تكريم المناضلة عائشة عودة

، بقلم خلود فوراني سرية

لا يتوقف نشاط نادي حيفا الثقافي عند أمسيات الشعر والأدب بل يتعداه لاستضافة وتكريم من ضحوا وثاروا وناضلوا من أجل أن نحيا نحن، فكانت أمسية هذا الخميس تكريما لمن تستحق التكريم، تكريما لإنسانة، مناضلة، ثائرة، ابنة رام الله، هي عائشة عودة التي انتصرت لديها قوة الصوت فدحرت ثلاثة عقود من الصمت. فبعد أن قضت في غياهب سجون الاحتلال وأقبية التعذيب عشر سنوات وأفرج عنها في عملية تبادل بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل عام 1979، باحت. ففتحت جرحها وعرّته بكتابها الأول (أحلام بالحرية) عام 2004، وبمسافة سبع سنوات أتمت توثيق تجربتها في كتابها السيرة الذاتية (ثمنًا للشمس).

كما دائما، افتتح الأمسية رئيس نادي حيفا الثقافي المحامي فؤاد مفيد نقارة فرحب بالمُكرّمة والضيوف المشاركين والحضور، وشجع على مواكبة النشاطات الثقافية وحضور أمسيات النادي لأن الحفاظ على ما تبقى لنا والارتقاء بأنفسنا عبر القراءة والمطالعة وتثقيف أنفسنا هو شكل من أشكال النضال، إن لم يكن هو النضال.

دعا بعدها الإعلامية الناشطة الثقافية نضال رافع فكان لها تقديم مميز لصاحبة الأمسية، تقديم مهني ممزوج بمشاعر خاصة جدا تُكنها لعائشة لكونها عائشة أولا، وبحكم العلاقة التي تربطها بعائلتها ووالديها. فبعد أن قرأت نصا من غسان كنفاني في رائعته الموجعة (عائد إلى حيفا)، ذكرت أن عائشة حولت السجن إلى ساحة نضالية تحدّت بجبروتها وعنفوانها السجن والسجان. فكانت الكتابة بالنسبة لعائشة فعل تحرر من الحصار، فعل اتزان، حاجة بديهية، كقولها إننا نحيا هنا بالبلاد الغنية بنا لأننا نحن القادمون من نوافذ المعنى.

وفي باب المداخلات، قدمت د. سونيا نمر من جنين وهي محاضِرة في جامعة بير زيت وأسيرة محررة، مداخلة عن كتاب (أحلام بالحرية)، فعرضت مشهدا في الكتاب يصور أن الرجال ليسوا بأفضل أو أقوى من النساء لأن البطولة نقيسها بقوة الروح والمعنويات وليس بالجسد، وعلى العالم أن يقتنع بذلك. وأضافت على لسان عائشة أننا أردنا أن نكون الوطن والقضية فتجاوز حلمها أحلام الفتيات العاديات ببيت وعائلة ليكون مشروعها بناء وطن. فكانت أحلامها واسعة وعريضة وكانت تردد دائما كلمات الشاعر التركي ناظم حكمت "إذا لم أحترق أنا وتحترق أنت فكيف يتبدد في هذا العالم الظلام".

وأضافت إن كتابها رحلة البحث عن الذات والمعادلة واضحة تماما حيث تقول فيه عائشة للمحتل أنتم محتلون ولنا حقنا في مقاومة الاحتلال كما كل الشعوب التي قاومت احتلال بلادها. إننا لا نحب القتل لكننا نناضل من أجل حريتنا وكرامتنا وهذا أكثر من حق، هذا واجب!

أما المداخلة الثانية والتي أبهرت المستمعين فكانت لد. لينا الشيخ حشمة من شفاعمرو، تناولت فيها حكاية الأنثى والنضال من خلال كتاب (ثمنًا للشمس) فجاء فيها أن ليست المرأة السجينة هنا بالمرأة التقليديّة، التابعة أو المهمّشة، بل هي المتعلّمة، المثقّفة، المناضلة، المتمرّدة على التابو السياسيّ والاجتماعيّ. هي المرأة التي تبادر إلى كلّ شيء، حتّى لو زجّ بها إلى السجن، ساعية إلى تقويض التابوات الذكوريّة التي تقصي المرأة عن صنع القرار.

ولأنّ المرأة ترى بالكتابة تحرّرًا ومنفذًا، تكتب عائشة سيرة ذاتيّة نسويّة من أدب السجون، في زمن كان ولا يزال صوت الأنثى يعتبر تمرّدًا أو مخالفًا. فتكتب، وتحوّل حياتها الشخصيّة إلى مادة أدبيّة. إنّ الكتابة أمل يبقيها على قيد الحياة، لتتماهى شمس الكتابة مع شمس الحريّة.

هي أنثى تدرك معنى "اللّا" وتردّدها، بل تؤمن بجبروتها، لتنبثق "اللّا" من جديد حين يثقل اليأس وتُزهق الروح، فتنفض "اللّا" الموتَ عن روحها، لتشرق الشمس بعد طول غياب.

والحياة ضدّ الموت والخنوع، لكنّ الحياة في ظلّ مجتمع ذكوريّ لا تكون لأنثى إلّا إذا تمتّعت بجرأة ورفضت الخضوع، متحدّية جمر التقاليد ورجم الأعراف. وعائشة ومنذ الطفولة لم تخش من أن تحرق قدميها بهذا الجمر، وأن تحمل في دمائها رفض التبعيّة.

ولعلّ غضبها على المحامي أنطون جاسر يكشف عن جرأتها حين خاطبها قائلًا: "ما كان لك أن تزجّي بنفسك في السياسة وتدخلي السجن.. كان من الأفضل لك البقاء في بيتك لتعيشي حياتك مثل باقي الفتيات، فذلك خير من أن تكوني سجينة". لكنّها تصفعه بقولها: لست سجينة.. أنا أكثر حريّة من عشرات الملايين من نساء ورجال أمتك العربيّة الذين يقبعون في بيوتهم مكبّلين بخوفهم .. هم السجناء لا أنا.. كان من الأجدى أن تدعو هؤلاء كي يتحرّروا من خوفهم مثلي، لا أن تدعوني كي أصير مثلهم".

صفعة تليق بمناضلة حرّة أبيّة أبت أن تترك رجلًا يحبطها بكلامه هذا! هي صفعة رأتها تمثّل كلّ القوى التي تريد أن تبقي حالة تخلّف أوصلت شعبها إلى الهزيمة، بل تهدف إلى تهميش المرأة وإقصائها. فكيف تقبل بإهانة كهذه وهي الساعية إلى تحقيق التحرّر لنفسها وجنسها وشعبها؟

وبعد كّل هذا، ألا تتكشّف لنا شخصيّة عائشة وسيرتها؟ أليست هي الثائرة على كلّ محبطٍ قامعٍ؟ أليست هي التي تنبض شمسًا وترفض قيدًا؟ لا غرابة إذًا أن تكون فلسفة عائشة بقولها: "فلسفتي أنّ الأسوأ هو ركود الحياة على الوضع نفسه دون جديد".

ولتكريم عائشة دُعي إلى المنصة كل من الأستاذ الأديب حنا أبو حنا، السيد جريس خوري-ممثلا عن المجلس الملي الأرثوذكسي، المحامي حسن عبادي والمحامي فؤاد نقارة. وقد قدم الأستاذ أبو حنا تحية خاصة لها قائلا هنيئا لك وهنيئا لنا أن مثل هذه المرأة لديها هذه القوة وهذه الرسالة توجه لنا جميعا.

وبدورها قدمت عائشة تقديرا منها لنادي حيفا الثقافي على دوره الريادي والمميز في الساحة الثقافية لوحة بريشتها تعتبرها جزءا من روحها - لوحة غلاف سيرتها الذاتية.

وفي كلمتها الختامية عبرت عن بالغ تأثرها بالحدث أن وجودها بيننا كان يوما أمنية بالنسبة إليها، وها هي تشعر نفسها متكاملة بهذا الحضور وهذه الأمسية التي أثارت لديها الكثير من المشاعر والانفعالات والأفكار.

وأضافت نحن نسعى من أجل إنسانية كريمة ونريد أن نعيش قيم الحرية على أرضنا التي لا أرض لنا سواها.

وختمت بقولها، نحن نملك الجوهر والمحتل ضعيف يريد أن ينتزع منا هذا الجوهر.

بقي أن نذكر أن أمسيات النادي تقام برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني-حيفا.

وبعد التقاط الصور والتوقيع تنتهي الأمسية وتبقى في الذاكرة لتأتي أخرى يوم الخميس القادم 27.0717 مع المربي والأديب كمال حسين اغبارية بمشاركة د. منير توما، د. كلارا سروجي شجراوي وعرافة الناشط الثقافي المهندس نادر سروجي.


خلود فوراني سرية

كاتبة فلسطينية

من نفس المؤلف