إبداع في نقد الفِطرة فكرة جديدة

، بقلم فاروق مواسي

اعتاد الشعراء العرب أن يصفوا الممدوح: فهذا شجاع كالأسد، وذاك كريم كالبحر، وهو في مضائه كالسيف، وظل هذا مألوفًا لدى الشعراء والمتلقين، ولنسُق بعض النماذج من ذلك:
بشار بن بُرد:

يُغادي الوغى كالليث في حَومة الوغى
وفي الخَفضِ كالبازيِّ راح على اليد

أبو فراس:

كان ابن عمّي إن عرا حادث
كالليث أو كالصارم الصاقلِ

البحتري:

إلى متى تُتبع النُّعمى نظائرها
كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج

ابن الرومي:

هو البحر حدِّثِ الناس عنه ولا حرج

ابن الرومي:

فطلعتَ كالسيف الحسام مجرَّدًا
للحق أو مثل الهلال مجَددا

لكن هناك من خرج عن هذا المألوف، ورأى في مثل هذه الأوصاف إساءة للممدوح.
هنا سأذكر ذلك بسبب جدّة الطرح في نقد الفِطرة:

"حضر أعرابي مجلس الأصمعي.

فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال الأصمعي: أنا ذاك،

فقال: أتأذنون بالجلوس؟

فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.

قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟

قال الأصمعي: فيهم من هو أعلم مني، ومن هُو دوني.

قال: هل تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَه على شعر أصحابنا؟

فأنشده الأصمعي شعرًا لرجل امتدح به مَسْلمة بن عبد الملك:

أمَسلمَ أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ
وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها
وأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت
حوادثُ من حربٍ يعبّ عُبابها
وما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له
ولا غاية إلاّ إليك مَآَبُها
كأنك ديَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ
بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها
إليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها
أخا ثقة يرجَى لديه ثوابُهَا

قال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر.

ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهَل خَلَق النسج، خطَؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم (كريه) المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا.

ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه.

وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة".

(الحصري: زهر الآداب، ج1، ص 400)

نحو ذلك ما ورد في كتاب أبي هلال العسكري (ديوان المعاني) ج1، ص4:

"أخبرنا أبو أحمد قال: سمعت أبا بكر - يعني ابن دُرَيد - يحكى عن أبي حاتم قال:

قال الأصمعي سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى، إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟

من نقد الفطرة كذلك ما رواه الأصمعي:

حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ: والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسَبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، وبجانبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟

فقلت كلام الله.

قال: أعد!

فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: والله عزيز حكيم.

فقال: أصبت، هذا كلام الله.

فقلت: أتقرأ القرآن؟

قال: لا.

فقلت: فمن أين علمت؟

فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، فلو غفر ورحم لما قطع.

(العاملي، الكشكول، ج1، ص 233)

من الأعراب وردت لقطات جميلة دوّنتها كتب الأدب، وهي ذات موقف نقدي يعلله صاحبه، وقد يكون الموقف إشاحة أو عدم رضا، فمن ذلك ما ساقه لنا التوحيدي:

"وقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟

قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا."

(أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج2 ص 139.)

فما أبدع الفِطرة!