في حوار مع الأديب الدكتور مصطفى يعلى المرحلة الرديئة التي نجتازها، غيبت النماذج الأصيلة من المثقفين العرب

، بقلم عادل سالم

أديب عربي ترعرع في بيئة ثقافية شرقية، بأعرق مدن المغرب فسرت طريقة حياتها في دمه، وصار من أبرز عشاق الحكاية الشعبية، وأبرز من كتبوا عن الأدب الشعبي، والسرد المحلي المغربي.
فكان له: عدة دراسات عنها أبرزها، (امتداد الحكاية الشعبية)، و(القصص الشعبي في المغرب)، ،(السرد المغربي ـ بيبليوغرافية متخصصة)، و(القصص الشعبي : قضايا وإشكالات)، و(السرد ذاكرة).

أحب القراءة منذ طفولته، فنهل من شتى علوم الأدب، والثقافة العربية، وغير العربية قبل أن ينهي المدرسة ويلتحق بالجامعة، فوجد نفسه في عالم الأدب، والثقافة على طريق الرواد الأوائل مثل طه حسين، والغيطاني، وويوسف القعيد وغيرهم.

قاص متميز أصدر عدة مجموعات قصصية، وشارك في العديد من النشاطات الثقافية محليا، وعربيا، حصل على دكتوراة الدولة في الأدب العربي. وهو أكاديمي متميز خدم في الكليات والجماعات المغربية لأكثر من نصف قرن.
كاتب متميز وضع قلمه في خدمة الأدب، والثقافة، والفكر فأصبح أحد أهم أعمدة الأدب المغربي.

وأخيرا هو عضو أسرة تحرير ديوان العرب، ساهم في أكثر من لجنة تحكيم في مسابقات الديوان الأدبية.
إنه الأديب الدكتور الأديب مصطفى يعلى

- حدثنا عن طفولتك، متى بدأت تتجه للكتابة؟ هل ساعدك أحد؟ هل وفر الأهل لك الوقت للكتابة؟ أبرز الصعوبات التي واجهتها في الكتابة؟

- طفولتي مرت داخل أسرة متوسطة محافظة، في مناخ ثقافي تقليدي شرقي، بأعرق مدينة مغربية هي مدينة القصر الكبير، شمال العاصمة الرباط. وقد سكنتني في هذه البيئة المنغلقة كل مظاهر الحياة التقليدية أعرافا وأناسا وإبداعات مادية وغير مادية. وربما كان هذا من أهم الحوافز التي دفعتني إلى التخصص في الأدب الشعبي والسرد المحلي.

أما كيف بدأت الكتابة، فلقد وجدت نفسي في مرحلة التعليم الإعدادي أوائل ستينيات القرن الماضي، مهووسا بالقراءة ومتابعة الأنشطة الثقافية العربية، ونماذجها من كبار الكتاب في المرحلة، أمثال طه حسن والعقاد وتوفيق الحكيم ويحيى، حقي ويوسف إدريس وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بن جلون وأحمد عبد السلام البقالي، فضلا عن أعمال كبار الكتاب الأجانب المتداولين حينئذ في عالم الكتابة والإبداع من طينة «جي دي موباسان»، و«كافكا»، و«كامو»، وهمنغواي، و«أو هنري». وكنت أمتلئ طموحا لأكتب وأنشر مثلهم منجزاتي، ليطلع عليها القراء. خصوصا وأن الكتابة غداة استقلال المغرب 1956 كانت امتيازا وقيمة مضافة يعلي من شأنها الجميع.

على أن أول ما بدأت بمحاولة الكتابة فيه، وأنا ما أزال في المرحلة الإعدادية، هو المقالة ونشرها بالجرائد الوطنية، ثم الانتقال إلى تجريب الكتابة في القصة القصيرة والارتباط بها حتى الآن، فأصدرت في حوالي أربعة عقود إلى غاية سنة 2012 خمس مجموعات قصصية.
وبالطبع، فإن الكتابة إذا لم يكن دافعها نابعا من الأعماق، لن يكتب لك التوفيق والاستمرار في طريقها، ولو ساعدتك كل مؤسسات العالم الثقافية بأريحية حاتمية. إن ما عضدني في الحقيقة، هو إدمان القراءة خلال هذا العمر الطويل، والوعي بنظرية القصة القصيرة، والإخلاص لهذا النوع السردي المتشقق عن القصص الشعبي.

