الحلقة الثانية

النحو العربي بين الجدِّ والهزلِ

، بقلم كريم مرزة الأسدي

المشهد السادس:

في أواسط القرن الثالث الهجري تنافس ثعلب وكنيته أبو العباس، وهو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة (200 هـ - 291هـ /815م - 903م)، ولد في بغداد ونشأ وتوفي فيها إبان خلافة المكتفي،والمبر د أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي (211 هـ- 285 هـ / 826 - 898م) إمام البصريين - توفي أيام خلافة المعتضد - على زعامة اللغة والنحو العربي.

يحدثنا أبو بكر الزبيدي - ت 379هـ - في (طبقات النحويين واللغويين): إنّ أبا جعفر أحمد ابن إسحاق البهلولي القاضي الأنباري و أخاه البهلول "دخلا مدينة السلام في سنة خمس وخمسين و مائتين، فدارا على الخلق يوم الجمعة، فوقفا على حلقة فيها رجل يتلهب ذكاءً، ويجيب على كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وابيات المعاني، فقلنا من هذا؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب"، و كان ثعلب يتلهب ذكاءً، ويذكر القفطي جمال الدين أبو الحسن - ت 646 هـ - في (إنباه الرواة على أنباه النحاة): لما مات المبرد، وقف رجل في حلقة ثعلب وأنشد:

بيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ
خرباً وباقي نصفه فسيخربُ
ماتَ المبردُ وانقضتْ أيامهُ
ومـع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ
وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظهُ
إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ

يتبين مدى أهمية اللغة إبان تطور الحضارة العربية، وعندما تزدهر الأمة تزدهر في جميع أتجاهاتها، ثم ركز على عجز البيت الثالث، والتمييز بين الكلام المكتوب ولفظ الكلام المنطوق حيث يتجسد في هيئة نبرات وموجات وترددات وتعبيرات وإشارات وانفعالات، فكأن الشاعر كان يتوسم عصرنا لتسجيل صوته، وتصوير حلقته، فالحق معه، إذ يقول (إذ كانت الألفاظ فيما تكتب)...!!

المشهد السابع:

الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي أبو عبد الرحمن (174 هـ / 790 م): نسبه البعيد يعود إلى فراهيد بن شبابة بن مالك بن فهم بن غنم من قبيلة أزد القحطانية، وهذا الـ (مالك) حكم الأنبار، وصيّرها عاصمة له، وملك الحيرة، ولكن (خليلنا) من أزد (عُمان)، فولد فيها سنة (100 هـ /718 م)، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده وعبادته ونبل أخلاقه وسماحة روحه، وكثرت الروايات التي تؤكد هذه الخصال، فحكى عنه تلميذه النضر بن شميل، أنه أقام في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال. كما كان سليمان بن حبيب بن أبى صفرة والي فارس والأهواز يدفع له راتباً بسيطاً يعينه به، فبعث إليه سليمان يوما يدعوه إليه، فرفض وقدم للرسول خبزاً يابساً مما عنده قائلاً: ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان، فقال الرسول: فما أبلغه عنك؟ فقال من قصيدة (البسيط):

أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّـــي عَنهُ في سَعَةٍ
وَفي غِنىً غَيرَ أَنّي لَســتُ ذا مالِ
سَخّى بِنَفسي أَنّــي لا أَرى أَحَــد
يَموتُ هَزلاً وَلا يَبـــقى عَلى حــالِ
الرِزقُ عَن قَدَرٍلا الضَعفُ يَنقُصُـــــهُ
وَلا يَزيدُكَ فيـــهِ حَولُ مُحتــــالِ
وَالفَقرُفي النَفسِ لا في المالِ نَعرِفُهُ
وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ

يختلف الرواة في سنة وفاة الفراهيدي، فتذهب إمّا (160 هـ / 776م)، (170 هـ / 780 م) أو كما ذكرنا، أو (175هـ / 791م)، راجع ترجمته: (نزهة الألباء...) ص، (مراتب النحويين) ص وما بعدها، (طبقات النحويين واللغويين) ص.مصادر سابقة، (وفيات الأعيان) لابن خلكان، (سيرة أعلام النبلاء) للذهبي، وتجد حكايته مع سليمان المذكور أيضاً في (زهر الآداب...) للحصري القيرواني، و (معجم الأدباء) لياقوت الحموي)، وفي (الأمالي) لأبي علي القالي.

المشهد الثامن:

يحيى بن المبارك العدوي البصري الملقب بـ (اليزيدي) نحو (102 - 202 هـ / 720 - 817م) نحوي لغوي مقرئ، قيل له اليزيدي، لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي، وأدب أولاده، وأدب المأمون، أخذ علم العربية عن أبي عمرو بن العلاء والخليل، أقول حاول اليزيدي أن يثأر من الكسائي في مجلس الرشيد، لكن أنّى له ذلك حتى إذا ثبتت الحجة على الكسائي فالحق معه، لأنه الكسائي مؤدب الرشيد، وأنيس مجلسه، وحبيب قلبه، ومن بعد أصبح مؤدب الأمين والمأمون، وعند الحساب..!!.

يقول أبو أحمد العسكري (293 - 382 هـ / 906 - 993م) في كتابه " شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ":

" اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فجرت بينهما مسائل كثيرة فقال له اليزيدي، آتجيز هذين البيتين؟:

ما رأينا خرباً نقـْ
ـقـَر عنهُ البيض َ صقرُ
لا يكونُ العيرُمهراً
لايكونُ المـــهرُ مهــرُ

فقال الكسائي: يجوز على الإقواء، وحقـّه (لا يكون المهر مهراً).

فقال له اليزيدي: فأنظر جيداً.

فنظر ثم أعاد القول.

فقال اليزيدي: لا يكون المهرُ مهرا محال في الإعراب، والبيتان جيدان، وإنما أبتدأ فقال (المهرُ مهرُ)، وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد.

فقال له يحيى بن خالد: خطأ الكسائي مع حسن أدبه أحبُّ إلينا من صوابك مع سوء أدبك، أتكتني قدّام أمير المؤمنين، وتكشف رأسك؟

فقال: إن حلاوة الظفر، وعزّ الغلبة أذهبا عني التحفظ"

انتهى قول العسكري.

الخرب: ذكر الحبارى، نقـّر: نقـّب البيض لخروج الفرخ)

ونقول: يعني اليزيدي، والحق معه، في البيت الثاني: (لا يكون) الثانية إعرابها تأكيد لفظي إلى (لا يكون) الأولى، و (المهر مهرُ) جملة جديدة مبتدأ وخبر، والمفروض في الكتابة أن نفصل الجملتين بفاصلة، ولكن تضيع لذة المغزى، والمهر يجب أن يكون مهرا! وإلا لا يستقيم المعنى، ولا أعرف كيف عبرت على شيخنا الكسائي، وكان يعلم أن السيد اليزيدي كان يتحداه....!! نجد له العذر، ونقول: للنفس حالات...!!

وكذلك - والكلام لي - ليس من حق الكسائي أن يطلق الخطأ في تصوره بـ (الإقواء)، ويجب أن يعبر عنه بـ (الإصراف) حسب ما ذهب العروضيون، ومرّت على الاثنين بلا تعليق، وذكرنا هذا في الحلقة الثامنة من علم القوافي في كتابنا (كتاب العروض والقوافي والضرائر الشعرية).

تجد الرواية التي نقلناها عن كتاب أبي أحمد العسكري المذكور في:

(مجالس العلماء): الزجاجي أبو القاسم - الخانجي - الطبعة الثالثة.

(معجم الأدباء): ياقوت الحموي - دار صادر -بيروت.

(وفيات الأعيان):ابن خلكان - دار صادر بيروت.

المشهد التاسع:

إن الكسائي الكوفي قد أثر تأثيراً كبيراً على الأخفش الأوسط البصري. بل جعله مؤدباً لأولاده، ولكن الجرمي البصري ما كان تأثيره على الفراء الكوفي إلا قليلا، والنار كانت تستعر تحت الرماد، أنـّى مرّت رياح عليها برز مجدداً الخلاف، وأصبح على أشدّه في القرن الثالث الهجري، وكان الجدال عقيماً لا يراد منه إلّا دحض الرأي الآخر، وإثبات الحجة بالإكراه.

ويروي ابن يعيش، موفق الدين بن يعيش بن علي - ت 643 هـ - في (شرح المفصل) - الطباعة المنيرية - مصر: وكان يتهكم بالنحويين يزيد بن الحكم الثقفي، فقال على سبيل التهكم عليهم، وهجائهم:

إذا اجتمعوا على ألفٍ وواو
وياءٍ ثار بينهمُ جدالُ

وفي خزانة الأدب) لمؤلفه عبد القادر البغدادي (1030 - 1093هـ /1620 - 1682م) الوراق - الموسوعة الشاملة، يذكر البيت في بداية الشاهد التاسع قائلاً:

إذا اجتمعوا على ألف وواو
وياء هاج بينهم جدال

وبيت الشاهد ليزيد بن الحكم، كما نسبه إليه الزجاج في أول تفسيره وابن الأنباري، وأبو علي القالي. وروى الحريري في درة الغواص عن الأصمعي أنه قال: أنشدني عيسى بن عمر بيتاً هجا به النحويين، يعني أنهم إذا اجتمعوا للبحث عن إعلال حروف العلة ثار بينهم جدال.

والجدال: مصدر جادل إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، وهذا أصله، ثم استعمل في لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة في ظهور أرجحها. وهو محمود إن كان الوقوف على الحق، وإلا فمذموم، يقال: إن أول من دون الجدل أبو علي الطبري. ويروى بدله "قتال".

أما "يزيد بن الحكم" فهو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري، الشاعر المشهور. ومن قال يزيد بن الحكم بن عثمان بن أبي العاص فقد وهم، فإن عثمان جده أو عم أبيه.

الشاهد العاشر:

كتب رفيع بن سلمة بن رفيع العبدي المعروف بدماء، ورواية أخرى (دماذ) قصيدة إلى شيخ البصرة أبي عثمان بكر بن محمد المازني (ت 236 هـ /850 م في عصر المتوكل)، أخذ عن الأخفش الأوسط، وروى عن بن عبيدة والأصمعي، وتعلم عليه المبر د الشهير البصري (الذي قبل يد دعبل)، والفضل اليزيدي وغيرهما، وكلهم بصريون عدا دعبلاً فهو كوفي، وللمازني (التصريف) و (كتاب ما يلحن فيه العوام)، أقول تبرم هذا الـ (رفيع) من رأي البصريين في نصب المضارع بـ (أنْ) المضمرة وجوباً بعد (الفاء والواو و أو) دون أعتبار هذة الأحرف ناصبة كما يقول أصحابه الكوفيون:

تفكرتُ في النحو حتى مللـ
ـتُ وأتعبت نفسي به والبدنْ
أجيبوا لِمـــا قيل هذا كذا
على النصب قالوا لإضمار أنْ
فقد خفتُ يابكرُ من طول ما
أفكرُ في أمــر (أنْ) أنْ أجنْ

أقول: ولا يُخفى (بكر) يعني الشاعر به (المازني)، وتستمر الكوفة في نفوذها على بعداد وقصورها، بالرغم من أنّ المازني شيخ البصريين قد استدعي إلى بغداد، وحضر قصر الخليفة الواثق (ت 232هـ / 846م) حينما غنته جارية من البصرة، كان قد اشتراها بمئة ألف:

أظليمُ أنَّ مصابكمْ رجلاً
أهدى السلام إليكمْ ظلمُ

فقال لها الواثق: قولي (رجلٌ)

فقالت:لا أقول إلا كما علمت، إذ أخذت الشعرمن أعلم الناس بالعربية.

فقال لها: ومن هو؟

فالت: بكر بن عثمان المازني.

أمر الخليفة العباسي بإشخاصه، ولما جاء سأله، فأجابه، خبر (إنَّ) هو (ظلمُ) وليس (رجلاً)، لأنّ المعنى لا يستقيم، فأمر له بصلة، وأجرى عليه كل شهر مائة دينار، دينار ذلك العصر بمعنى راتب عشرة موظفين، ولكنه رجع إلى البصرة، ونحن سنرجع إليكم لمدخل الحلقة الفادمة، وفقكم الله،وتبقون على خير.

من نفس المؤلف