رُؤى ثقافيّة«٢٦٤»

الشاعرُ للمغنِّي: «لستَ في حِلٍّ»!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

أَنــتَ فـي حِــــلٍّ فَـــزِدنـي سَقَـــمـا
أَفْنِ صَبري واجعَلِ الدَّمعَ دَما
وارضَ لِيْ المـَوتَ بهَجرَيكَ فإنْ
لَـم أَمُـتْ شَـوقـــًــا فـزِدنـي ألَما
مـِحـنَـةُ العـاشِـقِ في ذِلِّ الهَــوَى
وإذا اســتُـــــودِعَ سِــــرًّا كَـــتَــمــا
لَــيــسَ مِــنـَّــا مَـن شَـكــا عِلَّـــتَـــهُ
مَن شَكا ظُلمَ حَــبــيبٍ ظَــلَـمـــا

«إنَّ الغِناءَ لهذا الشِّعر مِضمارُ»! هكذا أنشد (حسَّانُ بن ثابت). فالغِناء يجمِّل الشِّعر، ويقوِّمه. وما العَروض العربيُّ سِوَى ضُروبٍ من الألحان الغنائيَّة العتيقة. فلقد كان الشاعر مغنِّيًا، والمغنِّي شاعرًا. ثمَّ انفصمت الحرفتان، وكان أكبر الضحايا الشِّعر. فأورث الشاعرَ ابتعادُه عن الغنائيَّة برودَ النظميَّة، أو ضحالة النثريَّة، وجهلُ المغنِّي بعَروض الشِّعر أورثه فسادَ الموسيقى الشِّعريَّة، وتشويهها بين الناس، بل إفساد الذائقة الشِّعريَّة بين الناشئة. وهل ميلاد قصيدة النثر إلَّا بإخصاب عوامل منها هذا التحوُّل في العلاقة بين الشِّعر والغناء؟!

ومن الظواهر لدَى المغنِّين المعاصرين، إلى جانب اختلال الموسيقى الشِّعريَّة، اختلال التفكير أحيانًا في معاني الكلمات. فلو أخذنا تجربة الفنَّان (طلال مدَّاح) نموذجًا- وقد كان من الحِراص على سلامة الأداء، وإنْ أخطأ تارةً وأصاب- لوجدنا ظواهر من ذلك لديه، كما في موَّاله المشهور «أنتَ في حِلٍّ»، من شِعر (أبي تمَّام)(1). فهو يغنِّي الأبيات بتحويرات، منها:

1- إتيانه بكلمة «ألَما»، في البيت الأوَّل، مكان «سَقَما». ليكرِّر الكلمة في عجز البيت الثاني.
وهذا غير جائز تَقْفَوِيًّا؛ لما فيه من (إيطاء القوافي)، أي تكرارها.

2- يقول: «وافْنِ جسمي»، بدل «أَفْنِ صَبري». ويبدو أن انسيابيَّة الغناء تستدعي مثل هذا التعديل، تحاشيًا لجساءة الهمز في «أَفْنِ»، في بداية الشطر الثاني. أمَّا «صَبري»، فربما غَيَّرها مراعاة لـمَن قد يكون اسمه (صَبري) من الجمهور! غير أن المعنى الشِّعري صار أضعفَ باستخدام كلمة «جسمي».

3- ثمَّ يقول: «وارضَى ليَ»، بدل «وارضَ ليْ»، فينكسر الوزن، ليخرج عن بحر (الرَّمَل) إلى (الرَّجَز).

4- يستعمل «بجفنَيك»، مكان «بهَجرَيك». واستعمال الجفنين أقرب للذائقة الغَزَليَّة البسيطة، وأرقُّ من تحذلقات أبي تمَّام. وماذا تراه يقصد الشاعر بهجرَي المحبوب؟! كما أن للمعنى الطَّلاليِّ ظِلالًا شِعريَّة أخرى: فهل الباء سببيَّة أم ظرفيَّة؟ هل المقصود الموت بسبب الجفنَين، أم فيهما؟! كلاهما واردٌ وجميل.

5- ثمَّ يقول: «فإنْ أَلِمَتْ نفسي»، بدل «فإنْ لَم أَمُتْ شَوقًا»! ويختلُّ المعنى هنا؛ فكيف يألم المرء وهو قد مات؟!

6- ثمَّ يستبدل «روعة العاشق» بـ«محنة العاشق». وفي هذا تحاشٍ واضحٌ لمعنى في كلمة الشاعر غير مستساغٍ في البيئة اللهجيَّة المحلِّيَّة.

7- في الشطر الأخير من البيت الثالث يقول: «وإِذا ما استُودِعَ سِرًّا كَتَما»، بدل «وإِذا استُودِعَ سِرًّا كَتَما»، فينكسر الوزن، خارجًا عن (الرَّمَل) و(الرَّجَز) معًا، إلى لا بحر.

ثمَّ يأتي (محمَّد عبده) فيؤدِّي الموَّال بأخطائه تلك تقريبًا، لكنه يزيد عليها. ومن ذلك قوله:

وارضَى ليَ الموتَ بهجركَ لي
فإنْ ألمتْ نفسي فزدها ألَـما

فيرتكب الكسر العَروضي الذي وقع فيه طلال وزيادة. فعلى الرغم ممَّا يبدو من أنه قد عرف كلمة الشاعر، وأنها «هجرَيك»، ولم ير تحويلها إلى «جفنَيك»، فإنه قد أوقعه ذلك في خطأين:

الأوَّل زيادة تحطيم البيت، فبعد أن كان الكسر في الشطر الأوَّل لدى طلال، امتدَّ إلى الأخير لدى محمَّد؛ فصار الأوَّل من (السريع)، والأخير بلا وزن أصلًا؛ يبدو من (الطويل) وينتهي ناشزًا عنه!

أمَّا في أداءٍ آخر له، فيقول: «بهجرِيك»، بكسر الراء. لكن كيف يكون هجر الشاعر للمحبوب سببًا لموته هو؟ بل كيف يهجره ثم يشكو الموت بسبب ذلك؟!

وكذا يقول محمَّد في البيت الثالث:

روعةُ العاشِقِ في ذِلِّ الهَوى
وَإِذا [ما استَودَعَ] سِرًّا كَتَما!

ففوق الكسر الطَّلاليِّ القديم، يضيف خطأً دلاليًّا في بناء الفعل «استودع» للمعلوم. وإنَّما هي: «استُودِع»، بالبناء للمجهول، أي أن العاشق كاتم أسرار معشوقه، المستودعة لديه.

ومن كلِّ هذا يظهر- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- مع اختلال الموسيقى الشِّعريَّة لدَى مغني الشِّعر الفصيح، اختلال في التفكير في معاني الكلمات المغنَّاة أيضًا.

بيد أن هناك وجهَ صوابٍ دلاليٍّ شِعريٍّ، مع كلِّ الأخطاء السابقة، في أداء المغنِّيَيْن، يلفت النظر حقًّا. ربما جاء رميةً من غير رامٍ، أو لعلَّه رميةٌ لهجيَّة. وهو في استخدام «ذِلّ الهوَى»، بدل «ذُلّ الهوَى»، على الرغم من أن الكلمة في الديوان بضم الذال. والكلمتان في اللغة بمعنى واحد، على كلِّ حال، غير أن كلمة «ذُلّ»، بضم الذال، تحمل إيحاءات سلبيَّة، قد لا تليق، حتى بالعاشق الذليل لمعشوقه. وإنْ كانت قد جاءت في (القرآن) في الأمر بـ«خفض جَناح الذُّلِّ» من الرحمة رِفقًا بالوالدَين. وذلك تأكيدًا لواجب الولد حيال والدَيه. في حين تنصرف كلمة «ذِلّ»، بالكسر، أكثر إلى معنى الخضوع، واللِّين، عمومًا، لا إلى ما يضادُّ «العِزَّ»، وهو «الذُّلُّ»، بالضم. وعليه، فاستخدام «ذِلِّ الهوَى» أليق بسياق الأبيات.

ومهما يكن من أمر، فإن في هذا النموذج الشِّعري الغنائي دلالة على أن «نوتة» الشاعر أدقُّ في قوانينها من نظيرتها لدَى الموسيقيّ. فإنْ لم يراع المغنِّي الموسيقَى الشِّعريَّة بدقَّة، فلن يقول له الشِّعر يومًا: «أَنتَ في حِلٍّ.. فَزِدني سَقَما»!

(1) (1983)، ديوانه، بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد عبده عزَّام (القاهرة: دار المعارف)، 4: 325.