إكسال تحتفي بذاكرة الشتات!

، بقلم آمال عواد رضوان

بدعوةٍ من مجلس إكسال المَحلّي والنّادي الثقافيّ في إكسال في الجليل، حلّ الأديب سميح مسعود ضيفًا على إكسال الجليليّة، للاحتفاء بإشهار الجزء الثالث من كتابه "حيفا..بُرقة البحث عن الجذور، ذاكرة الشتات"، وذلك بتاريخ 4-5-2017، في قاعة المركز الجماهيري في اكسال، ووسط حضور من أدباء وأصدقاء ومهتمّين بالشأن الثقافيّ من إكسال والبلاد المجاورة، وقد تولّى عرافة الأمسية الأستاذ عمر دراوشة، بعد أن رحّب السيد عبد السلام دراوشة رئيس المجلس المحلي/ إكسال بالحضور، ثمّ تحدّث عن المنجز كلٌّ من: بروفيسور محمود يزبك، ود. جوني منصور، ود. سهيل أسعد، و حسناء دراوشة، وقد تخللت الكلمات غناء وعزف الفنان بشارة ديب على العود، وغناء الواعدة ريم شلبي، وقدّم الشاعر الكسلاوي محمد عبدالكريم دراوشة قصيدة شفويّة ومؤطّرة أهداها لد. سميح مسعود.
في نهاية اللقاء، شكر د. سميح مسعود الحضورَ وكلّ الذين سبقوه في الكلام، وأكّد على أهمّيّة إكسال في مجال بحثه عن الجذور الفلسطينيّة التي منها بدأ مسيرته، ومنها تعرّف على مدن وقرى كثيرة في الداخل الفلسطينيّ، وسبر فيها أيّام أسلاف رحلوا، والتقى برجال ونساء من نسلهم عبّروا عن اعتزازهم وفخرهم بجذورهم الضاربة في عُمق الأرض، والتقى بمجموعة منهم لأوّل مرّة في حياته برفقة صديقه المؤرخ د. جوني منصور في حيفا، والناصرة وعارة وعرعرة وشفاعمرو وعبلين ويانوح والجديدة ودير حنا وكفر ياسيف وأبو اسنان، ثمّ تشعبت دوائر بحثه في ذاكرة المكان، واتّسع بحثه في منافي الشتات في الجزء الثالث من ثلاثيّته، وتحدّث عن تعرّفه على مجموعة من الحيفاويّين في بيروت والرباط وهيوستن وديترويت وكالغري، زارهم في أماكن عيشهم في الشتات، ووجدهم يرتبطون بجذورهم الفلسطينيّة، ويحفظون في ذاكرتهم صورًا جليّة عن مُكوّنات مدينتهم حيفا، بكلّ ما فيها من خصوصيّة متميّزة، وفي نهاية المطاف شكر إكسال وأهلها على حفاوة الاستقبال، وتمنّى للأهل في الداخل مواصلة رفع راية البقاء والثبات والتشبّث بالتراب في أرضنا المحتلة.
مداخلة عريف الحفل الأستاذ عمر دراوشة: الحفل الكريم أسعد الله أوقاتكم جميعًا، اسمحوا لي أن أرحّب بكم باسمي وباسم أهل إكسال وباسم جميع أعضاء النّادي الثقافيّ في إكسال، بكلّ مَن حضر حفلنا هذا وجاء من كلّ حدب وصوْب ليُشاركَنا حفلنا هذا، قائلًا لكم أهلًا وسهلًا بكم جميعًا مع حفظ الألقاب، لقد حللتم أهلًا ووطئتم سهلاً . نحن اليوم بصدد الحديث عن الكاتب سميح مسعود من مواليد مدينة حيفا، وتعود جذوره إلى قرية برقة من قضاء نابلس، قضى سنين طفولته متنقّلًا بين حيفا وبُرقة، حتى عام النكبة 1948 الذي تمّ فيه التّرحيل القصريّ والتّهجير الجماعيّ، إلى شتات عامّ ودائم. عاش سميح مسعود في الغربة، واستطاع في هذا الشتات، أن يجعل من نفسه شخصاً مميزاً، تعلم من رحلة الشتات أن الحياة ليست بحثاً عن الذات، لكنها رحلة لصنع الذات، لذلك فقد جعل أبو فادي من نفسه شخصاً يصعب تقليده،فهذا التراث الأدبي الذي خلده في ثلاثيته،قدم فيه للإنسانية خدمة هامة في مجال حفظ الذاكرة وحفظ التاريخ والعودة للجذور.

