قصة بيت

، بقلم فاروق مواسي

فإنْ كُنْتُ مَأكُولاً فكُنْ خيرَ آكِلٍ
وإلاَّ فَأَدْرِكْنِي ولمَّا أُمَزَّقِ

هذا البيت من قصيدة قالها شأس بن نهار- الشاعر الجاهلي، وهو الملقب بالممزَّق (أو الممزِّق- بالكسر*)، وسبب اللقب أنه قال بيت شعر وردت فيه كلمة (أمَزَّق)، فبسبب اللفظة كان اللقب بفتح الزاي.

(المفضَّل الضبي: المفضَّليات – النص 80، ص299- تحقيق أحمد شاكر)

البيت من قصيدة خاطب فيها الشاعر عمرو بن هند ( ويقال: النعمان) ملك الحِيرة و قد همّ بغزو عبد القيس، فقال الممزق هذه القصيدة يستعطفه، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه، وقال له:

"لا آكُلُك ولا أُوكِلُك غيري".

من القصيدة:

فإن كُنْتُ مَأكُولاً فكُنْ خيرَ آكِلٍ
وإلاَّ فَأَدْرِكْنِي ولمَّا أُمَزََّقِ
أكَلَّفْتَنِي أدواءَ قومٍ تَرَكْتُهُمْ
وإلا تَدَارَكْنِي مِنَ البحرِ أغْرَقِ
فأنت عميدُ الدينِ مهما تقلْ يُـقَلْ
ومهما تضع من باطلٍ لا يُحقَّقِ

(الأصمعيات- 58، ص 166 تحقيق أحمد شاكر).

في كتاب الذهبي (سير أعلام النبلاء، ج 28، ص 200) ورد أن الخليفة المحاصر عثمان بن عفّان استنجد يوم الدار بعلي -كرّم الله وجهه- واستشهد في خطابه بهذ البيت المسئول عنه:
وقال الزبير بن بكار: "حدثني محمد بن الحسن، قال:

لما كثر الطعن على عثمان تنحّى عليٌّ إلى ماله بيَنْـبُع، فكتب إليه عثمان:

أما بعد ؛ فقد بلغ الحِزامُ الطُّـبْيَـين ، وخلف السيل الزُّبى، وبلغ الأمر فوق قدره، وطمع في الأمر من لا يدفع عن نفسه:

فإن كنتُ مأكولا فكن خيرَ آكل
وإلا فأدرِكني ولما أمزقِ"
(الطُّبْي : موضع الثدي من الخيل
الشأس اسم الشاعر يعني الغِلَظ من الأرض،
خلف السيل الزبى- في رواية أخرى: بلغ).

فما كان من علي إلا أن بعث بابنيه الحسن والحسين يحرسانه.

وردت الرواية في عدد كبير من كتب التراث، وذكرت مع البيت قصة الرسالة، وكان موقف علي كما يُتوقّع من فتى- "ولا فتى إلا علي".

ومع ذلك، فقد كنت قد قرأت قديمًا أن هناك من يشكك في القصة، لكنني لم أنجح في إيجاد أي مصدر ينفيها.

أما اللقب الممزَّق فهو الأشيع بسبب البيت وقولة "ولما أُمَـزَّق"،

لكن هناك من يجعلها اسم فاعل- بكسر الزاي، والسبب أن ابن شأس الشاعر- واسمه عُباد قال:

أنا الممزِّق أعراض اللئام كما كان الممزِّق أعراضَ اللئام أبي

(البكري: فصل المقال في شرح الأمثال-، ج1، ص 213)

هناك ألقاب لشعراء آخرين أوردتُ بعضها في هذا الكتاب- في مقالة "صنّاجة العرب- جولة مع اللقب".

للتوسع انظر:

(السيوطي- المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها، ج1، ص 434- باب من لقب ببيت شعر قاله؛
الجاحظ- البيان والتبيين، ج1، ص 374- 375)

في جولتي في المصادر حول هذا البيت رأيت أن المعنى ورد لدى أكثر من شاعرـ أذكر من ذلك:
العُجَير السَّلولي:

فإن أكُ مجلودًا فكن أنتَ جالِدي
وإن أك مذبوحًا فكن أنت تذبح

شاعر:

فإن أك مأكولاً فكن أنت آكلي
فبعض منايا القوم أكرمُ من بعضِ