الطبيب والعنكبوت

، بقلم جورج سلوم

لا أدري لماذا كرهتْ نفسي دوامَ العيادة لهذا اليوم....مشيتُ بتثاقلٍ، ركبتُ الباصَ... وحتى بعد أن اكتمل عدد الرّكاب وأدار السائق المحرّك....

حبست ُ ضمن حنجرتي بضع َ كلماتٍ كادت أن تتدلى من فمي:

- لا أريد أن أداوم في العيادة هذا اليوم!

وحتى الباص....الباص أيضاً...شعرت ُ أنه لا يريد أن يداوم اليوم...وتراءى لي نحيبهُ ونشيجه وكأنه يقول:

- لا أريد أن أعملَ اليوم.

فتحتُ باب عيادتي الخجولة المرميّة عند ناصية القرية...وجلستُ خلف طاولتي المغبرّة التي انتشرت على سطحها كتبٌ وجداول بأسماء بعض الأدوية وفناجين قهوة فارغة و أشياء أخرى..وانتظرت ُ....لا شيء....ثم لا شيء...وبعد ذلك لا شيء.......ولا أحدْ.

عيادتي جائعة..وفارغة..كقلبي

لكنها حبلى بالكتب التي لم أفتحها منذ زمن..

عيادتي صومعة لراهبٍ ناسك نأى بنفسه عن الناس.. لكنه لم يتعبدْ ربّه بل استسلم لشياطين الشعر..وتحوّل من طبيب إلى شاعر.

فالطبيب يشكو نقص المراجعين..والشاعر يشكو نقص القارئين..

استسلمت ُ لإغفاءةٍ قصيرة صحوتُ بعدها على حكّةٍ معنّدة في الأذن، مددتُ يدي أنكشُ أذني....فإذا بمادة ٍ دبقة تعلق بها...

- إنّه...إنه عنكبوتٌ حاول اصطيادي...

ومد ّ شبكته اللزجة إلى أذني بجسارة....

- حتى عنكبوتُ عيادتي يشكو نقص الفرائس...

للمرة الأولى في حياتي لم أشعر بالاشمئزاز من حشرة ٍ كريهة المنظر كالعنكبوت....

حملته برفق.... ووضعته بين دفتي كتابي وأخذت أداعبهُ بقلمي...وجّه نحوي كلابتيه الأماميتين وحرّكهما في الهواء علامة التحيّة...ابتسمتُ وقد مرّ في خاطري طيفٌ من الأفكار...
ثم قلت له:

- لا تخجلْ أيها الصديق...عنكبوتٌ أنا مثلك... وحتى زملائي الأطباء كلهم عناكب.

لطمَ العنكبوت رأسه بكلابته اليمنى وأظن انه رفع حاجبه مستفهماً... وازدرد لعابه.... وقد يكون مط ّ شفتيه علامة الاستغراب.

واستطردتُ قائلا:

- لقد أتيتُ من مدينتي، ثم نصبتُ شبكتي هنا في هذه القرنة من الريف منتظراً اصطياد مريضٍ ما...وحتى شبكتي لا تقل دبقاً أو لزوجة عن شبكتك... فاللوحة التي أضعها على باب عيادتي مدّعياً قدرتي على شفاء كل علّة.. لهي والله قمّة الدّبق... وأما شبقي للافتراس فلا يقلّ عن شبقك... فما إن ألتقط َفريسة ما حتى آمرها بخلع كل ما يغطّي جسدها من دروعٍ أو ملابسَ تحميها ثم أفرض عليها الاستسلام والخضوع فتستكين للأمر راضية بنزول القضاء والقدر...وهما الكلمتان اللتان طالما نلجأ إليهما نحن _ معشر الأطباء _ عند الفشل والعجز.

ثم أطبقُ عليها مستعملاً كل ما توصّل إليه الطب من أجهزة وأسلحة ذات أنابيب طويلة ورؤوس مدبّبة ومجسّات قريبة جداً من مجسّاتك وكلاّبات قد يكون جدّي أبو قراط قد سرقها من أجدادك.

- أي عزيزي العنكبوت... لا تؤاخذني.. أتلفتُ شبكتك بينما شبكتي لا تزال تعمل.. لذلك سأترككَ تعيدُ بناءها بينما أقوم أنا لألتهم فريستي..فبابي الآن يُقرع ولاشك أن أحد المرضى قد وقع في المصيدة.