إنّ حنين كاتبنا إلى مسقط رأسه إلى مدينة حيفا، تجلّى جليًّا في عدّة مواقع من ثلاثيّته، ولم أجد سببًا لتسمية ثلاثيّته باسمها "حيفا.. بُرقة" سوى محبّته لمسقط رأسه وكرملها ووادي نسناسها وشوارعها، وحدائقها وأشجارها بعنبها وتينها ورمّانها، ومحبّته لمدرسة البرج التي تعلّم فيها أيّام طفولته، وقد طبّق أبو فادي فعليًّا وعاطفيًّا صحّة قول أبو تمام حين قال:

نقّلْ فؤادَك حيث شئتَ مِن الهوى/ ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّلِ/ كم منزل في الأرض ألفه الفتى/ وحنينه أبدًا لأوّلِ منزل إنّ مَحبّة أبو فادي لمسقط رأسه حيفا جعلته لا يرى في الدنيا سواها، وقد استحضرني في هذه المناسبة ما قاله الشاعر الفلسطيني المرحوم راشد حسين ابن قرية مصمص بهذا الخصوص: أبو فادي أنت مجنون ولن تشفى/ أمامك جنة الدنيا/ ولا ترى سوى حيفا؟ وفقك الله أديبنا الغالي وأمدّ الله في عمرك، وزادك صحّة وقوّة ذاكرة، لتقدّم لنا المزيد من نتاجاتك الجديدة. رئيس المجلس عبد السلام دراوشة، ومداخلات من السيدة حسنة دراوشة ابنة عمّة الكاتب، والبروفسور محمود يزبك، والدكتور سهيل أسعد، والدكتور جوني منصور، وكلمة الأديب سميح مسعود مؤلّف الكتاب الذي بيّن فيه، أنه بدأ رحلة البحث عن الجذور في إكسال التي تعرف فيها على خلف عمّته نجية حمدان بعد 61 سنة من الشتات، ومن إكسال تعرّف على جذور حيفاوية وبرقاوية في أماكن أخرى في منطقتي المثلث والجليل، وفي لبنان والمغرب وكندا والولايات المتحدة، سجّلها في ثلاثيّة من ثلاثة مجلدات، لتبقى محفوظة في مجرى الأيّام، حتى لا تُنسى وتذكرها الأجيال القادمة، وتُحيي فيهم وعيًا دائمًا للحفاظ على هُويّتهم الوطنيّة.

كلمة البروفسور محمود يزبك: الحضور الكرام، يُسعدني اللّقاء بكم هذا المساء في إكسال بلد المحبّة والتآخي، ويطيب لي في مستهلّ حديثي تقديم الشكر لمجلسها المحلي، لإتاحة الفرصة لنا لإشهار كتاب مُهمّ، بدأت سطوره الأولى في إكسال، ففيها بدأ سميح مسعود بحثه عن الجذور، وفيها نشهر اليوم ثلاثيّته "حيفا.. بُرقة البحث عن الجذور".

والكتاب الذي نحن بصدده على جانب كبير من الأهمّيّة، لأنّ البحث عن الجذور يحتلّ موقعًا متميّزًا في حفظ الذاكرة، فإضافة إلى أهمّيّة موضوع الكتاب، فالجزء الثالث منه نُشهرُه في يوم يُصادف ذكرى النكبة، التي يعيش بسببها أغلبيّة الشعب الفلسطسينيّ في ديار الغربة والشتات، وهو كتاب يوثق ذاكرة المكان في حيفا وبُرقة وعشرات القرى في المثلث والجليل، وذاكرة المكان في عدّة دول أجنبيّة تتقاطع فيها مسارات عائلات حيفاويّة وبرقاوية كثيرة، تنتمي إلى جذور غائرة في عمق الأرض الفلسطينيّة.

