بين يدي شيفرة بلال

، بقلم فاتن رمضان

المقال قراءة نقدية لرواية شيفرة بلال للكاتب أحمد خيري العمري

 

 

لا أتذكر أني شعرت بهذا التضارب ، أو تلك الدهشة الممزوجة بالوجع ، أو ذاك النهر الحزين الذي تدفق داخلي حتى هز نياط قلبي ، أو تلك الإرادة التي أسكنت روحي نبضاً ثائراً .. لا أتذكر أني عشت هذا قبل اليوم الذي تجولت فيه داخل رواية شيفرة بلال .

كان الكتاب هدية مميزة من صديقة غالية ، هدية تعكس ثقافة المؤلف أحمد خيري العمري الراقية ومدى رهافة مشاعره وسلامة ذوقه الأدبي ، الذي خلق عبره رواية إنسانية من الطراز الفريد ، ولا أبالغ إن قلت أنه عرى أقبح وأجمل المشاعر الإنسانية ومنحها روحاً وجسداً وألقاها بوجه القارئ الذي تنقل بين الحب والكراهية والوجع والشجن والصبر ، وأظن أنه لم يترك أي مشاعر إلا وعالجها .

الرواية رحلة عميقة من الإلحاد المطلق للإيمان المطلق ؛ تدور أحداثها من خلال علاقة بين فتى أمريكي عربي الأصول من جهة الأب ومؤلف روائي عربي الأصل ، كلاهما كان على موعد مع صخرته العتيقة التى ظلا طيلة الرواية يحارباها ، وتنضم أم الفتى للصراع لتواجه صخرتها بجانب صخرتهما مع وجود شخصية رابعة تربط الثلاث شخصيات وباقي أحداث الرواية ، هي شخصية الصحابي بلال الحبشي الذي كان سببا لتعريف الصبي بالروائي ؛ حين علم الصغير بعمل فيلم عن الصحابي الذي يحمل اسمه ولونه ويحمل للمؤلف أصوله الدينية ، فما كان من الفتى إلا أن يتصل بالمؤلف لسؤاله عن فيلمه ، وهنا تكن انطلتقة الرواية ، وكما حارب بلال الحبشي عبوديته وصخرته وتحرر منهما حارب المؤلف حبه المريض لفتاه أمريكية وإلحاده الذي كان مقتنعاً به حتى تحرر من قيده لرحابة الإيمان ، وعلى الطرف الآخر حارب الفتى الصغير صخرته ؛ فقاوم أشد أنواع السرطان ضراوة وانتصر عليه ليس بنجاته من الموت وإنما بتحرره من عبوديته فأطلق صرخته للعالم صرخة صغير يجابه بها الموت ويتصالح معه قبل رحيله ويستعير شيفرة بلال الحبشي كجواز مرور له ، (أحد أحد) شيفرة أنقذت كلاهما ، أما الأم فقد كانت لها صخرتها الخاصة في مقاومتها لمجتمع يظهر التحرر ويضمر العنصرية لأمثالها وحربها الداخلية في فقد ابنها بلال .

لغة الرواية لغة جزلة حية نابضة نجحت في نقل مشاعر الشخصيات وجسدت مواقفهم ، وقد اعتمد الكاتب على اللغة الفصحى مما أثرى الرواية ، وكانت رسائل بلال الصغير لوحات فنية لغوية راقية ارسلت رسائل رمزية للعالم كله بما يجب أن يكون عليه .

اعتمد الكاتب على تقنية الفلاش باك من وقت لآخر بما يخدم أحداث الرواية ، وكان مزجه رائعاً بين أحداث حياة بلال الحبشي وأحداث حياة بلال الصغير .

كان أيضا لاستخدام شخصية أمية مالك بلال الحبشي قبل تحرره أثر بالغ في أحداث الرواية فقد كانت لظلال تحديه أثر على شخصية بلال الصغير ؛ فأمية رمز قبوله للشر، وأمية هو السرطان ، وأمية هو الهزيمة ، وأميه هو مرض المؤلف ، وهو مدير لاتيشا( الأم ) العنصري وهو الصخرة التي وجب لبلال الحبشي مواجهتها ، وهو التحدي والاختبار له كي يقيس مدى موضوعيته وكى يفصل بين مشاعره الذاتية المتمثلة في الانتقام مما حل به وبين كراهته للشرك وحبه لنصرة دين الله . 

اقتصرت الرواية على أربع شخصيات رئيسية هم : بلال الصغير ، لاتيشا أم بلال ، أمجد المؤلف لرواية بلال الحبشي ، بلال الحبشي نفسه وقصته مع التحرر

كانت هناك شخصيات فرعية خدمت الرواية كصديقة أمجد وصديقة لاتيشا ورئيسها بالعمل وأصدقاء بلال بالمدرسة وسعيد أبو بلال الصغير 

ربط الراوي بين قصة بلال الحبشي وقصة جذور التى مثلت رحله تحرر العبيد بأمريكا وكان الربط رائعا وخدم النص الروائي

لم تستغرق أحداث الرواية سوى شهور مرض بلال الصغير، ولم تستهلك مساحات مكانية كثيرة ، مما منح الكاتب قدرة على التركيز على الأحداث بدلاً من التشتت وراء الأماكن المختلفة أو الأزمنة المتنوعة ، وكان لبلال الحبشي مساحات زمنية خاصة أدخلها الكاتب ببراعة بأحداث الرواية فكان ينتقل بين الماضي والحاضر بانسيابية رائعة.

موت الفتي كان رسالة قاسية لكنه كان أيضا رمزا للتحدي والمثابرة ، وخطابا مضمونه أن الموت ليس نهاية الوجود فكم من أحياء أموات وكم من أموات أحياء ، وأحيانا موت البعض رسالة حياة للبعض الآخر كما كانت حياة بلال الصغير سببا بسعادة امه وسعادة المؤلف ..

العنوان جديد وجذاب ويعبر عن الفكرة الأساسية للرواية ؛ فالشيفرة كانت جواز عبور بلال الحبشي للحرية التي أخذ يرددها( أحد أحد) بكل مواقف حياته التى استلزمتها ، وهى أيضا جواز مرور بلال الصغير لمصالحته مع مرضه ومجتمعه ، ومن ذكاء المؤلف أن يجعل بلال يغير كلمة سر مدونته لأحد أحد بنهايةالرواية ، وهكذا ربط بين خيوط الأحداث لتنتهي نهاية متوافقة مع البداية .

الرواية من وجهة نظري عودة قوية لقيمنا العربية الأصيلة التي افتقدناها في خضم الزخم الفكري الحالي الفاقد للهوية

ملاحظة

شكرا لصديقتي وللمؤلف ..