رُؤى ثقافيّة «٢٥٥»

جدليَّة المعنى والنظام

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

(بين أبي العميثل وأبي تمَّام)

قال صاحبي: إنَّ ممَّا يُنعَت بالشِّعر الحديث ما لا ينطبق عليه مصطلح «الكلام» أساسًا؛ لأنه لا يُفيد معنًى، بأيِّ مقياس، لا نحويٍّ ولا بلاغيٍّ. فهو هراءٌ من هراءٍ في هراء، يظنُّه قائلوه ضربًا ممَّا سمعوا الناس يسمُّونه «شِعرًا»، فيما هو دون أن يرقى إلى «الكلام» المفيد، أو الممتع، أو بين ذلك، أو حوله!

قلتُ: ولو كانوا يُدرِكون، بالطَّبع أو بالتعلُّم، ما الشِّعر؟ ما ظنُّوا، ولا قالوا!

ولا يشكِّل الوزنُ ولا القافيةُ عائقَين للشاعر المتمكِّن من صنعته. ولا نقصد بالصنعة هاهنا التصنُّع، وإنَّما الآلة الفنِّيَّة نعني. ولكلِّ فنٍّ آلةٌ، مهما قويَ الطَّبعُ. لا نعني أن يستحيل الوزن إلى تقطيعٍ عَروضي، وتركيبٍ نَظمي. ولا أن تكون القوافي جدول مفرداتٍ مُعَدَّة سلفًا، تُبنَى عليها الأبيات، كما يبدو أن الشاعر (البحتري) كان يفعل. حتى إنك لتعرف قافية البحتري تلقائيًّا من أوَّل بيته الشِّعري؛ لأن البيت لم يتولَّد لدَيه إلَّا لأجل تلك الكلمة التي رصدَها للقافية.(1) كلَّا، هذا التكلُّف، وتلك برودة النَّظْم، لا آلته. ما هكذا الشِّعر، ولا كذلك هو. ليس بالنَّظْم، ولا بانعدام الأداة، والتمكُّن منها. وإنَّما الشِّعر دَفْقٌ شُعوريٌّ أصيلٌ، تُوافِقه آلةٌ صقيلةٌ حاذقة.

لم يشكِّل الوزنُ والقافيةُ عائقَين لدَى الشاعر (عبدالله البَرَدُّوني)، على سبيل المثال، بل استطاع تحديث النصِّ من داخل البناء الشِّعريِّ العربيِّ نفسه، لا بالتنصُّل منه:

مــا بَــيْــنَ ألـــوانِ العَــنــا
ءِ وبَيْنَ حَشرجةِ المُنَى
لم أَدْرِ ما السَّلْوَى ولم
أَطْعَــمْ خَــيـالاتِ الهَــنــا
الحُــبُّ والحِـرمـانُ زادي
والـغِــــذاءُ المُــقْــتَــنَــى(2)

فانظر هنا كيف جعل التصريع في البيت الأوَّل من خلال التدوير. فـ«العَنا» صارت كلمة التقفية في المصراع الأوَّل، والهمزة من «العَناء» تمضي إلى المصراع الآخر. وهو بناءٌ لا أذكر له نظيرًا في التزامه التصريع في البيت الأوَّل دون قسر البناء في البيت على التوقُّف عند كلمةٍ تامَّةٍ بالضرورة. ذلك أن مهارة الشاعر في الأساس مهارةٌ لغويَّة، ومَن لا يمتلك مهارةَ التصرُّف باللغة- فلم يكن، كما كان يُنْعَت الشاعر، من «أمراء الكلام»- فليس بشاعر، ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.

إنها العدميَّة، إذن، في معظم الشِّعر الحديث، والعبثيَّة، وغياب المعنى. مردِّدين، فرِحين، نكتةَ (أبي تمَّام): «لماذا لا تفهم ما يقال؟» متناسين أنَّ «يُقال» تعني: يُبنَى لغويًّا بناءً يعبِّر عن «رسالةٍ» ما، إلى مستقبِلٍ ما، ولا تعني: بناء «اللَّا بناء»، و«اللَّا تراسل». حتى إذا أرغمت نفسك على القراءة لبعضهم، نِمْتَ في أثناء القراءة! ذلك أنه «من المستحيل أن نُدرِك المعنى دون نظام»، كما يقول (كلود ليفي-شتراواس)(3). وأَصدقُ ما يَصدق هذا في الفنون اللغويَّة.

ولقد ظلَّ يلقِّننا أساتيذنا أن نسمع حُجَّة (أبي تمَّام) تلك، ونسلِّم بها، ونصيح وراءه:

«الله، ما أذكاه وأحكمه، وأقوى حُجَّته الدامغة، لقد أفحم السائل!»