ولعل ما كان يواجهني حقا من صعوبات في مسار كتاباتي قصة وبحثا، يتلخص في مشاغل الحياة وتفاصيلها اليومية، التي كانت تضايق الحيز المتاح للانفراد من أجل الكتابة، إلى جانب عوز القدرة على متابعة المستجدات المتلاحقة على مستوى المناهج النقدية والمذاهب الأدبية والنظريات الجديدة، خصوصا منذ السبعينيات، فكان علي أن ألهث وراءها، والانتقال بين تياراتها ومدارسها، مما كان يفوت علي متعة الكتابة الهادئة ولذة الإبداع الرصين. وإذا كان لتحضير الشواهد العليا على المستوى الأكاديمي، فائدة التمرس على البحث والنقد والإضافة، فإن ضريبة ذلك جد مرتفعة على حساب الكتابة الحرة والمنجز الإبداعي، وهو ما عانيت وجعه بعمق خلال إنجاز دبلوم الدراسات العليا (الماجستير) وإعداد دكتوراه الدولة.

- كتاب وشعراء أثروا في الأديب مصطفى يعلى؟

- ربما كان تأثري إبداعيا باتجاهات أدبية معينة، أكثر منه تأثرا بأسماء محددة. فقد قرأت من المدرسة السردية التقليدية لأسماء كثيرة أجنبية وعربية، أمثال إدجار آلان بو، وجي دي موباسان، وتشيكوف، وفلوبير، ويوسف إدريس ويحي حقي ونجيب محفوظ ويوسف الشاروني وسعد مكاوي وعبد الكريم غلاب. وبالنسبة للاتجاه التجريبي، أدمنت قراءة أعمال أمثال كافكا، وبورخيس، وكورتزار، وهمنغواي، وإتالو كالفينو، و أو. هنري، وجيل الستينات والسبعينات العربي وأبرز منهم: إبراهيم أصلان، وجمال الغيطاني، وصنع الله إبراهيم، ويوسف القعيد، ويحي الطاهر عبد الله، ويوسف أبو رية من مصر، وعبد الرحمن مجيد الربيعي من العراق، والطيب صالح من السودان، واللائحة طويلة.

- ما الذي تقرأ هذا الأيام؟

- أقرأ راهنا كتابا شائقا ضخما، هو في الأصل أطروحة لميخائيل باختين تقدم بها لنيل الدكتوراة، موسوم بعنوان (أعمال فرانسوا رابلييه والثقافة الشعبية: في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة).
وهو كتاب غني الفائدة فائق الإمتاع والمؤانسة. وإن ما أثار انتباهي فيه، يتعلق بعمق التحليل لظواهر الغروتيسك والكرنفال وفن الإضحاك.

الدكتور مصطفى يعلى يسارا بصحبة الدكتور أحمد زياد محبك أستاذ اللغة العربية في جامعة حلب

- لو لم تكن أديبا ماذا كنت تحب أن تكون؟

- لو لم أكن أديبا لفضلت أن أكون أديبا. وكنت سأختار أن أكون أديبا، ولو تكررت حياتي عشرات المرات. فلا معنى للحياة دون سحر التخييل وتراكم الإبداع والإشباع الفكري ورؤية العالم بوعي أعمق.

هل حققت حلمك في عالم الأدب؟

- بل قل الصديق والكاتب المبدع عادل سالم، هل بدأت حلمك في عالم الأدب؟. فإذا كان باختين قد وصف الرواية بكونها نصا غير مكتمل ومنفتحا دوما على شتى الاحتمالات، فكذلك يمكن القول إن عالم الأدب عموما لا يمكن أن يتصف بتحقق الاكتمال. إذ أن آفاقه دائبة على الانفتاح على كل المتغيرات الجديدة، تبعا لسيرورة اللحظة التاريخية وراهنيتها. ومن هذا المنطلق، أستشعر دوما أن ما أقدمه ليس سوى قطرة في بحر، يتناوبه المد والجزر تبعا لإحداثيات الواقع ومستجدات آليات الإبداع التجريبة.

ما هي أبرز التحديات التي تواجهها الحركة الثقافية المغربية؟

- يمكن تلخيص أبرز التحديات التي تواجه الحركة الثقافية المغربية، في المظاهر الموالية:

1 – التهميش المطلق والممنهج للفعل الثقافي الجاد والخلاق. ومع ذلك يصر المخلصون لهذا الحقل على الخلق والإضافة والاستمرارية، وهو ما انعكس على تنشيط هذه الحركة في الهوامش أكثر منها في المركز.

2 – إفراغ المؤسسات الثقافية من رسالتها ومحتواها الثقافيين، من مثل وزارة الشؤون الثقافية واتحاد كتاب المغرب، وتحويلها إلى مجرد رمز مزيف للحركة الثقافة والإبداعية، يتكالب الانتهازيون من كل حدب وصوب على ما تتيحه من فوائد مادية ومشاريع وهمية ونجومية زائلة.

3 - افتقاد الساحة الثقافية لمنابر النشر وإمكانية التوزيع، سواء تعلق الأمر بالمجلات أم بالمنشورات، علما بأن التخلص من المنجز بنشره، يحفز الكاتب والمبدع على موالاة الكتابة والإبداع، عكس تأثير الإنجاز غير المنشور.

4 - يشار بالمناسبة إلى أنه بسبب هيمنة وسائط الاتصال الالكتروني وتدني القوة الشرائية، تقلص حجم القراء والقراءة في المغرب، مما ساهم في مضاعفة معاناة الحركة الثقافية المغربية، ذلك أنه لم يعد يقبل على قراءة الإصدارات سوى القلة من المختصين، أو المولعين القلائل بالقراءة.

- يلاحظ في بلاد المغرب العربي وتحديدا في المغرب، والجزائر، وتونس حركة نشطة لفرنسة الثقافة المغربية، أين وصلت هذه الظاهرة؟ وهل تشكل خطرا على جوهر الثقافة المغربية؟؟

- إن الثقافة الفرنسية ولغتها تعتبران من رواسب المرحلة الاستعمارية. فقد احتضنها موالو فرنسا ومن تربى على ثقافتها واستفاد منها، وفي مقدمتهم أبناء الأعيان. لكن هذه الثقافة قد انجزرت خلال العقود القليلة الأخيرة داخل فئة محدودة من أساتذة قسم اللغة الفرنسية وآدابها في الجامعات المغربية، وكذا بين خريجي مدارس البعثات الفرنسية وجامعاتها.

ولئن كانت اللغة الفرنسية ما تزال تفرض نفسها في المعاملات الإدارية بأكثر الوزارات المغربية، إلا أنها لم تعد منتشرة كذي قبل، خاصة بين الشرائح الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، بالمدن البعيدة عن منطقة المغرب النافع في محيط العاصمتين الإدارية والاقتصادية الرباط والدار البيضاء.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن موقف المثقفين المغاربة عموما، ما عدا المتفرنسين طبعا، يعد من حيث المبدأ موقفا سلبيا تجاه الثقافة الفرانكوفونية، لكنه لا يرفض الثقافة الفرنسية ذات البعد الفكري والمنهجي والإنساني، المتجنبة للأهداف الاستعمارية الخبيثة، بنفس القدر الذي يرحب فيه بنماذج أخرى من الثقافات العالمية المثرية.

في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث أين وصلت فكرة تقبل الآخر في الأدب العربي؟ هل قصر الأدب في إرساء قيم التسامح والمحبة بين أبناء الوطن الواحد؟

- إذا كنت قد فهمت السؤال جيدا، يمكنني الذهاب بالقول إلى كون الاشتغال بموضوع العلاقة بالآخر (الغرب) أدبيا، قد انطلق منذ فترة النهضة العربية في العصر الحديث، حتى مرحلتنا الراهنة. ويمكن ملاحظة ذلك لدى كبار روائيينا مثلا، حيث أبدى الكثيرون منهم منظوره لظاهرة العلاقة بالغرب، من زاوية قناعته ووجهة نظره، مما بلور تخييليا موقفا من الآخر، يتراوح بين التواصل الانتقائي (رواية "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي) و تجاوز ثنائية شرق / غرب، عن طريق احتضان البعد الإنساني (رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم)، والربط التوفيقي بين الحضارتين الشرقية والغربية (رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي)، وتفضيل التوجه القومي مع الاستفادة من الآخر (رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس)، والإلحاح على الندية في علاقتنا مع الغرب، بعد تحقيق استقلال الدول العربية الحديثة (رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح)، وضرورة استعارة ديموقراطية الغرب لتخطي ورطة الاستبداد الشرقي (رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف). وهكذا تجد مواقف متشابهة في روايات أخرى من مثل (المرأة والوردة) لمحمد زفزاف، و(الغربة) لعبد الله العروي.

وبالنسبة للعلائق الداخلية في مختلف الأوطان العربية، فلم يقصّر الأدب في معالجة الظاهرة، وإن من منظور غير مباشر كديدن الإبداع، بما كان يتحمس له ويروج من قيم نبيلة ووعي صحي، يرميان في عمقهما إلى خلق مجتمع إنساني متسامح وسليم، يتمتع فيه كل أبنائه بحقوقهم ويؤدون واجباتهم، باعتبارهم مواطنين مخلصين لوطنهم ولأمتهم. ويدخل في هذا السياق حتى ما غص به الأدب العربي المعاصر من نقد مبطن ورسائل مشفرة مستنكرة وتحريضية، من أجل خلق مجتمع الوفر والتعايش والمساواة. خصوصا وأن عين السلطة كانت تنام في شبه تواطؤ، عن وأد فكر الفتنيين من أصحاب الإيديولوجيا الدوغمائية التي لا تعترف بالآخر المختلف.

- هل الكتاب في المغرب موحدون في اتحاد واحد؟ وهل يلعب هذا الاتحاد دوره في النهوض بالوضع الثقافي العربي، أم أنه يحاول الحفاظ على خصوصية المغرب الثقافية القطرية؟

- لا، أبدا. ليس كل الكتاب والمثقفين المغاربة منتمين إلى اتحاد كتاب المغرب، بل هناك الكثيرون منهم لا عضوية لهم في هذا الاتحاد. أما عن دوره في النهوض بالوضع الثقافي العربي، أو التركيز على خصوصية الثقافة القطرية، فيمكنني أن أؤكد لك أنه لا يضطلع بمهمة هذا الآداء أو ذاك معا راهنا، وهناك جمعيات ثقافية نشيطة في المدن المهمشة، أكثر تحريكا وإنتاجا للفعل الثقافي منه، لا من حيث تنظيم اللقاءات والندوات الثقافية، ولا من حيث إصدار المنشورات والمنابر المستميتة.

فبشهادة الجميع، إن اتحاد كتاب المغرب قد دخل غرفة الإنعاش، بعد أن لحقته للأسف آفة الترهل والانكماش، في حين كان يعتبر رائدا في الحركة الثقافية الطليعية، إلى حدود أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، يوم كانت له استقلالية القرار، بسبب عدم انتمائه وتبعيته للدولة، مثل اتحاد الكتاب اللبنانيين في تلك المرحلة. وربما حدث هذا الانحراف بسبب شيخوخة الحزب الذي هيمن على مؤسسة الاتحاد عقودا متوالية. وأيضا لتسلط فئة من الانتهازيين عليه، مما ولد داخله صراعات ذاتية سارعت بتدهور فعله الثقافي والنضالي.

- هل أثرت التقنيات الحديثة من فيس بوك وما شابهها على تطور الأدب العربي أم أنه أدى إلى تراجعه لانشغال الكتاب بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

- بغض النظر عن السلبيات، أعتقد شخصيا أن تقنيات التواصل الاجتماعي الإلكتروني، تساهم في التأثير على أداء الأدب العربي في شتى المناحي، منها:
أولا، إن تقنية الكتابة في التويتر والفيسبوك من شأنها أن تشجع على التركيز المتناهي في أسلوب الكتابة، على اعتبار محدودية الحيز المتاح للكتابة.
وثانيا، إن الأدب قد أصبح مقروءا إليكترونيا، تعويضا لفتور الإقبال على الكتاب الورقي.
وثالثا، أصبحت النصوص الجيدة والرائدة في متناول الكتاب، من أجل تحميلها كما هي، والاطلاع عليها، والتزود منها بما يطور تجربة الكاتب الإبداعية.
ورابعا، أدخلت تقنيات التواصل الاجتماعي على الأدب، شكلا من الكتابة إلكترونية جديدا، مثلما لدى محمد سنجلة من الأردن، فيما ينتجه من أدب رقمي.
وخامسا، هناك محاولات إبداعية لمحاكاة ما توفره وسائط التواصل هذه، من تشكلات وتقنيات غير أدبية، كما نجد مثاله القوي في رواية (العتبات) لمفلح العدوان من الأردن أيضا.

ولعل المستقبل كفيل بكشف ما سينتج عن هذه المؤثرات من ظواهر أدبية مختلفة. ولا أود في هذه العجالة، أن أخوض من ناحية أخرى، فيما أحدثته وستحدثه هذه الوسائط من سلبيات على أدبنا أيضا.

- المثقفون العرب هل هم مستقلون في ما يبدعون، أم أنهم أسرى الحاكم، والسلطة، والحزب، وأصحاب النفوذ، والمال، والفضائيات؟؟؟

- للأسف، إن المرحلة الرديئة التي نجتازها حاليا، قد غيبت النماذج الأصيلة من المثقفين العرب، الذين كانوا يحترمون أنفسهم وإنتاجهم ومواقفهم وقراءهم، إلا من رحم ربك طبعا. فقد أمست الأغلبية الساحقة من مثقفينا تتنافس اليوم على الفوز بالجوائز المغرضة، والسفريات المؤدى عنها، والنشر في المنابر التي تفوح منها رائحة البترودولار . كما تتكالب على أبواب مراكز السلطة للفوز ببعض فتات الغنائم المغرية. لذلك غابت النماذج المنوه بها عن الساحة الثقافية العربية، مع استثناءات شحيحة. فبربك هل ننتظر من أمثال هؤلاء أن يكونوا مستقلين في كتاباتهم وإبداعهم؟.

- واضح أن الانقسام في الشارع العربي بين قوى التكفير والجهل والتخلف قد امتد لكل الساحات العربية، بما فيها ساحات الأدب والثقافة، ما دورنا كمثقفين في هذا المجال؟ ما الذي قدمناه في هذا المجال للتصدي للأفكار التكفيرية التي تهدد مجتمعاتنا، وتهدد أمتنا ككل؟

- في الحقيقة إن قوى التخلف والتكفير تمثل قلة قليلة في المجتمع العربي، فلولا دعم القوة الاستعمارية وتواطؤ الرجعية العربية الاستبدادية، لما تحقق للقوى الظلامية ما تمتعت به من شأن وشهرة وتمكن. ومما مكن لها، كون الجامعة التي كانت تكون المتنورين، أضحت تفرخ الكثير من المنغلقين التكفيرين. وفي اعتقادي، أن أقوى سلاح يمكن أن تواجه به تلك القوى على مستوى الفكر والأدب، يتمثل في نشر الوعي وإضاءة سبل التنوير والإسلام المعتدل، في الجامعة والكتابة والإبداع. وذلك أقوى الإيمان.

- هل تشعر أن للكتاب المغاربة دورا في الشأن السياسي، وما يخص قضاياهم أم أن دورهم هامشي؟

- بصراحة، ليس للكتاب المغاربة أي دور فعلي في الشأن السياسي، فهم مهمشون، والكثيرون منهم منعزلون، لكونهم يشعرون أن لا مكان لهم في هذا الشأن، باستثناء ممارسة بعض النقد والتتعليقات والتحاليل ووجهات النظر، التي تنشر بين الفينة والأخرى في الصحافة، إلى جانب بعض المناقشات النادرة في الإذاعة والتلفزة، وإن كانت وسائط التواصل الاجتماعي قد صارت ميدانا للإدلاء بالرأي والموقف في مختلف مناحي الحياة، ومنها الشأن السياسي.

- العلاقة بين المشرق العربي، ومغربه هل تطورت عن المرحلة السابقة؟ وهل يشعر الكتاب المغاربة أنهم جزء من المشهد العربي الثقافي؟

- بمراجعة الشأن الثقافي العربي خلال القرن العشرين، يتأكد أن العلاقة بين المشرق والمغرب العربيين، كانت دائما تتصف بالتواطد والتواصل، لا سيما وأن المشرق العربي كان يتبوأ سدة المركز الثقافي المحتذى. وكانت المنشورات كتبا ومجلات وجرائد، الواردة منه إلى المغرب تقرأ بنهم وحماس.

بيد أنه، ربما من منطلق تعالي المركز على الهوامش، استشعر المثقفون المغاربة إهمالا من المشارقة للإنتاج الثقافي المغربي عامة والأدبي خاصة، منذ كتب العلامة عبد الله كنون مقدمة كتابه الرائد الضخم (النبوغ المغربي في الأدب العربي)، الصادر أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، متذمرا من إهمال الإخوة الأدباء في المشرق العربي للإنتاج الأدبي العربي في المغرب، مما حفزه إلى تأليف هذا الكتاب من أجل لفت أنظار إخواننا في المشرق، وإعادة الاعتبار لجهود المغاربة خلال التاريخ في حقلي الأدب والفكر العربيين.

غير أن الوضع سيتغير ابتداء من السبعينيات، حيث سعى الباحثون الأكاديميون والكتاب والمبدعون والمترجمون، كل في ميدانه وبطريقته ووسائله، إلى تجاوز هذا الوضع غير الصحي، الأمر الذي سيتحقق منذ الثمانينيات إلى الآن، حيث فرض الكتاب المغاربة أنفسهم على الساحة الثقافية العربية مغربا ومشرقا، وخاصة في حقل المناهج وميدان الإبداع. ومن حسن الحظ أن الفوارق الماضية والشكوى التقليدية من إهمال المشرق للمغرب ثقافيا، لم يعد لهما وجود في نفسية المغاربة، فكلا الكتاب المشارقة والمغاربة ينتجون ويتواصلون من أجل إثراء الثقافة العربية وتطويرها.

- بدون مجاملات، كيف تقيم أداء ديوان العرب على الساحة الأدبية؟؟

- بدون مجاملات، وبمبررات موضوعية، أملك الثقة في أن أجزم بكون مجلة (ديوان العرب) الإلكترونية تعتبر رائدة في ميدانها. فقد كانت سباقة للظهور بين أخواتها. وإخراجها جميل ومغر بالمتابعة، ومستواها راق وجيد، وتحكيمها موفق في نشر مختلف الأجناس الأدبية والفنية، مما لفت الأنظار إليها من مختلف الكتاب في كل أقطار العالم العربي. ومن بين أفيد ما توفره هذه المجلة العتيدة ضمن خريطتها، البيوبيبليوغرافيا الخاصة بكتابها من مختلف الأقلام العربية الجادة، باعتبارها مرجعا هاما للباحثين والنقاد وكتاب السير الذاتية والغيرية. وإضافة إلى كل ذلك، تحظى أبوابها الثابتة بنفس الأهمية (دواوين الدراسات المحكمة، والسرد، والشعر، واللغة الخ...). ولا ننسى أهمية المسابقات الدورية حول الأجناس الإبداعية المختلفة، التي ينظمها (ديوان العرب)، تشجيعا للمواهب الواعدة في العالم العربي.

كلمة أخيرة توجهها للقراء؟

- إذا ما جاز لي أن أوصي القراء بنصيحة ذهبية، فلن تكون غير قولي لهم أولا وأخيرا: عليهم بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة.

وشكرا لكم على أريحية هذه الاستضافة.


عادل سالم

- رئيس تحرير ديوان العرب.

من نفس المؤلف