مع الأفْوَه الأَودي

، بقلم فاروق مواسي

الأَفْوَه لقب للشاعر الجاهلي صَلاءة بن عمرِو بنِ ....أَوْد، لُقب (الأَفْوَه) لاتساع فمه.

وكان يُقال لأبيه: عمرُو بن مالك "فارس الشوهاء"، وفي ذلك يقول الأفوه:

أَبِي فَارِسُ الشَّوْهَاءِ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ
غَدَاةَ الْوَغَى إِذْ مَالَ بِالْجَدِّ عَاثِرُ

(الشوهاء- الفرس الطويلة الرائعة المشرفة)

كان الأفوه سيد قومه وقائدهم في حروبهم، وكانوا يصدرون عن رأيه، والعرب تعدّه من حكمائها (ت. 50 قبل الهجرة).

الأصفهاني- الأغاني - (ج 12 ، ص 198)

من القصائد الحكِْمية التي تدل على عمق تجربة الشاعر ونفاذه في الأمر قصيدته الدالية التي تتحدث عن المجتمع والقيادة، فحاولْ أن تقرأ وتتفهم أوضاعنا السياسية والاجتماعية من خلال كلمات هذا الشاعر الحكيم:

تَبْقَى الأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلَحَتْ
فإن تولّت فبالأشرار تنقادُ

فهل تُقاد أمورنا اليوم بأهل الرأي أم بالأشرار؟

أترك لكم الجواب!

مطلع قصيدة الأفوه كما وردت في كتاب أبي علي القالي-(الأمالي، ج2، ص 221):

فينا معاشرُ لم يبنوا لقومهمِ
وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا

واقرأ معي هذا التشبيه التركيبي والتمثيلي،

وَالْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إِلاَّ لَهُ عُمُدٌ
ولا عمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ

فكما أن البيت يستلزم الأعمدة، والعمود يستلزم أن يبنى له أساس يُقام عليه، فهكذا المجتمع -وهو هنا مدار اهتمامه- يجب أن يكون فيه رجال صالحون أعمدة القوم، ويكونون مؤسَّسين على القيم ليقودوه إلى بر الأمان.

إنه يدعو إلى تولّي السَّراة- أي الأشراف الفضلاء أمور الناس لا جهلائهم، وإلا فستكون الأمور فوضى ووبالاً، فمن الأهم ألا يتولى الجهال قيادة الناس والإشراف على مقدَّراتهم:

لاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لاَ سَراةَ لَهُمْ
ولا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

فلا بد إذن من رأي يسوقه لما فيه منفعة المجتمع:

إِذَا تَوَلَّى سَرَاةُ الْقَوْمِ أَمْرَهُمُ
نَمَا عَلَى ذَاكَ أَمْرُ القَوْمِ فَازْدَادُوا

من القصص التي دارت حول هذا النص ما ورد في كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه (ج5، ص 307- 308)، وهي حكاية رواها حمّاد الراوية:

"قال حمّاد الراوية: أرسل إليّ أبو مُسلم ليلاً فراعني ذلك، فلبستُ أكفاني ومضيتُ.

فلما دخلتُ عليه تركني حتى سَكن جأشي، ثم قال لي: ما شِعر فيه "أوتادُ"؟

قلت: من قائله أصلح اللّه الأمير؟

قال: لا أدري.

قلت: فمِن شعراء الجاهلية أم من شعراء الإسلام؟

قال: لا أدري.

قال: فأطرقتُ حينًا أفكر فيه، حتى بدر إلى وَهمي شعر الأفوه الأوديّ حيث يقول:

لا يَصلح الناسُ فوضىَ لا سراةَ لهم
ولا سَراةَ إذا جُهّالهم سادُوا
والبيت لا يُبتنَى إلا له عَمَد ...
ولا عِمادَ إذا لم تُرْس أوتاد
فإنّ تَجمَّع أوتاد وأعمدة
يومًا فقد بلغوا الأمر الذي كادوا

فقلت: هو قَوْل الأَفوه الأودي أصلح الله الأمير، وأنشدته الأبيات.

فقال: صدقتَ، انصرفْ إذا شئت.

فقمت، فلما خطوتُ البابَ لحَقني أعوان له معهم بَدْرة، فصَحِبوني إلى الباب. "

من القصائد المميزة الأخرى للشاعر اخترت لكم ما ورد في كتاب الماوردي – أدب الدنيا والدين، ج1، ص 223 إذ قال:

"وأنشد عبد الله بن الزبير ثلاثة أبيات جامعة لكل ما قالته العرب، وهي للأفوه*:

بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِ
وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ ضَرًّا
وَأَضْنَى مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الأَشْيَاءِ طُرًّا
فَمَا شَيْءٌ أَمَرَّ مِنَ السُّؤَالِ"

*- يشرح محقق كتاب الماوردي محمد فتحي أبو بكر لقب "الأفوه" أنه كان غليظ الشفتين ظاهر الأسنان.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف