رُؤى ثقافيّة «٢٦٠»

تفاوت الحاسَّة الموسيقيَّة بين الشاعر والمغنِّي!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

إن المكوِّن الموسيقيَّ مكوِّنٌ فِطريٌّ دقيقٌ في الجِبلَّة الإنسانيَّة، يَهَبُه الخالق، ضِمن مَلَكاتٍ أخرى، لمن قُدِّر له أن يكون موسيقيًّا أو شاعرًا من الناس، فيتربَّى عليه حِسُّ الشاعر على نحوٍ يفوق تربِّي الموسيقيِّ على الأصوات الموسيقيَّة. ولعلَّ ذلك ينشأ عن ممازجة الموسيقَى للطبيعة اللغويَّة، التي هي جِبِلَّة عضويَّة في الإنسان، وليست بصنعةٍ تُكتسب. وتفوُّقُ الحسِّ الموسيقيِّ لدى الشاعر على حسِّ المشتغل بالموسيقَى شواهده كثيرة، نكتفي منها بنموذجَين عربيَّين:

1- لولا ضَعف الحِسِّ الموسيقيِّ بإيقاعات اللغة، لما ساغ للموسيقار (محمَّد عبدالوهاب)- مثلًا- أن يغنِّي شِعرًا مكسور الوزن، كما فعل في قصيدة (إيليا أبي ماضي) الرَّمَليَّة، حين غنَّى البيت:

ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقًا فمشيت

هكذا:

ولقد أبصرتُ (أمامي) طريقًا فمشيت!

وتعليله لذلك أنها لم تعجبه كلمة «قُدَّامي»، لارتباطها في لهجته بما لم يستسغ، فما كان منه إلَّا أن استبدلها- بكلِّ جرأةٍ- بكلمة «أمامي»!(1) وهذا تحكُّم لهجيٌّ لا معنى له، فكلمة «قُدَّامي» سائغةٌ رائجة في ديوان الشِّعر العربي. فهذا (بشَّار بن بُرد) يقول، مثلًا:

عَن يَميني وعَن يَساري وقُدَّا
مي وخَلفي الهَوى فَكَيفَ أَفِرُّ؟

و(أبو تمام) يقول:

وكُهولُ كَهلانَ وحَيَّا حِمْيَرٍ
كالسَّيلِ قُدَّامي مَعًا ووَرائي

ويقول (أبو فراس الحمداني):

أَرَى مِلْءَ عَينَيَّ الرَّدَى فأَخوضُهُ
إِذِ المَوتُ قُدَّامي وخَلفي المَعايِبُ

ويقول (أبو نواس):

سِيَّانِ لو جَرَّبْتَهُ يا سيِّدي
ما بينَ قُدَّامي وبينَ ورائيهْ

وقال (المتنبي):

ورائي وقُدَّامي عُداةٌ كَثيرَةٌ
أُحاذِرُ مِن لِصٍّ ومِنكِ ومِنهُمُ

كما يقول (أحمد شوقي):

كَأَنَّ قُدَّامِيَ أَلْفَ دِيْكِ
تَسأَلُني عَنْ دَمِها المَسفوكِ

والغريب أن حِسَّ عبدالوهاب لم يسعفه لإدراك الإخلال الموسيقي الذي ارتكبه في البيت بتغييره تلك الكلمة! وهو إخلالٌ تمثَّل في صوتٍ واحدٍ ساكنٍ انحذف، بيدَ أنه قد قلبَ وزن البيت رأسًا على عقب. ما يدلُّ على أن صنعة الموسيقيِّ تَقْصُر عن موسيقَى الشِّعر في حساسيتها. كيف لا، والصوت البشريُّ كان آلة الموسيقَى الأُولى، وإنَّما وُجِد الغناء ونشأت الموسيقى- تاريخيًّا- في ظلِّ الكلمة الشاعرة، ثمَّ انفصلت الموسيقَى، فأصبحت فنًّا صوتيًّا قائمًا بذاته.

2- والنموذج الآخَر، تجده لدى الفنَّان (محمَّد عبده)، الذي كان يؤدِّي (موَّالًا) في بداياته الغنائيَّة من أبيات (ابن الفارض)، من البحر الطويل:

هُوَ الحُبُّ، فاسْلَمْ بالحَشا، ما الهَوَى سَهْلُ
فـمــا اخــتـارَهُ مُــضْـنًى بــهِ ولــهُ عَـقْـــلُ
وعِـــشْ خــالــيًـا فــالحُـــبُّ راحــتُـــهُ عَــــنــًـا،
وأَوَّلــُــــــــهُ سُــــــقـْـــــمٌ ، وآخـِــــــــرُهُ قَـــــــــتْــلُ
نـصـحْـــتُــــكَ عِـــلْـمًــا بـالهَـــوَى ، والــذي أَرَى
مُـخـالَـفَــتي ، فـاخــتـرْ لنفـســِكَ مـا يَـحْــلُــو