وربما أن نضحك مع (حبيب بن أوس) على السائل. ثمَّ نُردِّد ذلك لطلبتنا، وهلمَّ جرًّا منذ أكثر من ألف عام. مع أن قولة (أبي تمَّام) لا تعدو مغالطةً منطقيَّة، تقلب تركيب السؤال: «لماذا لا تقول ما يفهم؟»/ «لماذا لا تفهم ما يُقال؟» لتُوهِمنا هذه الحيلة الخطابيَّة أن تلك حُجَّةٌ دامغة، وبأن المسألة قد حُسِمت لمصلحة المسؤول (الشاعر). في حين أن السائل كان من وارد موقفه أن يجيب:

- «لسنا مكلَّفين بفهم منطق الطير، ولا بتفسير سجع الكُهَّان، يا حبيب!»

ذلك أن السائل- للإنصاف- لم يكن غِرًّا، ولا جاهِلًا بالشِّعر وباللغة، بل هو العالِم (أبو العميثل الأعرابي، عبدالله بن خليد بن سعد، -240هـ= 854م). عَهِدَ إليه (الأمير طاهر بن الحسين) بتأديب ولده عبدالله، ثمَّ كان كاتب (عبدالله بن طاهر) وشاعره إلى أن توفي. وهو عالمٌ واسعٌ بالشِّعر بصيرٌ به، وشاعرٌ مُجيد، نشأ في البادية. معدودٌ من الأذكياء، سريعي البديهة، ومن فصحاء الموالي، الذين عاشوا في بادية العرب، فلُقِّب بـ«الأعرابي» لذلك. كان اللغويُّون والرواة يأخذون عنه اللغة والأخبار والشِّعر. من كُتُبه التي وصلتنا: «الأبيات السائرة»، و«معاني الشِّعر»، و«التشابه»، و«ما اتفق لفظه واختلف معناه»، المطبوع بتحقيق ودراسة: (د. محمد عبدالقادر أحمد)، تحت عنوان «المأثور من اللغة»، 1988. وحكايته مع (أبي تمَّام) جَرَتْ بعد مقصد هذا الأخير مجلسَ عبدالله بن طاهر في (خراسان)، وإنشاده بائيَّته، ذات المطلع المخروم:

هُنَّ عَوادي يوسُفٍ وصَواحِبُهْ
فَعَزمًا فَقِدمًا أَدرَكَ السُؤْلَ طالِبُهْ

وفيها من غرائب الصِّيَغ والتعبيرات ما فيها.(4) وحينما لا يفهم واحدٌ كـ(أبي العميثل) ما يُقال، فمَن تُراه سوف يفهم؟! ومَن تُرَى الشاعر يُخاطِب بشِعره؟! ولقد ظلَّت معاناة الناس مع استغلاق بعض شِعر (أبي تمَّام) على مَرِّ العصور؛ لِما كلَّف نفسه به من اصطناع البديع، مهما كلَّفه الأمر، ومن الجمع بين غرائب اللغة وحُوشيِّها، من جهة، وحديثها وحضاريِّها، من جهة. فليس الإشكال، إذن، بإشكال قراءة، ولا العيب في أبي العميثل وحده، الذي رُبِّينا من قِبل أنصار مدرسة التغميض في الشِّعر على لعنه، والتصفيق للشاطر أبي تمَّام لرميه بردِّ السؤال: «ولِمَ لا تفهم ما يُقال؟»؛ إسقاطًا لمسؤوليَّة الشاعر، وتحميلًا مطلقًا مسؤوليَّة استيعاب ما يُقال وفهمه على المتلقِّي، فإنْ لم يفهم- ولو كان شاعرًا عالمًا بالشِّعر- فالذنب ذنبه!

تلك مغالطةٌ بدائيَّةٌ، لا تنطلي على ناقدٍ بصير، غير مؤدلَج! بل مسؤولية المعنى مشتركةٌ بين المُنشئ والمتلقِّي.
ـ
(1) وهي طريقة بعض الشعراء، تحدَّث عنها نقَّاد قدماء، كـ(ابن رشيق، (1955)، العُمدة في صناعة الشِّعر ونقده، باعتناء: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد (مصر: مطبعة السعادة)، 1: 210)، وعدَّها الصواب في النظم!

(2) من قصيدة «أنا»، (2002)، ديوانه (الأعمال الشِّعريَّة)، (صنعاء: الهيئة العامَّة للكتاب)، 1: 135.

(3) (1986)، الأُسطورة والمعنى، ترجمة: شاكر عبدالحميد (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 31.

(4) عن (أبي العميثل)، يُنظر: ابن النديم، (1978)، الفهرست، (بيروت: دار المعرفة)، 72- 73؛ ابن خلِّكان، (1972)، وفيَّات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس (بيروت: دار صادر)، 3: 89- 91.


عبد الله بن أحمد الفيفي

الدكتور عبد الله: كاتب سعودي

من نفس المؤلف