الأدب الأجوف...والمقالات الفارغة

، بقلم جورج سلوم

أثلج صدري قبول (ديوان العرب) لبعض كتاباتي.. وأسعدني أن أطلقوا عليّ لقبَ (كاتب أو شاعر) !!!.. فأرخيت العِنان لقلمي يجرّح أوراقي بالعربية التي أعشقْ... كما يجرّح مبضعي أجساد المرضى.

ولكن هل من قارئ؟..هل من ناقد؟!!!!

باعتبار أنني الوحيد الذي أقرأ ما كتبتْ... فيحقّ لي أن أصبحَ ناقداً أيضاً...على طريقة (النقد الذاتي).

وقالت العرب:

في الماضي كانتِ العربُ تقول بيتاً من الشعر.. تسيرُ به الرّكبان.. ويتناقله الرّواة.. حتى يصلَ إلى مضارب بني عبس..فتقع الواقعة.. وتثور الحميّة..وتهبّ شياطين الشعر للردّ على بيتٍ من الهجاء..والذود عن عرضٍ بعد غزلٍ صريح.

وكان الأدب في الماضي كمن يُكتب بالإبر على آماق البصر ليبقى عبرةً لمن اعتبر ْ.

كان ديوان العرب محفوظاً في الوجدان.. وكانت عيون الشعر تُعلّق غلى جدران الكعبة تشريفاً وتقديسا ً.

حوار الطرشان:

لا أزال أذكرُ أمسية شعرية يتيمة حضرتها في المركز الثقافي.... حيث انبرى بعض الزّملاء لقرضِ الشعر.. ولكن للأسف كانوا يقرضون بعضهم بعضاً ويجترّون أقوالهم!

كان الجمهور بكلّ بساطة مؤلفاً من الشعراء أنفسهم فقط !...مضافاً إليهم أهلهم وذويهم لا يهتمّون بما يُقال بقدر استعدادهم للتصفيق لابنهم.. أما النقد فهو فقط للباس الشاعر أو حركاته أو سكناته... وبعد ذلك يكرّمون بعضهم بعضاً في حلقةٍ مفرغة..ويمنحون شهادة التقدير لمن أفاض في مدح الخليفة..

سوق عكاظ:

في زماننا أصبح سوق عكاظ هو جدران الانترنت.. يعلّقون عليها عيون الشعر وآذانه.. بل وأذنابه أيضا ً.

وأصبح لسان العرب أكثر طولا ً..طالما أنّ مواقع الانترنت تسمح بنشر كلّ ما يُقال..
ولكن..هل من قارئ؟

الصورة أقوى من الكلمة:

أصبحت الصورة (الميديا) أقوى وأشدّ إيلاماً من الكلمة..والمقال يجذبنا إذا أرفق بصورة ملفتة..
وفي بلاد الاغتراب غدت العربية لغة مُخيفة.. لا تؤلّف بين ناطقيها بقدر ما تفرّقهم وتثير الجدل حولهم.. فلم تعد لغتنا (برداً على الأكباد).. بل أصبحت لغة الضاد هي لغة الأضداد.
شويعر من زمن الصعاليك:

قيل لي: كفاك نقداً.. فإذا ما جاؤوا بك إلى سوق عكاظ فستصنّف بمرتبة شويعر أو اشتباه شاعر.. وبين فرسان الكلام لن ترقَ لمنزلة صعلوك... فبارك الله بمن سمح لك أن تكتب.. ويكفيك فخراً أنك ستقرأ لوحدك ما كتبت...!!!

كتبٌ على قارعة الطريق:

في المدن العربية الكبرى تواجهك (ظاهرة مكتبات الرّصيف)..... الكتب على الأرض يغطيها الغبار.. والبائع عادة ً يكون قارئأ مزمناً ومثقفاً وفقيراً.. ويعطيك لمحة حقيقية عن أيّ كتاب... لأنه ببساطة يبيع مكتبته التي اشتراها من قوت يومه.. ولما جارَ الزمان عليه بدأ بالتخلي عن ثروته..

قال لي:

- كلّ الكتب الهامة ودواوين الشعر الشهيرة كانت لي.. اشتريتها بدم قلبي.. والآن أعرضها للبيع رخيصةً ولا أحد َ يشتري أو حتى يتصفّح.. ولذلك أحملها كلّ يوم ثقيلة ً ثقيلة إلى بيتي ذهابا ً وإياباً...

قلت:

- وماذا تبيع إذن؟

- أشتري بين الفينة والأخرى..كتباً خلاعية جنسية.. أو كتب الفقه على اختلافها.. وهي ما يباع اليوم.. يضاف لها المجلات المصورة.

وأضاف:

هناك كتب فقيرة (أي صاحبها فقير).. وكتبٌ غنية... طبعاً لاأقصد المحتوى..هي قضية تسويق.. غلافٌ ثقيل وورق ومقدّمات ودور نشر... وهذه توضع في واجهات المكتبات تحت النور... وكتب الفقراء من المؤلفين ترمى على الرصيف في البرد والمطر...

قلت ُ له:

- اختر لي كتاباً فأشتريه.

- لن أبيعك شيئاً... اذهب ْ إلى مكتبة كبيرة مكيّفة الهواء.. وكتبها مدللة على الرفوف... بصراحة.. أنا أشعر أنك ترثي لحالي وتتصدّق عليّ... وأنا لست ُ شحاذاً... يعني أنا أعرف زبائني من النظرة الأولى... وأنت جئت إليّ لأنك ركنت سيارتك أمام رصيفي... وأشعلت سيجارتك ونفضت رمادها بجانب كتبي.. ولديك بعض الوقت فتتسلى.

شعرتُ بأنني متعجرفٌ وصغير أمام تواضعهِ وكبره فلملمتُ بعضي وجلستُ خلف مقود سيارتي ساهماً.. .فعلاً كنتُ أنتظر صديقاً...

وبعد دقائق..جاءني حاملاً كتيّباً مستعملاً.. وورقه أسمر كورق الجريدة.. قال:
- هذا الكتاب يناسبك عن الحظ والأبراج... خذه مقابل علبة سجائر.. أو مائة ليرة..
قبل الطباعة:

لا أخفي عنكم... أنا أفكّر وأخطّط لطباعة كتابي الأدبيّ الأول... طالما أن السيرة الذاتية قائمة على عبارة (صدر له)..

ولكن قد يعترض الناشر على العنوان..وتعترض الرقابة على المحتوى.. ويعترض أصدقائي على لون الغلاف.. وتعترض زوجتي على الإهداء... لذلك سأضطرّ عندها للعودة إلى ديوان العرب.... فهل من معترض؟؟؟؟؟؟؟؟