وكان يؤدِّيها إذ ذاك بوزنها الصحيح، غير أنه تطوَّر- كما يبدو- حتى صار يُغيِّر الشِّعر على هواه، فيورد البيت الأخير: «نصحْتُكَ عِلمًا بالهَوَى والذي (أراهُ)...»! وبالطبع، فإن كلَّ من له أذنٌ موسيقيَّةٌ يدرك أن الفنَّان هنا قد كَسَرَ البيت كسرًا نابيًا، أو بالأصح: مطَّه مطًّا أفسد وزنه.(2) لأن الأبيات من البحر الطويل، المقبوض العَروض دائمًا؛ جرى زحاف القبض فيه مجرى العِلَّة في اللزوم، بل لم يأتِ غيرُه في عَروض هذا البحر لدَى شاعرٍ عربيٍّ مُطلَقًا. أي أن الوحدة النغميَّة في نهاية الشطر الأوَّل لا تأتي إلَّا على «مفاعلن». إلَّا (المتنبي)، فقد وَقَعَ في كسرٍ وزنيٍّ في الطويل، حين استعمل العَروض صحيحة (مفاعيلن)، لا (مفاعِلن)، في قوله:

ولا نالَ مِن حُسَّادِهِ الغَيظُ والأَذَى
بِأَعظَمَ مِمَّـا نالَ مِنْ وَفْـرِهِ العُرْفُ
تَــفَـكُّــرُهُ عِـلْــمٌ ومَـنـطِــقُــهُ حُـكْـــمٌ
وباطِــنُـهُ دِيْــنٌ وظــاهِـــرُهُ ظَـــرْفُ

فعَروض البيت الأخير: «ـــقُهُ حُـكْمٌ» على وزن (مفاعيلن). وما هكذا يُورد البحر الطويل، يا ابن الحُسين. أمَّا ما فعله فنَّان العرب، فقد حَوَّر عَروض بيت ابن الفارض الثالث، في عبارة «والذي أرى»، إلى: «والذي أراهُ»، لتُصبح: (مفاعلاتن)، بزيادة سببٍ خفيف. والأبيات قبله كانت كافية للتنبُّه إلى تلك الزائدة الإيقاعيَّة، واختلال الوزن بسببها، ونشازه عمَّا قبله. وكلُّ شاعرٍ يُدرِك ذلك بالفِطرة ولا يستسيغه، وإنْ لم يعرف القاعدة العَروضيَّة بالضرورة. وهكذا يبدو أن صاحبنا كذلك لم يستسغ العبارة «والذي أرى»، دون إلصاق العائد على الاسم الموصول: الهاء، فاجتهد وأقحمها هكذا اعتباطًا، ليشرح البيت المُلْبِس للسامعين، لكنه بذلك قد أفسد الموسيقى الشِّعريَّة والبنية الجماليَّة الدلاليَّة معًا!(3)

وإذا كان ذلك هو حال الموسيقيِّين- بمن فيهم «موسيقار الأجيال»، كما يُسمَّى، وربيب أمير الشعراء أحمد شوقي، وكذا فنَّان العرب، ذو الباع الطويل في عالم الموسيقى- مِن عدم الاكتراث بموسيقَى الشِّعر، أو بالأحرى عدم إدراكها، فكيف بحال الذائقة الموسيقيَّة اليوم لدَى سِواهم؟!

(1) استمعْ إليه على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=g4eGWRZ32c4
وقد غنَّاها (عبدالحليم حافظ) بصياغة أخرى صحيحة موسيقيًّا مخالفة لصياغة الشاعر ومعناه، تلافت كسر الوزن والكلمة التي لم تعجب (عبدالوهاب): "ولقد أبصرتُ للدنيا طريقًا فمشيت":
https://www.youtube.com/watch?v=JkJ0ejuJWjw

(2) استمعْ إليه في «موال هو الحب»، قبل أغنية «ماس ورد الخد»، على هذا الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=8fYpttICZGE

(3) وهنا ملحظٌ آخر في الأغنية لا يؤثِّر على الوزن ولكن على المعنى، وهو أن الكلمات تقول: «ماس ورد الخد.. في وادي قُبا.. هَبَّ امْصَبا والسَّمَر قد طاب.. بحبّك يا وسيم خاف الله، تحت بابك مستقيم.. سال دمعي...». وهكذا كان يغني (محمَّد عبده) قديمًا، ثم صار في الأداء المشار إليه يقول: «مسّ ورد الخد»، بدل «ماس ورد الخد». وهو ما لا يتناسب مع سياق النصِّ، وإنما هو «ماس...».