أشْجَارُ تفَّاحِي

، بقلم رامز محيي الدين علي

إني ذكرتُك وفي ذكرايَ أشجاني..
قد هاجَت الروحَ همومي وأحزاني..
ما لي أراكِ تسامرين اللّيلَ في كمَدٍ
كما تسامرُ مهجتي لوعةٌ لخلّاني..
أشجارُ تفّاحي أنا ما زلتُ أعشقُها..
عشقَ الطفولةِ في روضِ أحضاني..
أشجارُ تفّاحي إنّي ما زلتُ أذكرُها
مغروسةً في دمي وفكري ووجداني..
أشجارُ تفّاحي يا نهود طفولاتي..
فيكِ شقاواتي وشيءٌ من بطولاتي..

بهذه الأبيات المرتجلة بوزن أو دون وزن- ولستُ ممَّن يبالي بالأوزان- أبتـدئ بَوْحِي بحنيني إلى مهدِ الطفولة وملهى الصِّبا في ربوعِ قريتي التي تتربَّع عرشاً من عروشِ الجمال في وطني..
قريتي جنَّة من جنانِ الله تغفو بين أحضانِ الوديانِ.. ترتدي أبهَى الحُلل المطرَّزةِ بأشجارِ التفَّاح والتّين والزَّيتون والعنبِ والرُّمَّانِ..

للتّينِ نكهةٌ تُغنّيها زقزقةُ العصافيرِ.. وللزَّيتونِ حكايةٌ يرويها تغريدُ البلابلِ بين الجداولِ والحقولِ.. وللكرومِ رواياتٌ تردِّدُها ألسنُ المحاريثِ في قبضةِ الفلَّاحِ من رحِمِ السنين.. وللرُّمانِ ابتسامتُه حين تعشقُ ثمارُه إشراقةَ الصَّباحِ وتغفو حالمةً على خدِّ الأصيلِ..

لكنَّ أشجارَ تفَّاحي لها حكاياتٌ وقصصٌ ورواياتٌ وأشعارٌ تسيلُ فيضاً من الحبِّ على أغصانِ التِّينِ حينَ تعانقُها أغصانٌ من الزَّيتونِ.. وتستمرُّ حكايةُ العشقِ صامتةً حينما تغازلُها ذؤاباتُ عرائشِ الأعنابِ صانعةً تيجاناً من عروشِ الجمال..

من لا يعشقُ جمالَ الطَّبيعةِ لم يذُقْ طعمَ الهوى بربَّة الجمالِ.. جمالُ المرأةِ من جمالِ الطَّبيعةِ، وجمالُ الطَّبيعةِ من جمالِ الخالقِ.. ألمْ يقُلْ شاعرُنا العربيُّ يوماً:

ربِّي خلقتَ الجمالَ وقلتَ اتَّقوا
فكيفَ نرى الجمالَ ولا نعشقُ

والحياةُ جميلةٌ إذا نظرنا إليها بعينِ الجمالِ.. ولنا في فلسفةِ الحبِّ والجمالِ عند شاعرِنا المهجريِّ إيليا أبو ماضي عبرةٌ ومحجَّةٌ في الجمالِ:

كَم تَشتَكي وَتَقــــولُ إِنَّكَ مُعـــــــــدِمُ
وَالأَرضُ مِلكُكَ وَالسَـــــما وَالأَنجُمُ
وَلَكَ الحُقولُ وَزَهرُها وَأَريجُهـــــــا
وَنَســـيمُها وَالبُلبُــــــلُ المُتَرَنِّمُ
والماءُ حَـــــــوْلَكَ فضَّةً رَقـــــــــراقَةً
والشــمسُ فَوْقَكَ عَسْجَدٌ يتَضَرَّمُ
و النُّورُ يبني في السّفوحِ وفي الذُّرى
دُوراً مُزَخــــرفةً و حينـــاً يَهـدمُ
فكأنّـــــه الفنّــــان يعرض عابثا
آياتـــــه قــــــدّام مــــن يتعــــلّم
و كأنّه لصفائِــــه و سنائـِــــــه
بحــــرٌ تَعُــــومُ بهِ الطّيورُ الحُوّمُ
هشّت لك الدّنيا فما لكَ واجماً ؟
و تبسّــــمَتْ فعــــلامَ لا تتبسّــــمُ
إن كنتَ مكتئباً لعزّ قــــدْ مَضَى
هيهاتَ يُرجِـــعُه إليــــكَ تنــــــدُّمُ

نعم إنَّ الحياةَ جميلةٌ.. وكلُّ إنسانٍ منَّا غنيٌّ بطبعِه وطبيعتِه التي تحيطُ به.. وأقولُ لمن أبعَدتْهُ سيوفُ الجهلِ والقهرِ عن موطِنهِ: لا تحزنْ، فإنَّ الوطنَ لا يموتُ ولا بدَّ لكلِّ الغزاةِ أن يعبُروا، ولا بدَّ أن يجرفَهم سيلٌ عرِم.. وستعودُ الطُّيورُ إلى أوكارِها مهما ادلهمَّتْ ليالي الزَّمان..

ولا بدَّ أن نعودَ يوماً إلى أرضِنا وسمائِنا ونجومِنا وحقولِنا، ونستحمَّ بأشعَّتِها الذَّهبيَّةِ ونترنَّمَ على أنغامِ بلابلِنا وننْتشِي بأريجِ أزهارِنا ونتطَّهرَ في فضَّة جداوِلِنا، ونحلِّقَ بفكرِنا كما تحلِّقُ طيورُنا، ولا بدَّ أن تهشَّ لنا الدُّنيا كما هشَّت لمن لا يعـــرفُ طعمَ

الحياةِ، ولا بدَّ أن تبتسمَ لنا كما ابتسمَتْ لوجوهٍ لا تدركُ معنى الابتسامةِ، ولا بدَّ أن يعودَ عزٌّ سلبتْهُ منَّا كلُّ يدٍ آثمةٍ فاجرة!!

أنا لستُ متنبِّئاً ولا منجِّماً ولا فيلسوفاً.. أنا إنسانٌ علَّمتْني الأشجارُ معنى الحياةِ، ومنحتْني الطُّيورُ حرَّيةَ التَّغريدِ، وحبتْني الأزهارُ أريجَ المحبَّةِ، وصقلتْني أشعَّةُ الشَّمسِ بحرارتِها، وأرضعتْني الحقيقةُ لبانَهَا في وضحِ النَّهارِ، ووشَى القمُر إليَّ أسرارَ عشقِه الأبديِّ الذي يَجْري في عروقِي ما نبضَ خافِقي!

كلُّنا مهاجرٌ، وكلُّنا مُبْعدٌ عن أهلِه وأجملِ ذكرياتِه وتاريخِه.. بعضُنا من هاجرَ بحثاً عن لقمةِ العيشِ التي أضحَتْ سُمَّاً نتجرَّعُه.. فخسِرنا عمرَنا، ومالَتْ شمسُنا للأصيلِ، ولم نجنِ ثمنَ حبَّة عرقٍ من عرقِ جبينِنا.. ولم نجنِ سوى الحرمانَ والقهرَ والذُّلَّ والمهانةَ.. أضعْنا كلَّ شيءٍ: هويَّتَنا، ثقافتَنا، سعادتَنا، انتماءَنا إلى ذواتِنا..

وبعضُنا من شرَّدتْه حروبُ الغباءِ بينَ داحسَ والغبراءِ، وبينَ أبطالٍ صنعتْهم ذاكرتُنا المتخلِّفةُ، واقتتلْنا من أجلِهم.. فقُتلَ الأبرياءُ ورُحِّلَ الأنقياءُ وشُرِّد الأوفياءُ.. فلم يبقَ في ساحةِ الصِّراع إلا الأبطالُ الذين صنعتْهم ذاكرةُ التَّلقين والتَّدجين مدعومةً من شياطينِ بني قنيقاع على امتدادِ الكرةِ الأرضيَّة.. وتستمرُّ محنةُ الأرضِ والسَّماء.. ويضيعُ الوطنُ، وتحترقُ أشجارُ التُّفاحِ والتِّينِ والزَّيتونِ وكرومُ اللَّوزِ والجوزِ والعنبِ.. وتتشتَّتُ الأرواحُ في البحارِ وخلفَ المحيطاتِ.. ولا يظلُّ في الذَّاكرةِ إلَّا قصصُ ورواياتُ الحدائقِ والجداولِ والمعاولِ وتغريدِ البـلابلِ وزقزقةِ العصافيرِ..

يضيعُ الوطنُ بحثاً عن المناصبِ والمكاسبِ.. ويموتُ المواطنُ الذي من أجلِهِ خُلقَ الوطنُ، ومن أجلهِ سُخِّرتِ المناصبُ والمكاسبُ..

غبيٌّ من يظنُّ أنَّهُ وطنيٌّ من الطِّرازِ الرَّفيعِ وغيرُه خونَةٌ وعملاءُ.. وأغبى منهُ من يظنُّ أنَّه خليفةُ اللهِ على الأرضِ، قد كلَّفتْهُ السَّماءُ بنشرِ تعاليمِ السَّماءِ بالسَّيف وقوَّةِ السِّلاح.. فالدِّينُ، أيُّ دينٍ سماويٍّ أو أرضيٍّ، لم يُبعثْ بالقوَّةِ، بل دخلَ نفوسَ النَّاسِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.. والتَّاريخُ شاهدٌ على ما أقولُ.. فالشُّعوبُ التي قِيدَتْ إلى حظيرةِ الأديانِ بالقوَّة، خرجتْ من تلك الحظيرةِ بعدَ حينٍ من الزَّمان.. أو ارتدَّت وعادتْ إلى جاهليَّةٍ أقذرَ من جاهليَّتِها الأُولى!!

وأعودُ لأشجاري التي استوطَنَتْ ذاتي، وسكنْتُ في ذاكرةِ جذورِها ومشاعرِ أغصانِها وحديثِ وُريقاتِها.. أنا مواطِنٌ لا يملك سوى ذاكرةِ الأشجارِ والطُّيورِ والجداولِ والحقولِ.. قدْ تمرُّ عواصفُ الغدرِ لاقتلاعِنا من الجذورِ، ولكنَّنا سنبقى صامدينَ في ذاكرةِ التَّاريخِ، نقاومُ كلَّ حملاتِ البرابرِ والمغولِ والتَّتارِ.. أنا مواطِنٌ أُعشِّشُ في حقولي.. أنا مواطنٌ رضعتُ الوطنيَّة مذْ كنتُ رضيعاً من أثداءِ أرضي وكرومِي.. أنا مواطنٌ مفردٌ رضعتُ فلسفةَ الوطنِ من عرقِ جبيني.. أنا ثورةٌ على كلِّ من يُلقِي علينا دروساً في الوطنيَّةِ.. أنا ثورةٌ على كلِّ من يدَّعي أنَّه خليفةُ الله على الأرضِ!!