دالية الحنين عنقود الوفاء كأس العودة

، بقلم إبراهيم مشارة

وتنفس المكان أريج الذكريات، أخذ الشوق بخاصرة العزيمة ثم طوقها بذراعي البدار وطوعها لتلبية رغبة الفؤاد، هززنا إلينا بجذوع اللهفة فاساقط علينا الترحيب رطبا جنيا من لدن تلك البلدة المباركة "برباشة" الرابضة على قلل الجبال كالنسر الأشم في بجاية كنا نسير إليها لا على طريق مرصوفة ولكن على وهج الذكرى وألق الحكاية ،غزل لنا القمر من شعاعه أرجوحة ذهبية ودلانا بين جبال برباشة ووهادها : يا قمر ياعالي وصلني لأحبابي..........

وناغانا البحر من بعيد:أهلا يا أحبائي عهدي بكم شبابا يافعين إذا بكم كبارا مترعين بتصاريف الأيام وأعباء القدر وخط الشيب رأس كل واحد فيكم ولكن الحنين لا يزال شابا جلدا يافعا فتيا كأنه خرج للتو من رحم الزمن حبله السري موصول بمشيمة السرمدية لم تقطعها سكين ولا قادوم فالحنين لا يهرم ولا يشيب، يسكننا يشربنا كقهوة الصباح يسكن خلايانا ويعوم في هيولاها تحسس قلبك لست إلا جذوة من نار الشوق وسعير الحنين يود أن يطفأ لظاه في برد شراب مكانه حيث ولدت ربما:

نقل فؤادك حيث شئت من الــــهوى
مالحــــب إلا للحــــــــــــبيب الأول
كم من منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبــــــــدا لأول منـــــــــــزل

حيث عشت أجمل أيامك اندغم قلبك في تراتيل الهوى في غبش الفجر أو غسق الليل وأسكرته
خمرة دالية الوصال:

مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحــــــاكي

سبحانه يولج اليوم في الأمس ويولج الأمس في اليوم وفي بحر الزمن تبقى الذكرى موج يعقبه موج يكاد يغرق قارب الحياة الحاضرة وتصاريفها. أنت لست سوى صدى السنين الخالية .إنها حوت يلتقمنا ويطرحنا على فيافي الدنيا نتدثر بيقطين الشغف واللهفة على أمسنا.

منذ خمسين عاما وقف والدي هذه الوقفة معلما في هذا القسم يلقن الصبيان والصبايا بهاء الأبجدية، نور العربية، حنين العربية واليوم لاشيء تغير إلا من كان يعمر القسم ،جيل جديد وحاضر فتي وآمال عراض موعودة يدخرها الزمن في خابيته لهذه البراءة المستمعة لكلام والدي في اهتمام وشغف.

كان يمشي في دروب البلدة يناجي حيطانها ويتلمس بوتين قلبه شجرها وحجرها يتأمل في وجوه الناس لعله يرى وجها يعرفه بسمة يذكرها يسأل الشباب عن عائلات بعينها عرفنا أن بعض معارفه انتقل إلى الضفة الأخرى من بحر الوجود لكن الله يريد أن يتم نعمته علينا فلا يذرنا حتى يأتينا بأحد معارفه إنه قابض البريد عام1968 وجه قبائلي أصيل أنف مشمخر وعزة ركزت رايتها في قمة الجبل كأجداده نال منه الزمن –وذلك حق الله علينا- لكن القلب أريحي والبسمة شابة والروح زهرية اللون خمرية الطعم وفي رحاب بيته العامر استضافنا حيث نفحتنا رائحة الورد وورد أيار له أريج خاص لون خاص إنه كالجنين المولود حين يخرج إلى الدنيا يملأ قلوب والديه حبا وبهجة وانتشاء:

تشتاق أيار نفوس الورى
وإنما الشوق إلى ورده

واحتسينا القهوة على إيقاع وتر الحديث ونغمة الماضي تباركنا الخضرة المحيطة بنا والكرم القبائلي العتيق والروح الإنسانية المعطاء.

على أعتاب السبعين لم ينس والدي أولئك الطيبين يذكرهم بأسمائهم ويعطي للمكان حقه من التبجيل والاحتفاء كما أعطى للعمل حقه من الإخلاص والجد وللعلم نصيبه من الفهم والحذق وللاستقامة قالبها من التعيير: درست في هذا القسم، كنا نشرب من هذه البئر، سكنا هنا، في ليلة شاتية داجية مثلجة كدنا نهلك حين عدت من البرج ونسيت مفتاح الباب الخارجي لا إنس ولا جان من حول المكان لولا رحمة الله حركت الباب مرات بقوة قطعت السلسلة حافتا الباب عملت كمنشار وانفتح الباب: إفتح يا سمسم أبوابك واستقبل أحبابك سبحانك تعطي النملة جناحين فتطير فلا يأخذها السيل في الوقت المقدر:

وإذا أراد الله إنقاذ نمـــــــــلة
سمت بجناحيها إلى الجو تطير

كذلك البقرة يعترضها الحمل في بطنها حين الولادة وتكاد تهلك تتوجه بغريزتها الإيمانية التي لا نفقهها إلى السماء بنظرة مستعطفة وبسر الكاف والنون تضع عجلها بسلاسة وانسيابية . فتشوا في جيوب أيامكم الماضية واستخرجوا مناديل الرحمة الإلهية التي مسحت على أرواحكم الحائرة وقلوبكم الوجلة وعقولكم المستسلمة.

قد تسير في أجمل الشوارع، وتدخل أرقى الفنادق، وتتأمل في انبهار أعظم المباني وترى أصنافا من الخلق في أفخم الثياب وأبهر الزينة ولكن تلك الأبهة وغطرسة المكان وخيلاء الحضارة لا تعرج بك إلى سماوات الأريحية والنقاء والطهر، فقد تجد في الخيمة والبيداء وقمم الجبال والبيوت البسيطة الرضا والسكينة وذلك ما وجدناه في هذه البلدة القبائلية العريقة المتعطرة بنبل أهلها والمتحشة بكبرياء رجالها، مشينا إليهم بخطى الحنين فهرولوا نحونا بخطى الاحتفاء والضيافة وناغيناهم بأحرف الوفاء فجهروا بعبارات المودة الخالصة، أسكناهم وتين القلب فحقنونا في شرايين الحاء والباء أبدا سرمدا.

ألا ما أغدر الزمن إنه يغبننا في تعامله معنا حين ننتشي ونسعد تسير عقاربه على ميناء الساعة بسرعة الشك في خاطر العاشق، وحين نثقل بمن حولنا وما حولنا ونسأم من روتين الحياة تتوكأ تلك العقارب عينها على عصوين: الثانية دقيقة والدقيقة ساعة والساعة دهر الدهارير.

يا قمم برباشة الشماء وورودها الفيحاء وناسها البسطاء الكرماء شكرا لكرمكم ففي رحاب مدرستكم وفي جنبات طرقاتكم وفي ملامح وجوهكم المشرقة بالأمل بالضياء بالاحتفاء منحتمونا أجمل اللحظات فهي تحية الآن وفي كل أوان مزاجها الشكر والامتنان.


إبراهيم مشارة

- ماجستير، قسم اللغة العربية والأدب العربي

من نفس المؤلف