لقد وُفّقَ سميح مسعود في التشبّث بكلّ ما هو فلسطينيّ بين دفّتي كتابه، وبحفظ الأسماء وذاكرة المكان والزمان، بدلالاتٍ ومضامينَ ثريّة، لها مفعولها الكبير في حفظ الذاكرة الجمعيّة الفلسطينيّة للأجيال القادمة. كتابُه ممتع، وأسلوبه يُذكّرنا بأدب الرّحلات، لكنه أكثر دقّة ومحاكاة للواقع، ومثلما أصبح أدب الرّحلات من أهمّ مصادر التاريخ، كذلك ستكون ثلاثيّة سميح مسعود. نتمنّى للصّديق سميح مسعود دوام العطاء، والاستمرار في بحثه عن الجذور، وإصدار أجزاء أخرى قادمة.

مداخلة د. جوني منصور: حضور الوطن في كتاب سميح مسعود "حيفا... برقة" الجزء الثالث: يُطلّ علينا الكاتب د. سميح مسعود مجدّدًا في الجزء الثالث من كتابه "حيفا.. برقة"، وتحت عنوان فرعي "ذاكرة الشتات"، لينقلنا وسط ترحاله وتجواله ولقاءاته إلى أحداث وسِيَر أشخاص ذي صلة مع حيفا من قريب أو من بعيد، ورحلة الذاكرة في هذا الكتاب ليست محصورةً في حيفا مدينة الكاتب التي وُلد وعاش فيها عقدًا من عمره، إلى أن حلّت النكبة ومزّقت نسيج علاقته المباشرة مع هذه المدينة، إنّما منتشرة في أصقاع المعمورة حيث وصل إليها الفلسطينيون بأعدادٍ متفاوتة، بحثًا عن مأوى ومصدر عيش كريم.

ليست مسألة الحفر في الذاكرة ترفًا ونزوة، بقدر ما هي درب آلام، يسير فيه الكاتب ومَن يرافقه بحثًا عن هذا الشخ، وعن حادثة جرت معه ومع قريبين له. خطة العمل ومسيرة هذا الجزء من "ثلاثية: حيفا.. برقة"، تؤكّد ارتباط أبناء حيفا بمدينتهم المنتشرين في بيروت واليرموك وعمان ومونتريال وشيكاغو والرباط في المغرب وغيرها من البلاد في العالم، والتي أصرّ الكاتب على الالتقاء بهم ليتحدّث معهم بتبادليّة الأفكار عن حيفا، وهذا ما يؤكّد بقاء المدينة في الذاكرة والوجدان الفلسطينيّ.

هذه التجربة المميّزة التي خاضها سميح مسعود تُبيّن لنا أهمّيّة التواصل الفلسطينيّ، مهما طال الزمان ومهما بعد المكان. فمرور الوقت لا يعني بالضرورة نسيان الانتماء إلى المكان الذي لنا به صلة قوية وعاطفيّة، ومهما فعل المشروع الصهيونيّ من محاولات ونشاطات، لتعميق نسيان الفلسطيني لماضيه وأرضه ووطنه، فإنّ هذا الكتاب يندرج تحت مسمّى "تثبيت الذاكرة وتحدّي هذا المشروع".

يأخذنا سميح مسعود في رحلة مثيرة عبر تنقّلاته في البلاد العربيّة وبالأخصّ في عواصمها، من خلال مقابلاته لحيفاويّين أو لأبناء وأحفاد حيفاويّين. ففي بيروت يلتقي مع الصحافيّة والإعلاميّة نورا البستاني حفيدة الوطنيّ البارع والأديب الأريب وديع البستاني، صاحب المواقف الوطنيّة والقوميّة الحاسمة والحازمة. ويلتقي مع العالم الكبير أنطوان زحلان ذي الباع المعروف بعطائه لمجتمعه وشعبه، ويستمع منه إلى ذكرياته عن حيفا بما تبقى منها رسوخًا في ذاكرته. وكان لقاؤُهُ المتميّز مع عبداللطيف كنفاني ابن حيّ البرج بحيفا، ومؤلّف كتاب "15 شارع البرج حيفا" الذي يعتبر من أهمّ السِّيَر الذاتيّة عن هذه المدينة، والذي يوفر لنا صورًا نراها ونلمسُها بأيدينا وعيوننا عن الزمن الجميل الذي عاشته حيفا، ولم يفقده أبناؤُها بالرّغم من فقدانهم لمدينتهم. ثمّ سلسلة لقاءاته في المغرب مع سعيد الحسن ابن طيب الذكر خالد الحسن المولود خارج الوطن، لكن الوطن مولود في قلبه وباق فيه، والحديث عن عائلة الحسن فيه الكثير من العِبر والمفاهيم والمعايير التي تُعزّز الانتماء ليس للمدينة بحد ذاتها، وإنّما من خلال المدينة للوطن الأكبر والأوسع، حيث إنّ مساهمة عائلة الحسن في خدمة المدينة وتطوّرها وأبنائها يشهد له التاريخ بتفاصيل كثيرة، وأبناء هذه العائلة الكريمة هم لبنة رئيسة في بناء ونموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة عبر الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا.
أمّا لقاء مسعود مع منى معروف سعد فلا يقلّ أهمّيّة عن سائر اللقاءات والمقابلات، فهي ابنة المناضل المكافح الوطنيّ الشّهم الذي عاش في حيفا وعمل فيها، ثمّ تابع في لبنان بعد النكبة، مُعزّزًا الحضور القوميّ لهذا المناضل الذي دفع حياته في سبيل دفاعه عن فلسطين يوم استشهاده في 1978 في صيدا.

في حين أنّ اللقاء مع محمد عاطف نورالله في بيروت هو حلقة أخرى في مسيرة البحث عن الذاكرة المتبقّية عند ابن مؤسّس الحركة الكشفيّة الفلسطينيّة، فعاطف نورالله اهتمّ منذ فترة مبكّرة بوضع أسس النشاط الكشفيّ وتنظيمه، ليكون موازيًا ومتشابهًا مع التنظيم الكشفيّ الدوليّ الذي وضع أسسه بادن باول، وأن يكون هذا التنظيم لخدمة شباب فلسطين في حيفا ويافا وعكا والناصرة وسواها من مدائن فلسطين. وتمتلك العائلة مذكّرات عاطف نورالله المثيرة على ما أكدّه لي سميح مسعود، ولا بُدّ أن يأتي اليوم الذي تتمّ فيه خطوة إصدار هذه المذكرات، لتكشف المزيد من المعرفة عن أحوال حيفا في فترة الانتداب، وتسلّط الضوء على مُركّبات ومُكوّنات حياة المدينة في الفترة ذاتها.

وأثناء تواجده في كندا وتحديدًا في مونتريال، أصرّ الكاتب على لقاء المؤرّخة الحيفاويّة مي إبراهيم صيقلي، والتي تُدرّس في جامعة وين في آن أربر بالقرب من شيكاغو، ليستمع منها عن حضور حيفا المدينة في حياتها، لكن لم تنجح مساعيه ولم ييأس، ولِمَ اليأس ونحن في غمرة عصر التكنولوجيا؟ فالتقى معها عبر السكايب، مستمِعًا بتفاصيل دقيقة عن دور ومكانة حيفا في فترة الانتداب، وما أوردته مي صيقلي هو جزء ومُكوّن أساسيّ من أطروحتها لنيل الدكتوراة في جامعة أوكسفورد، والتي صدرت في كتاب يحمل عنوان "حيفا العربية" الصادر عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة ببيروت.

وكانت لقاءات بين الكاتب وأفراد من عائلة سعيد بدوان، وعلى وجه الخصوص مع الكاتب والمؤرخ علي بدوان في مخيم اليرموك، ولأنّ المخيّم يمرّ بظروف قاسية ومؤلمة، جرت اللقاءات عبر الهاتف، وزوجة سعيد بدوان هي لطفية عابدي شقيقة الفنان الحيفاويّ عبد عابدي وخالة الدكتور الكاتب ماجد خمرة. وهنا اللقاء مليء بالمشاعر والعواطف، لأنّه جمع بين أفراد العائلة الباقين في حيفا، والّذين تعرّف إليهم الكاتب من عدّة سنوات، وتوثّقت علاقته بهم وبين أفراد من العائلة ذاتها اللاجئين في سوريا، ولكن ما يجمع بين كلّ هذه التمزّقات مدينة واحدة اسمها "حيفا".

لقد كشف سميح مسعود من خلال لقاءاته ورحلاته ومقابلاته، أنّ اللجوء القاسي والمؤلم والقاتل في أحيان ما، ما هو إلاّ مُعزّز قدرة الفلسطينيّ على التّمسّك بذاكرته التي لا يمكن للغزاة سلبها منه. ووُفّقَ المؤلف بجمع قصص من اللجوء والشتات في مؤلفه هذا، مُعبّرًا من خلال فصوله على مواصلة الفلسطينيّ سعيه، للحفاظ على الترابُط والتواصُل بينه وبين أهله في الوطن، وبينه وبين وطنه. أشكر شخصيًّا أخي وابن بلدي د. سميح مسعود على هذا الكتاب الذي يؤكّد عزمنا على مواصلة مشوارنا نحو تعزيز وتعميق الذاكرة، حفاظًا على بقاء الوطن فينا وبقائنا في الوطن.

مداخلة حسناء دراوشة: لقد أورقتْ شجرةُ سميح مسعود، وأصبحتْ خضراء يانعة الأغصان وارفةَ الظلال، وعادت إليها العصافيرُ من شتى الأنحاء، لتبنيَ أعشاشها فيها وتنامُ في أفيائها، وذلك بعد أن بحث كاتبنا عن جذورها العميقةِ الضّاربةِ في عمقِ أرضِ هذا الوطن، وبعد أن سقاها محبّةً ومدادًا من قلمِه الذي لا يكلّ ولا يملّ، فأثمرت كتابًا جديدًا لملَمَ فيه ما استطاعَ من الأحبّةِ في الشّتات، ليبقوا في الذاكرةِ التي تأبى النّسيان.

ولمن لا يعرف سبب وجودي على هذه المنصّة في هذا الحفل الكريم، فالسّبب هو أنْ كان لي شرفُ إهداءِ الأديب الجزء الأوّل من هذه الثلاثيّة، وكم أنا شاكرة له على هذه الهديّةِ التي لا تقدّر بثمن، أمّا الآن فسأروي لكم قصّتي معه. الخال سميح مسعود حيفاوي المولد برقاوي الأصل، مغترب كالكثيرين من أبناء فلسطين، حيثُ أوصلُ الشتات إلى أقصى أطراف المعمورة في كندا، قرأتُ له مقالًا بعنوان "البحث عن الجذور" سنة 2009، في المنارَه التي أضاءت عتمة الدرب للعرب في هذه البلاد، ألا وهي جريدة الاتحاد، وكانت مرفقةً بالمقال صورة صغيرة لقرية بُرقَه الفلسطينيّة، وهي من ضواحي نابلس.

أثارني المقال الذي كتبَ فيه عن حيفا وعن بُرقة القرية التي أحببتها منذُ صِغري، لأنّ لي فيها جذور كثيرة، فجدّتي لأمّي "نجيّة الحمدان" كانت برقاويّة الأصل، وجدّتي لأبي "آمنه" من قرية بيت أمرين جارة برقة كان أخوالها برقاويّين. لقد كتب في المقال عن أسماء شخصيّات كنت أسمع عنها من جدتي "نجيّه" رحمها الله، التي تزوّجت في صباها من جدّي راغب شلبي، إذ كانت دائمة الحديث عن أهلها وعن أخوالها، وكانت معتزّةٌ بخالٍ لها اسمهُ فارس، وكان جزءٌ من المقال يتحدّثُ عنه، ولا زلت أذكر كلماتها عنهُ باللّهجة البرقاويّة" (انا خالي فارس المسعود بقى يحلّ عن المشنقه)، وهو من أعمام الكاتب.

