(ضميرٌ).. لا محلّ له من الإعراب

، بقلم جورج سلوم

- انصرمت ْ (ثلاثة ٌ وثلاثون) ليلة ً وما ماتوا؟!

هكذا قال الفتى...

قلتُ ساخراً:

- الصّواب أن تقول(ثلاثٌ وثلاثون َ) ليلة ً.

- عددهم يفوقُ الألف َ بكثيرْ؟!

- لا ..أظنّ أنهم أقلّ من ذلك.

- هه..معقولٌ ألا يرتعدَ العالمُ لأسيرٍ مُضربٍ عن ِ الطعام ...ولا ترتكس المنظّمات الانسانية؟

قلتُ:

- نعمْ... لقد ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بأخبارهم و(الموبايلات) تغلي... وهنالك الكثيرُ من المشاركاتِ والتعليقاتِ على تلكَ المواقع.

- أبي... إنّ الأمعاء َ الجائعة قد تلتهمهم.. تقتلهم... تقتاتُ بهمْ.

- نعم... فالمسيرةُ غنيّة ٌ بالشهداء ِ يا بنيّ...ولا تنس َ المؤتمراتِ الخطابية المساندة..
صخبٌ وغضبٌ ..وكلماتٍ رنّانة وتنديد..وصورٌ مرفوعة ٌ للأسرى على ناصيةِ الأمهات.. وجبينِ الزّوجات... فيهتزّ الضّميرُ العالميّ.. لا تقلق ْ يا بنيّ.

- أبي ..لقد قرأتُ في كتابِ العلوم ..أنّ طولَ الأمعاء الدقيقة (ثماني) أمتار والغليظة (مترين) ...أي أنّ. (آلاف الأمتار) من الأمعاءِ العربية أصبحت ْ خاوية.. وتنادي بالويلِ والثبور.

- يا بنيّ..أخطأتَ إذ قلت (....) والصوابُ (ثمانية) أمتار والغليظة (متران).. فهي مبتدأ وخبر..

- طيّب ولو صاحوا... (يا معتصماه)... ماذا سيحدث؟

- عدتَ إلى الخطأ... يجب أن يقولوا.. (وا معتصماه).!

- عندها سيهبّ العرب لنجدتهمْ.. ويأتي عنتر بن شداد.. والزيرُ المهَلهَلْ...

- لا يا بنيّ... أغفلتَ التاء المربوطة.. فهو (عنترة العبسيّ)... و (الزيرُ المهَلهِل) بكسر الهاء الثانية .
قال الفتى:

- ألا يجب أن يحدثَ ذلك قبل أن تلتفَّ عليهم الأمعاء ُ الجائعة ُ وتزدردهم وتخنقهم في (زنزاناتِ) اليأس؟

- آه يا بني.. جمع ُ (زنازين) متداول أكثر ... لأنها قد تحوي (جثامين).. على نفس الوزن .

أجابَ الفتى وقد فاض كيله:

- أبي ..مللتُ إصلاحاتكَ اللغوية... وكرهتُ ميزانك َ الشعريّ... وفاصلتك المنقوطة.. تستعمل كلمة (لا) كثيراً ..فهناك لا النافية والناهية والمزحلقة والنافية للجنس... كرهتُ ضميرك الميّت وضمائركَ المنفصلة والمتّصلة والمستترة ... جوازاً أو وجوباً.

ويعلو صوت الفتى:

- إياكَ يا أبي أن تقولَ لي... أعربْ ما يلي... بل.. قل... أعجم ْ ما يلي ..

- لا تيأسْ يا بنيّ.. فلن يضيعَ حقّ وراءه مطالبْ ...ألا تراني أنظمُ شعراً أخلّد فيه نضالاتهم ْ؟... لقد وصلتُ إلى البيت الخامس عشر من البحر الطويل..

- شعرك فارغٌ يا أبي ...كأمعاءِ الأسرى. وأجوف..(كمِعَدهم) التي تفرز الحموض لتهضمهم من الداخل ...فيصبحون أثراً بعد عين.

أقاطعهُ مبتسماً (لأخفف من انفعاله):

- عفواً ...جمعُ معدة هو (معدات)... متداولة أكثر!
فيضيف بغضبه الطفوليّ:

- وشعرك أخرس ..ولن يقرؤه أحد... وفمكَ مكمومٌ كأفواههم .. انشرْ شعركَ في سوق عكاظ... ليتداوله فرسان الجاهلية في صمتٍ ذليل ...كصمت الأسير المتضوّر جوعاً خلفَ القضبان ...
نصيحتي لك يا أبي...
اهجرْ الشعر ...وعُدْ إلى أرقامك... احص ِ الأسرى والشهداء... والجرحى والمخطوفين ...والمكلومين ..والثكالى والجياع والعطاش... سجّل مصروفك اليومي وما بقي من راتبك الهزيل لآخر الشهر ..احسبْ كم يوماً عشتَ فيه كريماً ..أو فقيراً ..أو حتى حقيراً... اجمع... اطرح.. اضربْ.. قسّم... ارقص.. افعل ما شئت.. ولكن إياكَ أم تقولَ لي بعد اليوم... (أعرب) وأعرب ما يلي..
لأنّ الفاعلَ في حياتنا أصبحَ محذوفاً ..وهو ضميرٌ مستترٌ وجوباُ يعود ُ إلى غيرنا ..ونحن فقط مفعولٌ به ومفعولٌ فيه ولأجله... في ظرف زمان وكلّ مكان.!

نحن نكرة... وعراةٌ عن أل التعريف... وحالنا يُرثى لها... والتمييزُ عندنا مكسورٌ ومستثنى بإلا... وضميرنا نائمٌ وغائبٌ ومستترٌ غصباً أو طوعاً... ومنفصلٌ عن الواقع.. أما صوتنا في العالم.. فلا محلّ له من الإعراب.