمور بإيصالك إلى هناك. قال السائق

فقلت:

- لا بأس

ووصلنا الفندق، كان فخما حقا من خمس نجوم :عمارة باذخة تطاول أعنان السماء وحين أوصلني الخادم إلى غرفتي لم أكن على استعداد لأن أسمع شيئا وهو يتحدث عن فطور الصباح هل أنزل بنفسي أم يحضرونه لي إلى الغرفة و كذا الجرائد و تمنى لي ليلة سعيدة.

استيقظت من نومي عند العاشرة ونزلت أتناول الفطور وأقرأ جرائد اليوم الإماراتية.

كان الفندق حقا فخما باذخا لا أثر فيه لحرارة الخارج يتوسط قلب المدينة ومن الطابق الرابع عشر كنت أراقب المدينة، هذه المدينة التي ارتبط اسمها بالظبي الذي يصطاده الصيادون والتي تأسست عام 1790 كسكن لصيادي الأسماك ومنذ خمسين سنة لم تكن إلا قرية كبيرة أصبحت من أهم مدن العالم رخاء وتوسعا عمرانيا ووفرة مالية وخدماتية ، شوارعها كشوارع المدن الأمريكية بلا ضيق أو التواء، ممتدة واسعة تعانق الأفق الذي ينحني عليها ليحضنها في سعة ورحابة والبنايات الزجاجية الخدماتية تملأ تلك الشوارع وأشجار النخيل تظلل الأرصفة الواسعة وحين تناولت فطور الصباح خرجت أتجول في لذة في شارع الشيخ زايد لا شيء أفسد علي الفسحة غير الحرارة الشديدة والرطوبة الخانقة ، فأيّار في الخليج هو الشهر الذي ترتفع فيه الحرارة إيذانا بمقدم الصيف ولو أن المكيفات في كل الأمكنة فالبنايات والمحلات التجارية تشعرك بأجواء جبال الألب فقد تكفلت التكنولوجيا بالقضاء على هيمنة الطبيعة. هنا لا أثر لعبق التاريخ وعراقة المدينة بل حيوية الحاضر، هنا المستقبل أطغى من الماضي فإذا كانت المدن العربية الأخرى تشبه الجبل الجليدي، الجزء الطافي فيه وهو الحاضر والمستقبل أقل من الجزء الخفيّ وهو الماضي فإن مدينة أبو ظبي يخت كبير ينساب على صفحة الماء بخفة يستمتع من فيه بجمال البحر وروعته جزؤه الطافي والخفيّ سيان!

أول ما عانيته هو البحث عن علبة سجائر التدخين محارب والأكشاك التي تبيع السجائر كما نجدها في باريس أو القاهرة وغيرهما من مدن العالم لا أثر لها هنا في الخليج اللهمّ إلا في محلات تجارية صغيرة لا تعرض عليك إلا نوعا واحدا من السجائر ولكنها طريقة جيدة لمحاربة آفة التدخين.

ومن ثمن علبة السجائر وثمن بطاقة الاتصالات الهاتفية يمكن أن تعرف أن الحياة في الإمارات العربية ليست بالزهيدة ولو أن الدخل مرتفع فبلدان الخليج العربي من أكثر بلدان العالم دخلا فرديا مرتفعا فاكتشاف النفط وتدفق الأموال وقلة السكان أتاح للناس حياة رخية ميسورة وفي الإمارات العربية يمكن أن تلاحظ أن العمالة أجنبية مائة في المائة فالهنود والسّرلانكيّون والمصريون يشغلون المحلات والفنادق والشوارع وفي الليل حين تخف الحرارة وتخرج للتجول في هذه المدينة التي لا تنام ستحس بالمتعة والأنس حين ترى الناس وعائلاتهم يجلسون على العشب يتبادلون أطراف الحديث يتناولون العشاء أو يشربون الشاي فالعمل وحر النهار يحولان دون ذلك.

والحياة في سوق الشيخ زايد عامرة وهو سوق يعد إنجازا حداثيا بكل معنى الكلمة وصورة طبق الأصل لما يمكن أن تشاهده في المحلات الكبرى في جنيف أو باريس أو أمريكا- التي لم أزرها- ولكن تطورها التقني والعلمي والحضاري فرض علينا أن نعرفها- شئنا أم أبينا- ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى أن ننفتح عليها أكثر ونستفيد منها، فالبلد الذي كان يضع السود في خانة العبيد منذ خمس عشريات فتح بيته الأبيض لمواطن أسود، ومنح المواطنة لكل قادم من العالم النامي ومكنه من الثروة والحرية والمساواة وقدر فيه كفاءته، بلد مثل هذا على الرغم من نزعته الاستعمارية وروحه المهيمنة خليق بالاحترام وخليق بنا أن نحذو حذوه في احترام ناسنا وفي إشاعة العدل ودمقرطة الحياة ، سياسية أو اجتماعية أو وفكرية . وفي ذلك المحل الكوني صالونات الحلاقة والمطاعم ومحلات العطور وأمكنة للعب الأطفال وما شئت من ألوان المتعة والتسلية والناس تعودوا على التردد على هذه المكان ليلا بعد انتهاء الدوام وهبوب نسمة فيها شيء شاحب لا يكاد يبين من انتعاشة الربيع فالليل في الإمارات متعة على عكس بعض المدن العربية التي تموت في الليل – لا شيء للناس يشغلهم إلا النوم - حتى في ليلتي آخر الأسبوع وكأنهم لم يقرأوا قول الخيام:

فما أطال النوم عمـــــــرا ولا
قصّـر في الأعمار طول السهر

وليس ذلك مرده إلى أن الناس يعملون في النهار فالبطالة ضاربة أطنابها في عالمنا العربي ولكنها طريقة في الحياة أقل ما توصف به أنها حجرية!

وفي بعض المدن لا أثر للمرأة ليلا في شوارعنا وإذا كانت المرأة تخاف من الخروج ليلا فهذا معناه أننا نعيش في دغل ولسنا محل ثقة ولا روح حضارية وإنسانية وهي كارثة بكل المقاييس.

على أن متعتي الحقيقية كانت في منتجع ساندز فلم يسبق لي أن أقمت في فندق فخم كهذا كلما دخلت استقبلك بالشاي وتمور الجزيرة العربية والحق أني كنت سعيدا بصداقات ربطتني بإخوان عرب وأتاحت لي ليالي السمر في أن أتبادل أطراف الحديث مع لفيف منهم.

فهذا صديق شاعر من السودان على صفحة وجهه طيبة أهل السودان ووداعتهم وهدوءهم شأن النيل حين يستوي في أرض السودان فيزداد حكمة وصفاء وجلدا على مغالبة الأرض الحارة التي تنساب مياهه فيها مئات الأميال صوب الشمال مانحا الحياة للكائنات، يحدثك خجلا وبصوت خفيض بلكنة محببة لا اصطناع فيها وقد جاء إلى الإمارات مشاركا في برنامج شعري وله ديوان مطبوع خص الأطفال بقصائده وهذا وجه من وجوه الوعي فما زال أدب الطفل عندنا أدبا ناميا بالقياس إلى غيرنا من شعوب العالم المتطور وما أحوجنا إلى كاتب من طراز هانس كريستيان أندرسن وإن كانت للأستاذ الراحل كامل كيلاني خطوات يستحق عليها كامل التقدير والاقتفاء وكأننا ننظر إلى هذا الأدب نظرة الاستصغار فالطفل رجل المستقبل والعناية بتعليمه وتثقيفه وتسليته ذريعة إلى مستقبل واعد، أليس الرجل طفلا كبيرا؟ أليست الطفولة بئرا أولى كما يقول الراحل جبرا إبراهيم جبرا؟ وقد تكفل اتحاد أدباء السودان بطبعه له ومن الديوان الذي أهداني إياه وكان من الشعر الموزون المقفى تتعرف على خصائص أهل السودان فهم يحافظون على الأصول ويتريثون فلا ترى الكاتب منهم يندفع لا يلوي على شيء يضيق ذرعا بتراث الآباء والأجداد داعيا إلى إلقاء كل شيء في البحر! هلاّ كلف نفسه عناء القراءة وعناء التروي في إصدار الأحكام حتى إذا انتهى إلى شيء مما ينتهي إليه الراسخون في العلم كان حقا خليقا بأن يقرأ وأن يحترم رأيه على الرغم من الاختلاف معه فالاختلاف لا يفسد للود قضية.

وصديقي الشاعر السوري يقرأ علي شيئا من شعره وقد شممت فيه رائحة ياسمين دمشق واستمعت منه إلى خرير النواعير في حماه ووضعت يدي في أشعاره على شيء من لزوجة الأشياء المندّاة في اللاّذقية.أما الجراح المصري العامل في مستشفى الملك عبد العزيز في جدة فقد كان حالة خاصة ذكرني بالدكتور ناجي "الشاعر" فما أكثر الأطباء المشتغلين بالشعر، وهو سعيد بعمله في مستشفى الملك عبد العزيز في جدة فهو يدر عليه دخلا وفيرا وطموحه يدفعه إلى الحصول على الزمالة البريطانية وهي تتيح له كثيرا من التجربة والسفر والمعرفة وهو جدير بها كما يبدو من تواضعه ودماثة خلقه . وهذا صديق مغربي آخر ولأهل المغرب معزة في قلبي فالحركة الثقافية خصبة في المغرب وأنا منذ زمن أتابعها منذ عرفت الحبابي صاحب مذهب "الجوانية "الذي تهكم منه الدكتور طه حسين والجابري وفاطمة المرنيسي وبنيس ومحمد شكري ومحمد زفزاف ويمكن أن نقول في ثقة أن المغرب الأقصى هو بؤرة الفكر والأدب والثقافة حاليا .

قال صديقي المغربي ونحن نستعد لندخل محلا تجاريا ضخما نتفرج على السلع ونتأمل في وجه الغادين والرائحين.

لماذا تصرون على استقلال الصحراء وتقدمون الدعم للثوار. لقد نالوا الحكم الذاتي لا ريب أن لكم مآرب في الصحراء؟

لكنني قلت على الفور:

- إن ما تفرقه السياسة تجمعه الثقافة، وقضية الصحراء الحكم فيها للتاريخ فلا شيء أقوى من حكمة القرون.

وهذا الصديق أهداني ديوانه الشعري وتأملت فيه فوجدت فيه أصالة شعرية وروحا شاعرية مغربية باحثة عن أناها في التيه العالمي وسررت غاية السرور حين قرأت في موقع وكالة أنباء الشعر العربي أن هذا الشاعر نال جائزة الشعر في بغداد وحسبه ذلك تكريما واعترافا بشاعريته.

في الخليج إذا كنت تعودت على الحياة على الطريقة الغربية في باريس أو لندن أو فرانكفورت أو مراكش أو دمشق فلن تجد ما يروي غلتك هنا صحيح العصر الاستهلاكي باذخ في الخليج والنمط المتعولم ظاهر هنا، الخدمات في الخليج ونظام البنوك وناطحات الزجاج الإسمنتية والزجاجية والسيارات الفخمة والوفرة المعلوماتية لا تفرقها عن بلدان الغرب أو الشرق الأقصى ولكن متعة الحياة كما تتذوقها في باريس مثلا لا تجدها ، أتعب من البحث عن قهوة إكسبرس ناهيك عن الجلوس في مقهى كما في تونس الخضراء مثلا يأتيني النادل بالنرجيلة وأستمع إلى عبد الوهاب من مذياع قديم يغني "يا جارة الوادي" لأمير الشعراء شوقي فأتيه عن نفسي وعن العالم مستمتعا بذلك الجمال الكائن في الصوت والكلمات وأترحم على ذلك العصر الذي لم أعشه عصر النبوغ الحقيقي والموهبة الحقيقية- عصر أخيل- وأقارنه بهذا العصر حين تتكفل الآلات الموسيقية بتغطية العورات الفنية أما الكلمات فأشبه ما تكون برسائل "الأس أم أس" التي يبعث بها المراهقون العاشقون إلى حبيباتهم! أوتأتيني النادلة كما في جنيف بالقهوة والجريدة وأختلس النظرات إلى رواد المقهى في فضول عجيب لسبر خبايا الأنفس وربما مغامرة تختلسها من جيب الزمن وتدخرها لحسابك إذا اختليت بنفسك مرة وعددت ألوان الشقاوة وأصناف المتعة التي أتاحها لك السفر أو ربما ساقتني جلسة حميمة إلى نسيان من حولي، والاستغراق في تفكير عميق في أهلي وأفكاري حول الناس هناك وصديقي السويسري جاك مرة قال لي وأنا أنزل عليه ضيفا في مزرعته البعيدة في أقصى الشمال السويسري:

- حين تسافر وتبتعد بالجسم عن أهلك تكون لك الفرصة لمعاينة مشاعرك وحبك بكل صدق!

وصدق هذا السويسري الفلاح فصلاح عبد الصبور يقول في إحدى قصائده: أباعدكم لأعرفكم

لن تجد هنا شوارع على شاكلة سان ميشيل أو سان جرمان ولا أحياء شعبية كما في فاس أو دمشق أوالقاهرة بل العمارات الباذخة والشوارع الرحبة والسيارات الفارهة ولكن الإمارات العربية تجمع حقا بين الحداثة في الأخذ بالتطور الحاصل في الغرب والأصالة العربية وهذا ظاهر من الهندسة العمرانية ومن محافظة الناس على أشكال من العادات العربية الأصيلة في خلقتها الأولى ببساطتها وخلوها من تعقيدات التمدن

حتى الصحراء العربية التي كنت أشرف عليها من الطائرة بدت بيضاء الأرض بيضاء قاحلة والانبساط المجدب يملأ المكان . هناك صحراء أخرى في المغرب العربي صحراء "الطوارق" مذهلة باعثة على الحلم والمغامرة والتردد عليها من غير ملل ، تلك الطبيعة التي تشعرك أنك لست على كوكب الأرض بل على المريخ في أشكال الصخور العجيبة وتلال الكثبان الذهبية وللأروبيّين كل الحق حين يهيمون بالصحراء فأنا شخصيا عشت فيها تجارب عدلت من نظرتي إلى الحياة . الصحراء عطاء وعظمة وحكمة وصفاء ، القلب فيك يكاد ينخلع فيعانق الأشياء والروح تسبح بحمد الجمال والرحابة والطهارة غير أن في الصحراء العربية من أخلاق العرب وطرائق معيشتهم وآدابهم ما يبعث على الاستحسان والتقدير ومذكرات الرحالة الأروبّيين خير شاهد على ذلك.

كانت رحلة قصيرة ولعل المرة الأولى التي ألوذ فيها بالفندق مرارا فالحرّ لا قبل لي به وكذلك الرطوبة ثم أني لا أملك هذه السيارات الفارهة المكيفة التي تتيح لي أن أتنقل بين الشوارع حتى الباصات لا وجود لها والميترو الباريسي الذي تسمع فيه موسيقى وصخبا وتشم فيه رائحة النبيذ والعطر الأنثوي الفاخر وتختلس فيه النظر إلى جريدة الفيجارو أو الباريسيان أشياء أروبية خالصة ، وبالرغم من أن هذه المرة كانت برفقتي آنسة فيها شيء من الملاحة والخفر وهمست في أذنها:

لا شيء أجمل من أن تصطحبك امرأة بل الحياة ذاتها من غير المرأة لا تستحق أن تعاش. ولكنني يا صديقتي لا أقوى كثيرا على المشي فالحرارة تذيب مخي والرطوبة تخنقني ، ما رأيك أن نعود في الليل نذرع هذه الشوارع ونتفرج على المحل الكبير " سوق الشيخ زايد" ستجدين أصنافا من الحلاقة والعطور وألوانا من التسلية وصخبا وحركة تنسينا حر النهار وعدنا في الليل.

وصديقتي مشغولة جدا بالتقاط الصور أمام العمارات الباذخة وقبالة المحلات الفخمة وفي الشوارع العريضة وهو شيء لا أميل إليه وقد أتعبتني بطلبها في التقاط صور لها.

وأشرفت الرحلة على النهاية . قال وكيل الهيئة المنظمة للرحلة الثقافية:

السيارة ستكون أمام الفندق الخامسة صباحا لتوصلك إلى المطار والرحلة السادسة صباحا إلى الدوحة وفي الطريق إلى المطار كنت أتفرج على المدينة المتثائبة تدغدغها نسمات الفجر الأولى القصور الرائعة المطلية بالأبيض ذات الطابع الهندسي العربي تزينها أشجار النخيل ومن بعيد يلوح مسجد الشيخ زايد تحفة هندسية عظيمة ، كان يستحق الزيارة ولكن الوقت لا يسمح وحتى مطار أبو ظبي تحفة هندسية أخرى: الراحة والعصرنة والتطور التقني الكبير وألوان من التسلية والتسوق والراحة في بزّة عربية تؤكد لك حقيقة أنك في بلد عربي خليجي.

وأنا جالس في مقهى المطار وما أكثر مقاهيه أتناول قهوة حضرت على الطريقة الأمريكية شربتها على مضض وأدخن سيجارة، وإذا حاربوا التدخين في كل الأمكنة سنضطر – نحن المدخنين- إلى الذهاب إلى القمر لتدخين سيجارة والعودة إلى الأرض!دخن سيجاة فالتدخين هنا مسموح وغذا حاربوه في كل مكان سنظطر على الذهاب على القمر لندخن سيجارة ونعود إلى الأرض! وأتفرج على الأمواج البشرية المندفعة إلى المطار في ساعات الصباح الأولى، كل سيأخذ وجهته مطارات تدفع ومدن تبلع وشدتني المضيفات الأنيقات الجميلات وهن من أروبا والشرق الأقصى وقلت في نفسي لا خوف علينا من السفر« ضع مركوبك مع السعيد تسعد» كما يقول المثل المصري.

أقلعت الطائرة في ميعاها وهذا وجه من وجوه التقدم فاحترام الوقت لبّ الحداثة والتطور والطائرة القطرية تجاهد لتتلمس طريقها في عالي الجو وترتعش ارتعاشة خفيفة حينا وعنيفة حينا آخر ولكنها تسيطر على الأجواء في النهاية فتسلس لها القياد .

أمسك السياب كرة أخرى بخناقي ووجدتني أهمس لنفسي:

«يا خليج
يا واهب المحار والردى. »
فيرجع الصّدى
كأنه النّشيج :
«يا خليج
يا واهب المحّار والرّدى.»
وينثر الخليج من هباته الكثار،
على الرمال رغوة الأجاج، والمحار
وما تبقى من عظام بائس غريق


إبراهيم مشارة

- ماجستير، قسم اللغة العربية والأدب العربي

من نفس المؤلف