عرفت وقتها أنّ مسعود قريب جدّتي، فبعثت له برسالة عبر البريد الإلكترونيّ أنا وأختي منى، وأخبرته من أنا، وشرحت له عن جدّتي، فتأكّد هو أيضًا من صِلة القربى له معها، فأصبحنا نتبادل الرسائل بشكل دائم، وبعد عدّةِ أشهر أخبرني أنّه سيأتي إلى عمّان، ولزيارة البلاد بفضل جنسيّتهِ الكنديّة، وأنّه قادمٌ لزيارتي. والتقينا لأوّل مرّةٍ في بيتي، ودعوت الكثير من أفراد العائلة ليتعرّفوا إليه، وكان اللقاء حميمًا، ومن هنا بدأت القصّة التي آمل ان لا تنتهي، فأصبحت لهُ كالابنه التي لم يُرزق بها، وأصبح كوالدي الذي فقدته.

ولم يعد طائر السنونو هذه المرّة وحيدًا، بل عاد ومعه سميح إلى حيفا مسقط رأسه. عاد كهلًا بعد أن تركها طفلًا في العاشرةِ من عمره، فبدأ يُفتّشُ في أحيائِها عن بيتهِ وعن أحبّةٍ ورفاقٍ وذكريات الطفولةِ الجميلة، فوجد البيتَ أطلالًا قد تهدّمَ جزءٌ منه، أمّا الذكريات فظلّت محفورة في قلبه، ولم يستطع المُحتلُّ مَحْوَها، وبدأ برحلةٍ جديدةٍ في البحث عن جذوره، فتحوّل المقالُ الى كتاب جمعَ فيه ذكرياته في زمن الطفوله والشباب، بين حيفا وبرقه وما بعدهما، فكان الكتابُ الأوّل سيرة لحياته المليئة بالأسفار والأحداث طولًا وعرضًا، والكتاب تحوّل إلى ثلاثيّة، نحتفلُ اليوم بثالثها، أتمنّى للخال المزيد من العطاء مِن نَبعهِ الفوّار كينابيعِ بُرقة، لأنّ ما ينفعُ الناسَ يمكُثُ في الأرض، وأختم حديثي بأبياتٍ من الشعر للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهريّ، حين جاء زائرًا ليافا عندما كانت عروس البحر، أهديها لضيفنا الأديب ولكلّ فلسطيني هُجّر من وطنه، واستبدله بوطنٍ آخر مجبرًا: أحقًا بيننا اختَلَفت حدودٌ/ وما اختلفَ الطريقُ ولا الترابُ/ ولا افترقَت وجوهٌ عن وجوهٍ/ ولا الضادُ الفصيحُ ولا الكتابُ/ فَمِن أهلي إلى أهلي رجوعٌ/ وعن وطني الى وطني إيابُ.

مداخلة د. سهيل أسعد: عزيزي سميح، يسرّني ويُشرّفني أن أكونَ اليوم هنا في إكسال معكم، كي أشاركَ في احتفاليّة إشهار الجزء الثالث من كتاب "حيفا برقة.. البحث عن الجذور" لسميح مسعود، وقد شاركت في احتفاليّات سابقة لإشهار الجزء الأوّل والثاني، في النّاصرة حيث وُلدت، وفي حيفا حيفا حيث ترعرعتُ منذ نعومة أظافري، وفي بُرقة مسقط رأس والدي، أمّا إكسال فلها موقعٌ خاصّ، فمنها انطلقتْ حملة البحث عن الجذور لد. سميح مسعود.

بودّي مُصارحتكم، أنّه في الأيّام الأخيرة راودتني تساؤلات عن دوْري ومشاركتي في هذه الأمسية، فالسّادة محمود يزبك وجوني منصور هم أكادميّون وباحثون ولهم باع في هذا المجال، ولم يدُمْ تفكيري لمدّة طويلة، حتّى وصلت إلى قناعةٍ أنّ القاسم المشترك بيني وبين سميح كبيرٌ جدّا، فجذورُنا تجمعُنا، وكتابات سميح قرّبت ما بيننا، وكما كتب سميح في الجزء الثاني من كتابه، فإنّ التّغريبة الفلسطينيّة تُساهم في ضياع الجذور، فالحياة فيها تسير على عَجَل، والكثيرون من أبناء ما بعد النكبة، وأخصُّ بالذّكر هنا سكّان المدن المختلطة في الداخل، لا يعرفون ما خبّأه الماضي من جذورهم.

والخطر هنا لا يقف عند حدود ضياع الذاكرة الفرديّة فحسب، بل يتعدّاها الى ضياع الذاكرة الجماعيّة، وهذا ما يُراهن عليه قادةُ الحركة الصهيونيّة و(إسرائيل)، اي ضياع الأجيال الفلسطينيّة المُتلاحقة، وتحويلهم الى كمّ من المُشرّدين لا يعرفون ماضيهم وأهلهم وناسهم! هذا الرهان سقط، فالأجيال المتلاحقة تبحث وتتمسّك بالجذور، وهذا ما رأيناه في الكابري في مسيرة العودة قبل يوميْن بأروع تلاحُمٍ ووحدةِ صفّ.

أيّها الإخوان، لقد نجح سميح من خلال كتابه بأجزائه الثلاثة، في دعم وتقوية الشعور بالانتماء لحيفا وبرقة معًا، وبالتالي تقوية الانتماء الوطنيّ، ووضع التشرذم الطائفيّ والعائليّ جانبًا بل في سلة المُهملات، وبعد سماعي اسم سميح مسعود لأوّل مرّة، جالت في خاطري ذكريات من جلسات عائليّة في طفولتي في حيفا، حيث كان الكبار والدي وأعمامي يتبادلون أطراف الحديث بأمور مختلفة، جزءٌ مُهمّ من ذكرياتهم من برقة، وأسماء مختلفة من أشخاص وعائلات مثل عائلة مسعود، سيف، دغلس وغيرهم، وعرفت منذ صغري أنّ شخصًا باسم فارس المسعود كان من أهمّ شخصيّات البلد، وقد تبرّع بقطعة أرض لبناء مركز للمسيحيّين يضمّ مكانًا للصّلاة، وعيادة طبّيّة لتخدم جميع أبناء البلد وأيضًا مدرسة.

إخواني، لا أتخيّل نفسي أعيش في مكان آخر غير حيفا، لكنّ الشعورَ الخاصّ الذي يربطني ببُرقة، جعلني أكون فخورًا في مراحل مختلفة بهذا الانتماء، فمثلًا أثناء الانتفاضة الأولى، حيث كانت بُرقة مركزًا مُهمًّا لمقاومة الاحتلال ولا تزال، فكلّ أهلها مسلمون ومسيحيّون، ساهموا ويُساهمون في النضال ضدّ الاحتلال، وعدد الشهداء البرقاويّين كبيرٌ جدّا بالنسبة لعدد السكّان.

تعيدُني الذاكرة الى أحد أّيّام الانتفاضة الأولى، حيث كان علينا (مجموعةٌ من حيفا والناصرة) السفرَ إلى برقة، للمشاركة في جنازة سليمان ناصر معلّم (أبو ناصر)، وكان الخطر من تلقّي الحجارة على كلّ سيّارة تحمل رقمًا أصفر كبيرًا، فاتّصل بنا أبناء المتوفّى، وأعلمونا أنّه بإمكاننا السفر داخل الضفّة الغربيّة، لكن بالشروط الآتية: أوّلًا السفر بشكل قافلة كمجموعة، ثانيًا ببطءٍ، ثالثًا مع تشغيل الغمّازات الأربعة بكلّ السيّارات، رابعًا أن يحدث ذلك في ساعة معيّنة وفي طريق متّفق عليها.

هذا ما حصل، فشباب الانتفاضة رتّبوا ونظموا كلّ الأمور، ووصلنا بسلام وقوبلنا على الطريق بحفاوة بالغة، وشاركنا في الجنازة وعدنا الى بيوتنا سالمين. لقد ازداد فخري بهذا الانتماء بعد قراءة كتاب سميح مسعود الذي يسرد فيه قصصًا وحكايات جميلة، ويُعدّد أسماء الكثيرين من أبناء برقة وحيفا الذين وصلوا إلى مراكز مهمّة في النضال في المجالات المختلفة. إنّ الرسالة المركزيّة التي وصلتني من خلال هذه الثلاثيّة، أنّ الانتماء الوطنيّ الفلسطينيّ هو الأهمّ، وأنّ الوحدة الوطنيّة هي الوسيلة للوصول إلى هدف الشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته المستقلة. شكرًا لكم وشكرًا لسميح مسعود.


آمال عواد رضوان

شاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف