مبارك جلواح رائد الشعر الرومانسي في الجزائر

، بقلم إبراهيم مشارة

أنا عربي أمجد من جنسي
أنا عربي أفدي العروبة بالنفس
أنا مسلم المبدأ جزائري الحمى
أنا بلبل الفصحى المقدسة الجرس

شاعر فذ صاحب خيال جامح وصور شعرية بديعة ولغة سلسة طيعة رقراقة وفكر متحرر عياف للقيود لم يتهيأ له من الشهرة وذيوع الاسم ما تهيأ لغيره من مجايليه مع أنه يفوقهم في ملكة التصوير والبيان والخيال، صاحب حظ منكود وهو ليس بدعا من الشعراء الكبار الذين غمطهم النقاد حقهم وبخسهم الإعلام نصيبهم من الذكر فأنت تجد في الكويت شاعرا بديعا مات نكرة وحيدا هو فهد العسكر(1917/1951) ولو أن الكويت أعادت للشاعر اعتباره مؤخرا وتجد في سوريا عبد الباسط الصوفي(1931/1960) وفي مصر صالح الشرنوبي(1924/1951) وغيرهم كثير لا يتسع هذا المقال لذكرهم وإنما هي فائدة تذكر وإشارة لابد منها فمن قديم والظلم يطال كثيرا من النابغين في الشرق والغرب ولا يكاد المرء يجد لهم ذكرا أو أثرا إلا بعد كبير عناء في حين اشتهر أو ذاع من هم أقل نصيبا من الشاعرية ومن ملكة التصوير والبيان حظ سعيد لهؤلاء وحظ منكود لأولئك.

ولولا أن الصحفي الأستاذ عبد العالي رزاقي كان يحتفظ بنسخة مخطوطة لديوان مبارك جلواح الموسوم "دخان اليأس" سلمه لأستاذه المرحوم عبد الله ركيبي الذي كان يدرسه الأدب الجزائري الحديث في الجامعة في أوائل الثمانينات فأعد الأستاذ دراسة وافية عنه انتشلت اسم الشاعر من دوامة النسيان وهاوية الضياع.

ولد مبارك جلواح بقرية بني عباس قرب أقبو سنة1908 أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر ونشأ كبقية الجزائريين في بيئة متدينة محافظة فقد قرأ القرآن الكريم على والده وتلقى علوم العربية والدين فتشربت نفسه حب الوطن والذود عن حماه والتعلق بالعربية بالرغم من أمازيغيته والتدين بالإسلام عقيدة وسلوكا ولما شب واستتم قوته أدى الخدمة العسكرية عام1928 بالجزائر والمغرب.

لما تأسست جمعية العلماء المسلمين اتصل الشاعر بالشيخ عبد الحميد بن باديس وتأثر بمبادئه الإصلاحية فشعار الجمعية كان " الجزائر وطننا والإسلام ديننا والعربية لغتنا" وقد صادف هوى في نفس الشاعر فانخرط في الجمعية وانتدب الشاعر للإشراف على تعليم العربية للعمال الجزائريين بفرنسا ولم شملهم على مبادى الإسلام والوطنية والهوية الأمازيغية العربية حربا عوانا على محاولات فرنسا طمس هذه الثوابت في الجزائر وفي نفوس العمال المغتربين في فرنسا بحثا عن لقمة العيش لإعالة أسرهم الفقيرة في البلد فقد استأثر المعمرون بكل شيء وتركوا للسكان الأصليين المرض والفقر والجهل وقد كان وضع العمال في فرنسا صعبا فهم محدودو الثقافة وبعضهم لم يحالفه الحظ في تعلم الأبجدية ومارسوا في فرنسا أشق الأعمال وعاشوا حياة الضنك والمشقة والتعاسة ولكن لا بأس مادام العمل هناك هو المورد الوحيد لإعالة أسرهم في البلد.

من أجل ذلك رأت الجمعية أن من الواجب الاتجاه إلى هذه الشريحة المهمة والكثيرة العدد ولم شملها في مدارس ونوادي تتلقى فيها مبادئ الدين وقواعد العربية وأساسيات الوطنية وكان شاعرنا ممن انتدبوا لهذه المهمة النبيلة جامعا بين التعليم والعمل.

كان الشاعر نشيطا لايني يعمل وينظم الشعر الذي تهيأت له فواتحه ولا يني يقرأ لفحول الشعراء العرب حتى تستقيم له اللغة وتتغذى قريحته بجيد المنظوم والمنثور وتزيده معالم باريس الجميلة بزهورها وأشجارها وأطيارها وحسناواتها ومرابع الفتنة فيها تعلقا بالجمال شأن كل الشعراء فتتفتق القريحة ويجري القلم ويتراكم الإبداع نصوصا جميلة حية فاتنة خليقة بالإعجاب والتأثير وقد لعب الشاعر دورا في بث الأفكار الإصلاحية بين الجالية الجزائرية وكذلك نشاطه في جمعية التهذيب وقد كان الشاعر يشرف عليها ويسيرها وقد تأسست هذه الجمعية سنة1936 لكن الشاعر وفي ريعان العمر وميعة الصبا وتحديدا سنة1943 عثر علية جثة طافية على نهر السين فمن قائل أن الوطنيين الفرنسيين الذين كانوا ينظمون المقاومة ضد جيوش هتلر المحتلة لفرنسا هم الذين قذفوه في نهر السين لأن الشاعر كان متعصبا لهتلر نكاية في الفرنسيين الذين احتلوا وطنه الجزائر ومن قائل أن إمام مسجد باريس قدور بن غبريط المعروف بعمالته للاستعمار هو من أوعز قلب الفرنسيين على الشاعر فقتلوه غرقا في السين غير أن الرأي الأرجح والأصوب هو انتحار الشاعر يأسا وغما والأدلة على ذلك كثيرة وليس بدعا أن ينتحر شاعر عربي مسلم فقد انتحر صالح الشرنوبي عام 1951 الذي أثنى العقاد على شاعريته وتنبأ له بمستقبل شعري واعد كما انتحر الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي في كوناكري بغينيا عام 1960 وقد كان منتدبا لتدريس العربية هناك وانتحر منير رمزي عام 1945 زميل الروائي المصري إدوار الخراط وخليل حاوي الشاعر اللبناني الشهير عام 1982 وفخري أبو السعود عام1940 زميل زكي نجيب محمود على مقاعد الدراسة والشاعر البديع أحمد العاصي الذي وضع أمير الشعراء أحمد شوقي مقدمة لديوان انتحر عام 1930 والحق أن انتحار الشعراء لا يحدث فجأة بل هو كالجنين ينمو شيئا فشيئا مع مشاعر الوحدة والكآبة والانطواء والتبرم بالحياة والضيق بالناس واضطرابات نفسية قد تصل حالة الوسواس القهري أو الفصام أو الكآبة الحادة والتي لا ينجح الإدمان ولا الحبوب المنومة أو المهدئة في معالجتها فيأتي الموت الإرادي واضعا حدا لهشاشة تلك النفوس وعدم طاقتها على مغالبة الألم النفسي ونجد في أشعارهم كلمات دالة على الموت مثل: الرماد، الرحيل ،الغروب،بيدر الجوع ،الهوة ،الوداع، الحفرة الظلام......إلخ وذلك ما نجده في شعر الشاعر مبارك جلواح فديوانه حمل عنوان دخان اليأس وهما كلمتان منذرتان بالويل والهلاك وفي كثير من قصائده التي صرح الشاعر فيها برغبته في الانتحار.

فكيف نوفق بين قولنا شاعر متدين انتدبته جمعية العلماء للتدريس في مدارسها وشاب سليل أسرة محافظة متدينة قرأ القرآن الكريم على والده ينتهي هذه النهاية الني لا ينتهيها عادة أمثاله؟

والجواب سهل ميسور وفي حياة الشاعر وبيئته التي نشأ بها والتي هاجر إليها وطبيعة الشعراء الناقمة الحالمة الرافضة للانسجام مع الواقع والعيش بعقلية القطيع ورفضهم للقيم المادية ونزوعهم إلى المثالية وغلبة الوجدان وفوران العاطفة وعدم احتكامهم إلى مبادئ العقل والمنطق ما يجعل الشاعر عرضة للأمراض النفسية المستعصية قد تنتهي بالانتحار وفي الشرق والغرب قائمة طويلة بأسماء شعراء انتهوا انتحارا.

فقد نشأ الشاعر نشأة متدينة في بيئة محافظة ولكنه شاعر يحب الحرية ومباهج الحياة وأول مظهر من مظاهر البهجة المرأة معقد السحر ومهوى الأفئدة في قدها المياس وعينها النجلاء وشعرها المتموج وأسنانها العاجية ونظرتها الموحية وحديثها العذب ما يجذب الشاعر إلى باحة الحب والعب من منهله والاكتواء بناره في ذات الوقت ولكن البيئة متدينة محافظة لا تسمح بهذا فالشاعر مخير بين الكتمان والبوح ولكن شيطان الشعر لا يسمح بالكتمان بل بالبوح في قصائد بديعة لا يرضاها الذوق العام مما يجلب سخط العائلة وسخط المحيط وقد كان الشاعر عرضة لذلك خصوصا وأنه متزوج وأب لبنت. وقد فشل الشاعر في حبه الذي تعذب به مع امرأتين الأولى بالجزائر ماتت في ريعان العمر فبكاها الشاعر بالدمع الهتون وتحسر على رحيلها سهادا وعبرات حارة وقد قال لما وقف على قبرها:

هنا بين الدوح والزهرات
غسلتك قبل الدفن بالعبرات
هنا راعني فيك القضاء بضربة
فقدت فؤادي بعدها وحصاتي
أيا أملي هل أنت تعلم زورتي
وتسمع لي من تحت ذا الصخرات؟
وكيف وجدت السابقين من الورى
أفي غفوة أم في وطا الفجوات؟
مرادي أن تدري بما بت أشتكي
وراءك من الويلات والنكبات

والثانية لعلها كانت فرنسية كان يلقاها في باريس ويزور معها مغانيها ولكنها تركته وكان آخر لقاء بينهما بكتدرائية" ساكري كور" في الدائرة الثامنة عشر:

وداعا غرامي قد يئست ومن تخب
دواما له الآمال في الحب ييأس
فأول حبي في سما (مستغانم)
طوى نجمه الهجران في جنح حندس
وآخر حبي قد فقدت هلاله
باريس في حي (الفؤاد المقدس)

تعلق الشعراء بالجمال وبالمرأة شيء طبيعي حتى لو كان الشاعر متزوجا فالسياب كان متزوجا وعشق كثيرا من النساء حتى الممرضة التي كانت تمرضه في المستشفى الباريسي.

إن الحب والمرأة في صدودها واقترابها محور هام في حياة الشعراء وفي إنتاجهم بل إن الحب بنشوته وناره وقود للإبداع وأجنحة يحلق بها الشاعر في سماء الشاعرية ويسابق بها الريح.
ولم ينس الشاعر البنت التي أنكرته بعد طول غياب حين عاد إلى الوطن فاسمعه يقول:

ولي بنت غداة البين كانت
بظل المهد تصطخب اصطخابا
ولما جئتها فرت سراعا
وقد أرخت من الخفر النقابا
تقول هجرتني دهرا ومالي
ذنوب أستحق بها العقابا
فقلت ابنتي عفوا فإني
أب ذو رحمة إن زاغ نابا

لقد تزوج الشاعر امرأة جزائرية اختارها له أهله وما كان في مكنته أن يعترض هي أم ابتنه يراها لماما وربما كانت غير متعلمة لم تجد هوى في نفس الشاعر الذي يتعشق الجمال وفق مقاييس معينة فحق عليه قول الشاعر المصري صالح جودت:

لا تسأليني كم عشقت فإنني
كان الهوى روضي وقلبي طائر
لكن جوعا للجمال ألم بي
فمضيت في نهم الذئاب أغامر

وقد جلب على الشاعر الحب والتغي به الأقاويل وقد كان هذا أحد بواعث ألمه خاصة ونظرة الناس ورجال الجمعية دينية جادة لا تسمح بمثل هذا.

وأما الأمر الثاني فهو طلب الشاعر للنشوة التي تتيحها الخمرة فهي كما قال وليم جيمس تنمي في النفس قابليات صوفية وتشل فيها الديدان الماصة للحيوية فتغدو النظرة مركزة مندغمة في الوجود فالذات والموضوع واحد ولكن الخمرة محرمة شرعا وتعاطي الشاعر لها من حين لآخر سيزيد في عزوف الناس عنه وفي سخط أسرته ورجال الجمعية وهذا مبعث ألمه الثاني.

وأما الأمر الثالث فهو الجحود والنكران وعدم الاحتفاء به في حين احتفي بشعراء أقل قيمة منه على الرغم من إشادة الشيخ البشير الإبراهيمي بشاعريته وانتقاده في بعض عثراته اللغوية وأخطائه العروضية ولكنه رأى نفسه رائدا للرومانسية في بلده لم يوف حقه من الاحتفاء والاهتمام فتضاعف الألم وتضاعفت الحسرة والكآبة ،عذاب الحب وكلام الناس وخمود الذكر وتأمل اعتزاز الشاعر بأناه وتشبيهه نفسه ببلبل الفصحى ولتكراره لكلمة (أنا) أربع مرات في البيتين اللذين أثبتناهما تحت عنوان المقال وليس لذلك معني سوى اعتقاد الشاعر أنه فارس الكلمة ورائد البيان في مضمار الشاعرية، كما أن صعوبة العيش في باريس في الأربعينات وألم الغربة والحنين إلى الأهل وإلى الخلف مشاعر معذبة هدت عافية الشاعر الجسمية والنفسية انتهت به إلى الرحيل الإرادي.

وهناك إشارة في إحدى قصائده إلى إصابته بمرض خطير مستعص على العلاج ولعله السل فقد هلك شعراء كثيرون به أو مرض آخر ولكنه رأي نزيده في جملة الآراء التي نجعلها أسبابا تراكمت فعجلت بمنية الشاعر بإرادته:

هرمت لو أبلغ ثلاثين حجة
ومن يلق ما ألقى بذا العيش يهرم
هوان وضيم واغتراب وفاقة
وداء وبيل قد توطد في دمي

قال أخوه:( أما بعد انتقاله إلى فرنسا فعلم ما عسى طرأ على أخلاقه وسلوكه عند الله الذي قضى عليه أن يموت منتحرا بعيدا عن أهله وولده وأن يدفن في تربة غير تربة بلده ووطنه وقضى مرارة فراق من يعز عليهم إلى الأبد ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
لقد دفن الشاعر بمقبرة بوبيني الإسلامية بالضاحية الباريسية وحاولت زيارة قبره والترحم على روحه ولكنني في غمرة انشغالي وقصر الوقت لم أتمكن من العثور على المقبرة ناهيك عن القبرغير أني ترحمت على روحه من الجسر الذي يفترض أنه ألقى بجسمه العليل النحيل منه إلى نهر السين ويأتي هذا المقال تحية له وإبرازا لمكانته وقيمته الشعرية كشاعر فحل فذ خليق بلقب رائد الرومانسية في الجزائر مثل الشابي في تونس.

اقرأ شعره في التخطيط لموته انتحارا غرقا:

ذره يرن بضوء ذا السحر
مالي سمير غير ذا الوتر
إني سئمت من الوجود ومن
حمق المسا وغباوة البكر
وسئمت من كيد الحياة ومن
إحن القضا وضغائن القدر
ومن التعاسة أن يفارقني
هذا الترنم غير منتحر

وفي قصيدة أخرى يزور السين ليلا ملتمسا عنده العزاء فلم لا يلقي بجسده ويستريح من الألم والوحدة والكآبة:

ياسين جئتك في ذا الليل ملتمسا
بعرض لجك إخمادا لأنفاسي
خل القلى جانبا وابسط إلى كبد
حرى وقلب معنى راحة الآسي
فإنني لا أرى في غير مائك ما
به تطهر أوضاري وأرجاسي
ولا أرى في سوى تلك الموائج من
حمى أحتمي من دهري القاسي

وهاهو تخيل نفسه مات واختفى في رمسه يوصي الواقف عليه :
فالأساس عنده لمن زارهذا القبرملتمسا**علما بخطبي من ذي فضل في الناس

عزاؤكم يا كرام إن صاحبكم
قضى ضحية إخلاص وإحساس

نعم، الموت هو المخلص من وهدة الآلام وعثرة الحظ المنكود وليل الأحزان:

ياهجعة في الرجام
لأنت كل المرام
لأنت أرحم آسي
يرجى لضمد كلامي
يا موت هذا زمامي
ياموت خذ بالزمام
إني سئمت حياتي
في ذي الدنيا ومقامي
تبا لها من حياة
محشوة بالسقام

ومن عادة الشعراء التغني بالوطن كما يتغنون بجمال المرأة فالأرض والمرأة وجهان لعملة واحدة يخرج الشاعر من رحم المرأة كما تخرج الأرزاق من رحم الأرض وتلهم المرأة بعينيها الكحيلتين وخدها المورد وساقيها المرمريتين وشفتيها الكرزيتين كما تلهمه زهور الأرض وحشائشها وأشجارها وأطيارها فكلاهما واهبان للحياة رحم المرأة ورحم الأرض وجمال هذه وسحر تلك.
وفي شعر الشاعر تغنى بوطنه الواقع تحت قبضة الاستعمار ونير العبودية ويتمنى خلاصه منها بطرد المستعمر وطلوع شمس الحرية حيث يعيش الناس سواء في كنف العدل والأخوة والمساواة تشرق فيه الشمس على الجميع وينعم الكل بقمحه وورده وفجره الوردي:

جزائر الغد ما أبهاك في ناظري
من صورة تستبي عقل الفتى الأرب
كم تسفرين عما في مخيلتي
سفور شمس الضحى من برقع السحب
ترى تسالمني الأيام يا أملي
حتى أراك كما أهواك عن كثب؟
حتى أراك بأفق المجد ساحبة
بين الدراري ذيول التيه والعجب
إني أحبك حبا لا أكيفه
وهل يكيف مسرى الروح في العصب
أنت الحياة ومالي في الوجود سوى
سطوع نجمك من سؤل ومن أرب
فالله يحييك في عز وفي شرف
ومن يحبك في يمن وفي طرب

لغة الشاعر سليمة رقراقة تأثير القرآن الكريم ظاهر عليها وثقافته العربية الإسلامية فيها شيء من المحافظة على الرغم من بعض سقطاته اللغوية والعروضية وقد أشار إلى ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي: (الأستاذ مبارك جلواح شاعر وجداني رقيق،له نبرات مشجية في التفنن بمحاسن اللغة العربية ومفاخر السلف والأمجاد،تغمره روح جزائرية قومية مكن لها في نفسه نقاء النشأة والتربية وذكاء العرق والقبيل قليل العناية بالصقل والتمحيص ومن هنا جاء ما يرى في شعره من إسناد بعض الكلمات إلى ما لا يلائمها ومن عدم الانسجام في بعض القواعد وراخى نفسه على إجادة السبك بممارسة كلام الفحول لكان منه للجزائر أي شاعر). وهذا لا يعيب الشاعر فقد كان عصاميا ولد في بلد احتل من قبل مستعمر أروبي حارب هويته اللغوية والدينية وأغلق مدارسه ثم عاش في باريس حيث اللغة هي الفرنسية يومه للكد والكفاح جلبا للرزق وليله للقراءة أو التعليم وقد كانت هذه حال إيليا أبي ماضي العصامي الذي أخذ عليه طه حسين هنات لغوية وهذا لم ينقص من قدر الشاعر فلم يتعلم بالأزهر ولا بالجامعة المصرية ولا بكلية دار العلوم ومع ذلك هو مبدع"الجداول والخمائل" و"تذكار الأمس" وفي شعر مبارك جلواح بروز واضح لمسحة الألم شأن الرومنسيين حتى لكأنهم يرحبون بالألم ويمجدونه لأنه معراجهم إلى سماء العبقرية ألم يقل موسيه : "لاشيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم"؟ ثم مجد الألم الشاعر إلياس أبو شبكة:

اجرح القلب واسق شعرك منه
فدم القلب خمرة الأقلام
وإذا أنت لم تعذب ولم
تغمس قلما في قرارة الآلام
فقوافيك زخرف وبريق
كعظام في مدفن من رخام

وهي خصيصة يتشارك فيها كل الرومنسيين والحب حاضر فيما يخص المرأة وهو يحتل أغلب قصائد الشاعر والانعتاق والحرية سمة الشاعر وله خيال خصب وصور بديعة لا تكلف فيها ولا تقليد شأن الشعراء المبدعين المتوحدين مع الطبيعة بين أشجارها وأطيارها ووردها وله وقفات تأملية في حقيقة الحياة والموت والخلود والزمن وبؤس النابهين وتفاهة الحياة وسطحية الناس وتعلقهم بالمادة وغير ذلك وهو ككل الرومنسيين المجددين ينوع في الموسيقى الشعرية بين الأبحر الطويلة المشهورة كالطويل والبسيط والكامل والأبحر الخفيفة الإيقاع كالخفيف والمتقارب ويستخدم المجزوء تارة أخرى.

وأخيرا إننا نضعه على رأس شعراء الجزائر في القرن العشرين قبل أحمد سحنون ومحمد العيد آل خليفة والربيع بوشامة وعبد الكريم العقون ورمضان حمود فقد فاقهم في الشاعرية وحسن السبك ورقة الشعور وروعة الصورة وعدم التكلف وعدم طغيان المسحة الدينية على الصورة الشعرية ثم المسحة الرومانسية التي لازمته طفلا وشابا مناضلا وشاعرا عاشقا وأبا فهو حقيق بريادة الشعر الجزائري وإعادة الاعتبارله من مسؤولية الجامعة ومن مسؤولية الكتاب والنقاد والدارسين ومعدي الشهادات العليا.

رحمه الله في رقدته الأبدية بمقبرة بوبيني الإسلامية إلى جوار كاتب شاب تونسي الجنسية جزائري الأصل هو محمد العريبي الذي انتحر بالغاز مع رفيقته عام 1946. وهذا المقال تحية لذكراه وإعادة اعتبار لقامته الشعرية فمرتبه في الشعراء الكبار والخالدين.