حرّروا الحرية والحرية تقوم بالباقي

، بقلم حسن عبادي

يواجه الأديب العربي ثالوث المسلمات المقدس: السياسة، الدين والجنس، ذلك الثالوث الذي يقيّد حريّته الإبداعية، حيث تَعتبر الدولة صوت المثقف المعارض صوتًا محرّضًا ضدها، فتلاحقه وتقمعه جسديًّا وفكريا فتصادر كتبه وفكرِهِ وقد يتعرض للاعتقال والسجن والتعذيب، وإلى المنفى، ناهيك عن فقدان مكان العمل والحرمان الديني والاجتماعي، ولم تُستثن المرأة من تلك الملاحقات.

صدق بسام البغدادي حين قال:" حرية التعبير حقك في قول ما يعجبك وحق الآخرين في قول ما لا يعجبك".

يُعنى أدب السجون بتصوير الحياة خلف القضبان وخارجها، كما يناقش الظلم الذي يتعرض له السجناء، والأسباب التي أودت بهم إلى السجن، حيث يقوم السجناء أنفسهم بتدوين يومياتهم وتوثيق كل ما مرّوا به من أحداث بشعة داخل السجن، فهو إذا صح التعبير، "رواية السيرة الذاتية".

يُعنى أدب السجون بالأساس بالمواطن المقموع، وأبرزهم السجين السياسي المثقف الذي يسعى إلى التغيير، كما ورد في كتاب "شرق المتوسط" للروائي السعودي عبد الرحمن منيف ويمكن لها أن تعتبر أول رواية عربية تنتمي لأدب السجون، وبفضلها تجرّأ الكتّاب على التطرّق لهذا النوع من الأدب، حيث تلاها سيل من الروايات التي تُصنَّف تحت أدب السجون. تناقش الرواية الاعتقال السياسي، والقمع في الدول العربية دون تحديد أسماء أو مدن، لذلك كل عربي يقرأ هذه الرواية أياً كانت جنسيته، يشعر وكأنها تتحدث عن بلده، فالقمع هو الشيء الوحيد الذي يجمعنا، هو علامة عربية فارقة مطبوعة على جبين كل المدن، معلّقة على أبواب البيوت، موجودة في كل مكان، في الشوارع، البيوت، الغرف، وقد تجدها في جيوبنا أيضاً، وتلتها روايات كُثُر في شتى البلدان العربية نتيجة المعاناة والكبت الفكري والجسدي ومصادرة الحريّات، فيقال فيها وبحق الداخل مفقود والخارج مولود.

كتب أدب السجون أيضا، من رصدوا تجارب سجناء عرفوهم. "تلك العتمة الباهرة" كتبها طاهر بن جلون، وهي رواية تتحدث عن معتقل "تزممارت"، تروى مأساة أحد السجناء الذين تورطوا في انقلاب الصخيرات، وهو السجين عزيز بنبين، الذي قضى عامين في السجون المغربية، ثم نُقل إلى جحيم تزممارت ليقضي فيه 18 عاما آخر و يوثّقها هذه المرة طاهر بن جلون، فبعد خروج عزيز من سجنه ذهب إلى بن جلون وأدلى له بوجعه ومأساته، طالبًاً منه توثيق هذه الأحداث بقلمه، وبالفعل جسدها بن جلون بشكل لا يُصَدق ومن شدة تأثر بن جلون بما حدث لعزيز، ذكر أنه كان يرتجف ويتصبب عرقاً وهو يكتب الرواية، وكانت تعتريه لحظات من البكاء الهيستيري جراء الآلام النفسية التي تعرض لها عزيز ومن معه.

يبقى السؤال مفتوحًا حول تعريف أدب السجون – هل هو أدب كتبه سجناء؟ أم أبطاله سجناء؟ أم عالم السجن هو محوره وموضوعه ومادته؟ فهناك من كتب عن السجن دون أن يُعتقل أو يُسجن يومًا واحدًا وهناك الكثيرون من السجناء كتبوا الرواية أو الشعر أو القصة القصيرة وراء القضبان دون تجربة سابقة ودون دراية بالكتابة وفنّها فأبدعوا.

ظهر أدب السجون كنتاج الواقع القمعي وفقدان الثقة بالسلطة الوطنية، ليفضح النظام ويُعرّيه ويُحرّض القارئ ضده فيبحث عن فضاء من الحرية وكشف المستور الفكري والسياسي والاجتماعي، من خلال وصف وتوثيق التعذيب والمعاناة داخل السجن وكشف بشاعته وممارساته من وحدة ورعب وزنازين انفراديّة موحشة وتعذيب نفسي وجسدي وغيرها لأنه فعلًا كما قيل: ليسَ على هذه البسيطة، مخلوقٌ أشدُّ قسوةً وهمجية من الإنسان!

قرأت كتاب "أدب السّجون في مصر، سورية والعراق، الحريّة والرّقيب" للباحثة الشفاعمرية د. لينا حبيب الشيخ حشمة، الصادر عن مجمع القاسمي للغة العربية ومكتبة كل شيء الحيفاوية، ويحتوي على 483 صفحة، وقد صمّم الغلاف حسام شايب، وهو صيغة معدّلة لأطروحة الدكتوراة التي قدّمتها الكاتبة لقسم اللغة العربيّة وآدابها في جامعة حيفا وهو بحث ذو عمق وشمولية، ودراسة جريئة مميّزة لأدب السجون، ويعكس أزمة حرية حقيقية تسود الدول العربية وأنظمتها وأجهزة رقابتها المطاطيّة، الضبابيّة والقمعيّة.

صنّفت الباحثة وجدولت أشكال الرقابة في مصر، سورية والعراق من طرد أو فصل، وضع وترتيب ضمن القائمة السوداء، حذف من النص، تغريم مادي، منع النشر أو مصادرة كتاب، هجرة، رفع دعوى الحسبة أو رفع دعوى أخرى، نفي، سجن أو اعتقال، تكفير أو محاولة قتل/تهديد بالقتل/اغتيال/إعدام.

رصدت د. لينا حالة 106 أدباء مصريين (منهم ابراهيم عيسى، جمال الغيطاني ويوسف القعيد)، 102 أديبًا سوريًّا (منهم أدونيس، صادق جلال العظم ومصطفى خليفة)، 121 أديبًا عراقيًا (منهم أحمد مطر، جمعة اللامي ومحمد مهدي الجواهري)، وكذلك حالة 72 كاتبة في تلك البلاد ومنهن أمينة سعيد المصريّة، سعاد خيري العراقيّة وغادة السمان السوريّة.

كما وتناولت في بحثها الشامل 31 رواية من نصوص وروايات أدب السجون ومنها رواية "البصقة" للروائي المصري رفعت السعيد، رواية "القوقعة" للروائي السوري مصطفى خليفة، رواية "أنا الذي رأى" للروائي العراقي محمود سعيد وتطرّقت إلى خضوعها للرقابة من حذف/منع/اعتراض أو مساءلة على النشر.

اعتمدت الدكتورة لينا في بحثها شتى المصادر ومنها 73 من الدوريات والصحف، 262 كتابًا باللغة العربية، 5 كتب باللغة العبرية، 123 موقعًا الكترونيًا/إنترنتيًا و-86 مصدرًا باللغة الانجليزيّة مما أثراه وزاده عمقًا وشموليّة.

تصل د. لينا إلى النتيجة بأن المعادلة واحدة: السجين مقابل السجان وتكاد تكون أشكال التعذيب ْ واحدة، ومعاناة السجناء وعذابهم وأحلامهم تكاد تكون واحدة أيضًا، رغم اختلاف الانتماءات، الفكر، الزمان والمكان، هويّة المقموع والجلّاد فتتماثل التجربة وتتماهى ليبقى الكابوس واحدًا.

تطرّقت الكاتبة بجرأة لبعض الرموز والأيقونات، مغرّدة خارج السرب، ورصدت العراقيل والقيود التي واجهها الأديب العربي من شتى الأنظمة، تقدّمية كانت أو رجعيّة، ومن شتى الزعماء، ديموقراطيين كانوا أم دكتاتوريين ظالمين، فكل الحكّام لاحقوا الفكر والمفكرين، قمعوا الكتب والكتاب وحاصروا الأدب والأدباء.

أجملت د. لينا بأن غياب الحرية واستلاب الديموقراطية أدّى إلى أزمة حرية حقيقية مما جعل الثالوث: السياسة، الدين والجنس يشكّل رقابة حادة على الكاتب ليدجّن الرأي الآخر المُغاير ويصبح هامش الحرية المتاح محدودًا جدًا، فيتنازل الكاتب أو يبحث عن ناشر خارج البلد أو ينشر تحت اسم مستعار، فالرقابة قائمة وتتخبّط وقائمة الممنوعات تزداد والإبداع يُكبت خوفًا من بطش السلطة أو منعًا من الرقابة. ركّز البحث على العلاقة المتوتّرة بين المثقف والنظام، إذ رفضت السلطة الرأي الحرّ المعارض لها، والجهاز الرقابي مطّاطيّ بدون معايير رقابية ثابتة وواضحة، بل تتغيّر ضمن الزمان والمكان، حسب تغيّر الظروف السياسيّة، وضبابيّتها تتّسع من يوم ليوم لتصبح مزاجيّة مُفرطة بموجب معايير يحدّدها الرئيس أو الوزير.

تطرّق البحث إلى نهج التعامل الثقافي المبني على مصالح سياسية متناقضة، فمصر تستقبل كتابًا طُردوا من سورية والعراق وتسمح بنشر كتبهم وكذلك سورية والعراق، ليكون المثقف العربي رهينة وضحية النظام والمصالح السياسية الدوليّة المتغيّرة والمتقلّبة، فزُجّ في السجن أدباء رفضوا أن يكونوا بوقًا للنظام أو "اختفوا" أو عُذّبوا حتى الموت.
المرأة المُبدعة ذاقت الأمرّين من الرقابة فسُجِنت أو هُجِّرَت من بلدها، ومًنعت من نشر كتبها وصودِرت مؤلفاتها ورغم ذلك تجرّأت على التمرّد.

تميّز البحث والكتاب بالشموليّة لإتباعه المعايير العلمية البحثيّة النيّرة والحديثة. أما بخصوص مصادر البحث، والهوامش في الكتاب فهي مريحة وقد أضاءت النصّ وساعدت في تفسيره من جميع جوانبه مما سهّل على القارئ وعمل على تقريبه إلى الزمان والمكان مما أثراه وزاده قيمةً، أما بالنسبة للفهرس في نهاية الكتاب فهي لفتة مباركة وضروريّة تسهّل على القارئ والباحث أثرت الكتاب وزادته مهنيّة.

إن القمع والكبت للحريات من قبل السلطة، ومنع النشر أو تغيير وتشويه النصوص أو مصادرة الكتب وحرقها، أدّيا إلى خلق رقيب جديد أشدّ صرامةً من السلطة، ألا وهو الرقيب الذاتي الداخلي/الأنا الذي تمأسس وتذوّت داخل الكاتب وقيّد حريّة فكره، خلقه وإبداعه، وصادر نموّه وانطلاقته ليتكلّس ويتقوقَع ويتحوّل إلى المراوغة، التورية، الرمزيّة والتعقيد، ممّا يؤدي إلى أزمة حريّة حقيقيّة تشكل حاجزًا وسدًّا منيعًا أمام تحليقه في سماء الإبداع. حضرني ما كتبه البرازيلي باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين" حول نشر ثقافة الخوف والخنوع والصمت وقال بأن عملية التحرر لا بد أن تنبع من المقهورين أنفسهم الذين تقع عليهم مهمة النضال من أجل تحررهم ليثوروا على القهر والخنوع ورفض الرؤية الموحدة المفروضة من خلال وأد مهارات التفكير النقدي للواقع والمجتمع والسلطة، ضد عملية التكبيل القهريّة المستمرة. نتاج الكبت والرقابة اضطر الكاتب العربي تفعيل ذاك الرقيب الذاتي فكتب ليرضي السلطة والرقيب، فتبنّى الرقيب الذاتي داخله ليحاول الكتابة لئلا يصطدم بعوائق رقابيّة عند النشر فجاء فكره "مخصيًّا" مشلولًا ذا عاهة كابتة تفقده الجمالية في التحليق.

وأخيرًا، توخّيت من الكاتبة إضافة "توصياتها" وعِبَرِها بالنسبة للوضع المزرى من أجل تحرير الحرية وأن تصرخ صرختها علًّها تكون عبرةً لمن اعتبر في البلدان العربية، فهذا أقل ما يمكن فعله بناء على نتاج بحثها الشامل والعلمي المتميّز، حتى لو كان صرخة في واد، لأنه لا خير للبلد من أن يكون أهل الفكر فيها أحرار تيمّنًا بما قال فكتور هوغو "حرّروا الحرية والحرية تقوم بالباقي".