الجمعة ٢٦ أيار (مايو) ٢٠١٧
بقلم رامز محيي الدين علي

رعاة الماعز

لكلّ مخلوق بشري أو حيواني طبيعة تختلف عن سائر طبائع أقران جنسه.. وهذه الطبيعة الموروثة بالجينات الوراثية هي التي تكوّن خصائص الكائن الحي، وتطفي عليه سمات تميّزه عمّا سواه..

وتلك الطبيعة تغلب التطبُّع كما قالوا.. فالذهب لا يمكن أن تغيّر من خصائصه عواملُ الطبيعة مهما ثارت عليه، وكذلك الصياغة لا يمكنها أن تبدّل في جوهره، فتحوّله إلى معدن خسيس ينال من مجده التليد.. وقل ذلك في سائر المعادن.. فربما نستطيع أن نغيّر من أشكالها وألوانها وقوتها وصلابتها بالتعدين والمزاوجة فيما بينها.. لكنّ ذلك لا يعني أنها فقدت سلالاتها الطبيعية..

وقد قام العديد من الخبراء والباحثين بإجراء تجاربهم على الإنسان والحيوان؛ لتغيير النظرية القائلة: " الطبع يغلب التطبع " وإثبات النقيض، بتغليب التطبُّع على الطبع، لكن محاولاتهم لم تؤتِ أكلها، كما تدعي تجاربهم.. ومن ذلك القبيل، على سبيل المثال لا الحصر، ما روي عن

أعرابية عجوز أنها عثرت على جرو ذئب صغير، فأخذته وربته مع شاتها، مصدر ثروتها وعيشها.. وراح الذئب الرضيع يتغذى على لبان الشاة، وكأنه حملها الوديع تمنحه حنان الأم وغذاء الحياة..
وتمر الأيام ويشبُّ الفرخ عن الطوق، والعجوز مطمئنة على شاتها وذئبها غير الشرعي.. وذات يوم تعود إلى البيت، لكنها تفاجأ بأن الذئب، ذلك الحمل الوديع، قد عاد إلى جِبلَّته ذئباً مفترساً، فالتهم الشاة الأم والمربية التي منحته الحياة ليسرق حياتها.. حزنت الأعرابية على شاتها العزيزة على فؤادها، وأيقنت أن الفطرة لا تبدلها الفطيرة:

بقرتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
وأنت لشاتنا ابن ربيب ُ
غذيت بدرها ونشأت معها
فمن أنبأك أن أباك ذئب ُ
إذا كان الطباعُ طباعَ سوء ٍ
فلا أدب ٌ يفيد ولا أديب ُ

وللحكاية شجون وأشجان.. وما مقدمتي سوى مقالة لرواية، أبطالها رعاة قطيع من الماعز، لا يجمعه سوى طبيعة الماعز التي تأبى أن تكون أغناماً في غابة وارفة بالظلال والنعيم.. وحكمة ربك لا يبدلها حكيم..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى