سَلْم الخاسر بين شاعرين

، بقلم فاروق مواسي

سَلْـم الخاسر شاعر عباسي، هو سلْم بن عمرو –وسبب تسميته "الخاسر" أنه باع مصحفًا واشترى به طنبورًا، وقيل وقع في قسطه من الميراث مصحف فردّه، وأخذ مكانه دفاتر شعر.
وفي رواية أخرى:

"لأن أباه خلّف له مالاً فأنفقه على الأدب، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة، فلقّب بذلك؛ ثم مدح الرشيد فأمر له بمائة ألف درهم، وقال له: كذِّب بهذا المال من لقّبك بالخاسر!

فجاء أهله بها وقال:

هذا ما أنفقته على الأدب، ثم ربحت الأدب، فأنا سلم الرابح لا سلم الخاسر.

(ابن المعتز: طبقات ابن المعتز، ص 99)

كان سلم مقرَّبًا من المهديّ ينشده الشعر فيُجيزه، ثم كان منقطعا إلى البرامكة، وهو من الشعراء الذين تكسبوا وغنموا وفيرًا من شعرهم، وأذكر أنني قرأت في مجلة (العربي) مقالاً قبل عقود أنه الشاعر الذي حُشي فمه ذهبًا، ومع الأسف لم أستطع أن أجد ذلك في مصدر أوثّقه.

كان سلم تلميذًا لبشار بن برد وصديقا لأبي العتاهية، ومع ذلك فقد نظم أبو العتاهية قصيدة حِكمية، وفيها يعاتب سلمًا، ويذكره باسمه الصريح- على حبه المال، ويحثه على ضرورة الزهد، يقول فيها:

تعالى الله يا سلمَ بنَ عمرٍو
أذلَّ الحرصُ أعناق الرجالِ
هبِ الدنيا تساق إليك عفوًا
أليس مصير ذاك إلى الزوال؟
فما ترجو بشيء ليس يبقى
وشيكًـا ما تغيّره الليالي

لكن سلمًا غضب، فعلّق أولاً عليه وعلى زهده فقال:

"ويلي على الزنديق جمع هو الأموال وعبّأ البدور (جمع بَدرة- صرّة المال الكبيرة) في بيته ثم تزهّد مِراءً ونفاقًا".

والشك في زهد أبي العتاهية ليس قاصرًا على سلم، بل هو وارد في كثير من المصادر، انظر مثلاً كتاب:

(محمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة، ص 301-303، حيث يورد آراء تظهر أن حياة أبي العتاهية لم تكن مطابقة لشعره).

أنشد سلم معرّضًا بزهد أبي العتاهية، فقال:

ما أقبح التزهيدَ من واعظ
يزهِّد الناسَ ولا يزهـدُ
لو كان في تزهيده صادقًا
أضحى وأمسى بيتُه المسجدُ
ورفضَ الدنيا ولم يلقها
ولم يكن يسعى ويسترفِد
يخاف أن تنفَـدَ أرزاقه
والرزق عند الله لا ينفَـد
الرزق مقسوم على من ترى
يناله الأبيض والأسود
كلّ يُوفَّى رزقَـه كاملاً
مَن كفَّ عن جهد ومن يجهد

يذكر صاحب الأغاني أن هذا الشعر هو للجَمّاز- ابن شقيقة سلم، وهو يدافع عن خاله (الأصفهاني: الأغاني ج4، ص 79)، لكنه ما لبث أن ذكر في مكان آخر من مؤلَّـفه:

"وأنشد الجمّاز قول سلم الخاسر في أبي العتاهية"- الأغاني، ج 19، ص 279.)

أما حكايته مع بشار فهي طريفة:

لما قال بشار قصيدته التي يقول فيها:

من راقبَ الناسَ لم يظفَـرْ بحاجته
وفاز بالطيّبات الفاتكُ اللهِـجُ

قال سلم قصيدة أدخل فيها معنى هذا البيت فقال:

من راقب الناس مات غمّا
وفاز باللذة الجسور

فقال بشار: "ذهب ببيتي، والله لا أكلت اليوم شيئًا ولا نمت"، واعترف أنه أخذ المعاني التي تعب فيها فكساها ألفاظًا أخفّ. وبالفعل فإن قول سلم: "من راقب الناس مات غمًا" أو "همًا" أصبح مثلاً شائعًا.

(الأصفهاني: الأغاني ، ج 19، ص 280)

وإليك حكاية ما جرى بينهما بعد ذلك- كما رواها صاحب الأغاني:

سأل بشار سلمًا- من قال هذا البيت:

من راقب الناس مات همًّا
وفاز باللذة الجسور؟

- "قال تلميذك وخرّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت في يده ثلاثًا، وهو يقول: لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره، ولا آتي شيئًا تذُمه. إنما أنا عبدك وتلميذك وصَنيِعتك. وهو يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنى قد سهرتْ له عيني، وتعب فيه فكري، وسبقتُ الناس إليه، فتسرقه ثم تختصره لفظًا تقربه به لتِزريَ علي، وتذهب بيتي؟

وهو يحلف له ألا يعود!

والجماعة يسألونه، فبعد لأي وجهد ما، شفعهم فيه، وكفّ عن ضربه، ثم رجع له ورضي عنه.

أقول: غريبة هذه القصة، فسلْم الخاسر كانت له مكانته عند الخلفاء وعند البرامكة، وحظي أكثر مما حظي به بشار عندهم، بل كان يوزع من صِلاته على من حوله، ومع ذلك يذلّ أمام بشار، فيضربه بشار وهو يستشفعه.

ثم إن بشارًا كان أكمه- الأمر الذي كان يصعّب الوصول إليه!!!