أنا كائِنٌ يا قدس فيـما سيكون

، بقلم صالح أحمد كناعنة

من مُبلِغُ الأقوامَ أن دِمانا
صارَت خِضَمًّا لجَّةً طوفانا
من مُبلِغُ الأعرابَ أنّا لم نَزَل
نَروي ظَمانا من يَنابيعِ الأمَل
من مُبلِغُ الأقوامَ أنّا في خِضَمِّ الموت..ِ
نَسعى... لا نخاف
ولنا المشانِقُ... والمحارِقُ...
ساقَها الموتُ الزُّعاف .
ولنا تضاريسُ التَّجَلُّدِ في الحَنايا... والشِّغاف.
ولنا التِحامُ الرّوحِ في عُمقِ اليَقين..
يهزُّنا للإنتِصاف
ولنا الرِّياحُ العاصفاتُ تهزُّنا بِصَفيرِها خَلفَ الجَفاف
ولنا الحَنايا تَلتَقي أرواحَنا مُشتاقَةً، تَبغي الجِنانا
يا أيها العُمْرُ انتَصِبْ شَبَحًا على طولِ الطَّريق
شَرِّق وغرِّب...
لن ترى إلا تضاريسَ الخطر
ومَرارةَ الأيام ترسمُ أمنياتٍ من سَراب!
يا وَيلَتا...
أعَجَزتُ أن أرسمَ ذاتي فوقَ غَيمة؟
فَلَرُبما تاهَت...
وحَطَّت دَمعةٌ من عَينِها الوَلهى على أعتابِ خَيمة..
يا أيها العمرُ انتَصِب وعدًا على أعتابِ ريحٍ..
لا تَمُرُّ.. ولا تَقِرّ
شرِّق.. وغَرِّب...
لن ترى إلا تضاريسَ الخطر
ومَرارةَ الأيامِ ترسِمُ حُزنها فوقَ القَمر
فسَتُبلِغُ الأكوانَ يومًا أنني ما زلتُ أحتَضِنُ الحنين
وأشَيِّعُ الأيامَ للآتي...
لعلَّ الفجرَ يلمَعُ في عيونِ القادِمين!
وأُطِلُّ من ذاتي على ذاتي ... أُلَملِمُ حُزنَها
ما حاجَتي أن تَعرِفَ الأقوامُ أنّي لم أعُد ذاكَ الحَزين..؟
وبأَنَّني صوتُ التَّعاويذِ الرَّزين؟
وبأنّني ذاكَ الذي يرسمُ ألوانَ الشَّفَق...
يُهدي إلى الآفاقِ شيئًا من عَبَق...
ويُلَقِنُ الأذهانَ آياتِ اليقين..؟
- لو عدتُ يومًا للوراءِ... فلن أرى..
إلا مَصيري
- لو أنني سابَقتُ أيامي ... لَعُدتُ مُزَمجِرا...
لِيَكُن مَصيري!
أفَلَم يَقُم مَن يُبلِغُ الأقوامَ عني..؟!
أنا لم أعُد في صَفِّكم... مُذْ فَرَّت الأحلامُ مني
فَلتَعبُدوا أصنامَكم...!
ولتَعبُدوا أحلامَكم...!
ولتَعبُدوا أطماعَكم...!
ولتعبدوا هَيئاتِكم...!
ولتَأكُلوا أعضاءَكم...!
لا تحسِبوا أبَدًا حِسابي..
أنا لم أَعُد في صفِّكم ..
أنا لن أدُقَّ الطبلَ بعدَ اليومِ فوقَ رؤوسِكم..!
أنا لم أدَعْ هَمّي يَقُضُّ مَنامَكم..
أنا لم يَعُد دمعي يُعَكِّرُ صَفوَكم..
ونَزيفُ جرحي.. لن يفيضَ بأرضِكم..
أنا لم أعد في حِزبِكم..!
أنا لم أعُد بَطَلَ الحِكاياتِ القديمة.!
مُذ فارقَت نفسي الشَّهِيَّةُ... وامتَعَضتُ مِنَ الوَليمَة..!
مُذ لم أعُد أَبني قُصورًا في خَيالاتي العَقيمَة.
مُذ لم أَعُد أستَحضِرُ الأرواحَ.. كي أبكي لها ...!!
أنا لم أعُد حقًّا أُلائِمُ أن أُشاركَ بالوَليمَة.
ولأنّني لو عُدتُ يومًا للبداية..
لن أرتَضي أن يُشبِهوني كل أشخاصِ الِحِكاية..!
لم يَبقَ إلا أن أُغَنّي للرِّمال...
تلك التي اٌحتَضَنَت حكاياتِ الذينَ أُحبُّهم أن يُشبِهوني.
فبدأتُ أُخبِرُ خارِجي عن داخلي .. كي يَحتَويني!!
ولأنني لم يبقَ لي إلا مسافات الخطر...
علَّمتُ نفسي أن تَغُلَّ ظُنونَ نفسي في تضاريسِ الخطر..
وتسيرَ خارِجَ أُمنياتي.. لا خَيالَ، ولا صُوَر.
الموتُ خاتمةُ المطافِ...
لِمَ الوُقوفُ على حَذَر؟!!
أنا لا حُدودَ لِقُوَّتي
ما دُمتُ أدرَكتُ المصير
ومشـيئتي قَدَري...
فَـمـالي لا أسـير
أمشي، وروحي قائِدي
وممـالِكي الجرحُ الكبير
فَلتَترُكوني أحتَوي موتي بموتي..
ولتَكُن فِيَّ الحكاية.!
أنا لم أمُت.. لم أحتَرِق...
لم تَبتَعِد عنّي البداية .
فَلتوقِظوا حُرّاسَكم..
ولتَقرَعوا أجراسَكم..
ولتَكتُموا أنفاسَكم ..
أنا لم أعُد في صَفِّكم!
لا تجرَحوا إحساسَكم ..
السِّرُّ فِيَّ... وآنَ أن يستَلَّني من بينِكم!
ماضِيَّ غابَ بِجُبنِكم...
وغَدي يَقُضُّ مَنامَكم..
ما حاجتي اليومَ بِكُم؟؟
جرحي يُحاوِرُني عن الأمر الجَلَل
من يُخبِرُ الأقوامَ أنّي لا أُبالي بالعِلَل؟
لا شَأنَ لي بِقَواسِم الأوهامِ في عُرفِ الـمَلَل.
السِّرُّ فِيَّ ...وآن أن أمضي لأكملَ رحلتي نحوَ البدايَة
والجرحُ يستَلقي ليحمِلَ مَركبي... وكَذا رَجايَه.
وتَدورُ دائِرَتي بما كَسَبَت يَدايَه
وحدودُ مملكتي الجراحُ العازِفاتُ عن الشِّكايَة
أنا لم أعُد في رَهطِكم...
لا تَشمَلوني في تَضاريسِ الوِصايَة
لا تُرهِقوا أحلامَكم
لا تَكسِروا أصنامَكم
لا تَصبُغوا أيامَكم
لا شَأنَ لي بمِزاجِكم
أنا كائِنٌ فيما أكونُ...
ولن أكونَ مِثالَكم!
أنا لن أخونَ قَضِيَّتي... قُدسي... لأقصِدَ بابَكم!
أنا لن أبيعَ دَمي على أعتابِكم!
قدسي تُناديني ...
فما شَأني بكُم؟
قدسي تُناديني...
فَـلا وَزنَ لكم.
لا شَأنَ لي بالمَسألَة...
لا عِلمَ لي بالمُعضِلَة...
سيّان عندي... موتُكم، أو صَمتُكم
أنا كائِنٌ فيما أكونُ...
ولن أكونَ مِثالَكم!
قدسي تُناديني...
دَعوني...
قَد سَئِمتُ جِدالَكم.
قدسي تُناديني...
دَعوني...
في دَمي إنسانُها..
ويريدُني شِريانُها...
مِنها ... لها ...
أنا كائِنٌ فيما أكونُ...
ولن أكونَ سوى الأمل
السرُّ فِيَّ...
وآنَ أن يَستَلَّني من بينِكم..
فَأنا بَريءٌ من سرايا ذُلِّكم..
وأنا بريءٌ من خبايا ظَنِّكم...
وأنا بريءٌ من بَذاءَةِ صَمتِكم...
بيني وبينَ الله أعرفُ سِرَّكم.!!
لِم لَم تموتوا عندما عادَت "هُبَلْ " لِتَشُلَّكم؟!
لتسُلَّكم من دَهرِكم...
من دينِكم!!!
لِم لَم تموتوا عندَما حَكَمَت بِكُم "أصنامَكم"..؟
لِم لَم تموتوا واتَّبَعتُم وَغدَكم؟!
لِم لَم تموتوا..؟
وَيحَكُم...!!
وبِكَفِّ بَغيٍ قَيدَكم.!!
السِّرُّ فِيَّ .. وآنَ لي أن أحتَمي من شَرِّكم!
وأعودَ من ذاتي.. إلى ذاتي..
وأنسى أمرَكم!
لا... لن أدُقَّ الطَّبلَ بعدَ اليومِ فوقَ رُؤوسِكم
لا... لن أقُضَّ مَنامَكم..!
ناموا... وخلّوني بِقُدسي
ناموا... سأفديها بِنفسي
ناموا... سُكارى من صَدى أحلامِكم.
فأنا وقدسي لم نَعُد من حِلفِكم!
ناموا ... فربي عالِمٌ في أمرِكم.
لا تَسمعوني إن صَرَخت
لا تُنقِذوني إن غَرِقت
لا تَسألوني:- "من تكون؟..
وكم جُرِحتَ؟... وكم نَزَفتَ؟...وهل قُتِلتَ؟...
ومَن رآكَ؟... ومَن نَعاكَ وشَيَّعَك؟
أنا كائنٌ فيما أكونُ...
ولن أكونَ مِثالَكم
ما دامَ "أَمريكو" يُفَصِّلُ أمرَكم
ناموا... ولا تَنسوا النَّوافِذَ دونَكم
قد يُفلِتُ الماضي ... ويُفشي سِرَّكم!
ويَبُثُّني سِرًا حقارَةَ شَأنِكم
لا شَأنَ لي اليومَ بِكُم
فليَفتَح التاريخُ كلَّ مَنافِذ الماضي لكم
فَلَعَلَّها تهزُّكم!
فتُؤرخونَ لفَرحَتي..
من قلبِ سورِ مَدينَتي
هذا أنا مَلكُ الملوكِ بِفَرحتي
هذا أنا... مَلِكٌ .. وهذا عالمي:
نَزفي... وجرحي... وابتسامةُ طِفلتي..
وحجارةُ الأقصى... ودمعةُ غيمتي..
وأنا هنا..
للكونِ أُطلِقُ صَرخَتي:
مَن مُبلغُ الأكوانَ أنّ محبتي...
تَمَّت ... وتمَّ لقاؤُها بمدينتي.
مَن مبلغُ الأكوان أن مُنانا...
تَمَّت... وروّى نَزفُنا أقصانا.