هل يصح أن نقول: ثلاثة شهور؟

، بقلم فاروق مواسي

هناك من يخطّئ ذلك، فهو يصرّ على أن نقول: ثلاثة أشهر، لأن (أشهر) جمع قلة- وهو الجمع الذي يكون بين الثلاثة والعشرة. (زهدي جار الله في "الكتابة الصحيحة" ص 186)
أما (شهور) فهو جمع كثرة، وفي رأيه لا يجوز ذلك.

يعتمد جار الله على القرآن الكريم:

فعِدَّتهن ثلاثة أشهر- الطلاق، 4، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر- التوبة، 2 ، الحج أشهر معلومات- البقرة، 197.

بينما لفظة (الشهور) ترد مع ما هو أكثر من العشرة: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا- التوبة، 36.

يمضي جار الله قائلاً: إذا لم نحدد العدد فيجوز استخدام القلة والكثرة: أقام في الخارج شهورًا أو أشهرًا .

نبدأ أولاً ببيان أوزان جمع القلة- وهي من جموع التكسير:

أوزان جموع القلة هي:

* أَفْعِلة – مما يجمع على هذا الوزن كل اسم رباعي مذكَّر قبل آخره حرف مدّ، مثل: طعام أطعمة، وأشربة، أغلفة.

* أَفْعُل- مما يجمع على هذا الوزن كل اسم رباعي مؤنث قبل آخره حرف مدّ، مثل: ذراع- أذرُع، ويجمع عليها أيضا كلمات على وزن (فَعْل) مع صحة الفاء والعين مثل نفس أنفس.

* أَفْعَال، نحو: أبيات، أعناب.

* فِعْلَة: صِبية، فِتية.

أما (جمع الكثرة) فهو أكثر من العشرة وحتى إلى ما لا نهاية.

انظر إلى الآية الكريمة:

والمطلّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قُروء- البقرة، 228، فقد استخدم العدد ثلاثة مع صيغة جمع الكثرة، مع العلم أن هناك الجمع- " أقراء"- الذي هو جمع قلة.

في رأيي يصح قولنا : ثلاثة شهور، لأكثر من مسوّغ:

* هناك (استعمال النيابة في النحو)، فهذا الجمع يقوم مقام ذاك، والعكس صحيح، فقد يستعمل القلة بدل الكثرة، والكثرة بدل القلة على سبيل المجاز.

* هناك بعض الكلمات لها جمع قلة وجمع كثرة بلفظين مختلفين، وهناك كلمات تدل على جمع القلة والكثرة بلفظ واحد لم يضع لها العرب غير شكل واحد من جمع التكسير- مثل "الرجال"، فهو من ألفاظ الكثرة، ولكن يستخدم للقلة أيضًا، و"الأرجل" من ألفاظ القلة، ويستخدم للكثرة أيضًا.

فإذا كانت بعض جموع التكسير ترد في القلة والكثرة، فليس من المعقول أن نراجع كل اسم لنفحص هل له نوعان من الجموع، وخاصة الأسماء غير الشائعة، نحو جمع كلمة جريد، أو قِراب، نَصْـف...إلخ

فماذا يضير اللغة إن وقعت هذي مكان تلك؟

فلو كان هذا الموضوع مهمًا جدًا لكان لكل اسم نوعان من جموع التكسير: قلة وكثرة.

يذكر ابن يعيش في (المُفصَّل) أنه "قد يستعمل الجمع الموضوع للقليل في موضع الكثير، وأن الجموع يقع بعضها موقع بعض ويستغني بعضها عن بعض، وأقيس ذلك- أن يُستغنى بجمع الكثرة عن جمع القلة، لأن القليل داخل في الكثير". (ج3، ص 225، بيروت- 2001)

ثم من قال إن (الأنفس) يعني القلة في قوله تعالى: وأحضرت الأنفس الشحّ- النساء، 128؟
لقد دخلت عليها لام التعريف فأصبحت تدل على الكثرة، ومن قال إن في قول حسان "وأسيافنا يقطرن من نجدة دما" بأن "أسياف" تعني القلة؟
إنها جمع كثرة بسبب الإضافة، وهذا ما لم يفطن إليه من أخذ على حسّان فيه مأخذًا.

أرايتم هذا التداخل الذي لا يفيد كثيرًا في المضمون.

يقول عباس حسن:

"صيغ جمع القلة قد تستعمل للكثرة والعكس"- النحو الوافي، ج4، ص 630.

وفي مكان آخر:

"استعملوا صيغة الكثرة في القلة والعكس، وإذا كان هذا الاستعمال كثيرًا وشائعًا فإنه يكون من قبيل الاستعمال الحقيقي". (م.ن).

نحن لا نتقيد فقط بما ورد في القرآن الكريم، مع إجلالنا له وللغته، فثمة لغة الجاهليين وفصحاء العرب في عصورهم المختلفة، وقد ترد عبارات هنا وهناك لم تُذكر في الذكر الحكيم.

ثم إن جار الله الذي يخطّئ يقول لنا: " إذا لم نحدد العدد فيجوز استخدام القلة والكثرة: أقام في الخارج شهورًا أو أشهرًا". معنى ذلك فالمشكلة يحصرها باستخدام العدد، ويجيز الجمعين في غير ذلك.

وأخيرًا فقد وجدت في مادة ابن يعيش: (فصل جمع القلة وجمع الكثرة)- ص 224. (م.س)، تعليقًا للمحقق إميل يعقوب، يقول فيه:

"أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أن التفريق في الدلالة العددية بين جمع القلة وجمع الكثرة هو تفريق مصطنع، ورأى مجمع اللغة العربية في القاهرة أن الجمع أيا كان نوعه (جمع تكسير أو جمع تصحيح) يدل على القليل والكثير، وإنما يتعين أحدهما بالقرينة.
(انظر كتابَي المجمع: "في أصول اللغة": ج 3، ص 76؛ و"العيد الذهبي لمجمع اللغة العربية". ص 304."

يخاطب أبو نُوَاس الخليفة الأمين:

مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة
كأنيَ قد أذنبت ما ليس يُغفر

الثعالبي يشرح البيت في كتابه (نثر النظم وحل العقد- باب الاعتذار والاستعطاف، ص 119) فيعيد نفس التعبير (ثلاثة شهور).

وفي تصفحي لكتاب النُّوَيري: (نهاية الأرَب في فنون الأدب) وجدت الكثير من استخدام (3-10) مصحوبة بكلمة شهور.

ما رأيكم بعد ذلك؟