الاستعارة التهكُّمية

، بقلم فاروق مواسي

التهكم هو السخرية، أسلوب يُستعمل في نقيض الشيء أو ضده، ويقصد به التنبيه أو التقريع، وفيه تنفيس عن غضب المرسِل أو عدم رضاه، وقد لا يعي المرسَل إليه الرسالة، فيكون "كالأطرش في الزفّة".

تتفاوت أساليب السخرية والتهكم، وأجملها ما أثار البسمة أو الضحكة.

هناك من يبدع في أسلوب التهكم، فيقوم بنقل فکرته بأيسر السبل، وكأنه يقول أمرًا جِدّيًا، وفي سبيل ذلك نراه يعمد إلى المخالفة، فالمحاسن قد تكون مساوئ، والمساوئ محاسن، والجمال يقف أمام القبح، والسمعة الحسنة أمام السيئة، والموت أمام الحياة.
لكن الهدف الأول هو أن يُشهر قلمه أو لسانه ضد مظاهر الرذيلة والقبح والجهالة.
وتبقى في الأدب المتعة، ورحم الله الجاحظ- شيخ الساخرين!

الاستعارة التهكُّمية:

هي اللفظ المستعمل في ضد معناه تنزيلا للتضادِّ منزلة التناسب لقصد التهكم والاستهزاء، فإذا قُصد البسط والظرافة سميت (تمليحية).

لا أرى ضرورة التمايز بينهما- أي بين التهكم والتمليح، فالمعنى هذا قد يؤدي إلى ذاك، وكلاهما ضمن الاستعارة العنادية- عكس التوافقية- كما سأبين أدناه.

أسوق لكم بعض الآيات من هذه الاستعارة التهكمية أو التمليحية كما سماها بعض البلاغيين.
يقول تعالى:

فبشِّرهم بعذاب أليم- آل عمران، 21، أي أنذِرهم، فاستعيرت البشارة وهي أمر إيجابي– الإخبار بما يَسرّ للإنذار الذي هو ضدها، بإدخاله من جنسها على سبيل التمليح والاستهزاء.
(القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة، ص 420)

أشار الفرّاء إلى مثل هذا الأسلوب في شرحه لقوله تعالى- فأثابكم غمًّا بغمّ- آل عمران، 153، والإثابة هي في معنى العقاب.

نظر ابن جنّي إلى هذا الأسلوب على أنه مَجاز، وذلك في قوله تعالى – ذُق إنك أنت العزيز الكريم- الدخان، 49 فهو (أبو جهل) في النار ذليل ومهان، لكنه خوطب بما كان يُخاطب فيه بالدنيا، وفي هذا ضرب من التقريع وتذكيره بسوء ما كان يفعل.

أما القصد هنا في قوله- "العزيز الكريم": الذليل اللئيم، فشبة الذلة بالعزة، واللؤم بالكرم على سبيل الاستعارة التصريحية.

ووردت آية أخرى في معرض التسفيه لشعيب من قبَل قومه- إنك لأنت الحليم الرشيد- هود، 87، وهم يقصدون: إنك لأنت السفيه الجاهل، إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به.

هناك من سمّاها الاستعارة العِنادية، فالمعنى في الأصل لا يتوافق، كأن تقول للجبان: أنت أسد، أو بطل، وللبخيل: يا حاتم!

لننظر إلى قول عمرو بن معد يكرِب:

وخيل قد دلفتُ لها نجيل
تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع

فأي تحية هذه، والتحية كما نعلم فيها إكرام وحسن لقاء؟

وفي شعر عنترة ننتبه لقوله:

وسيفي كان في الهيجا طبيبًا
يداوي رأس من يشكو الصُّداعا

يداوي، والمتوقع بعلاج نافع، وإذا به قطع الرأس.

وكقوله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم- الصافات، 23.

فأية هداية هذه؟!

(انظر: الميداني- البلاغة العربية، ج2، ص 262)

هي صور ساخرة، ونحن لا نصل إلى المعنى المقصود بيسر، بل بعد مسافة تفكير ومجاولة وتدبّر العبارات، وهذه المسافة هي التي تشير إلى درب الأدب.