الجرّاح المريض

، بقلم جورج سلوم

- أ-

في لحظةٍ ما.. تنكسرُ المعاوضة..ويتوقف دولاب الحياة.

في لحظةٍ ما.. يشيح القدر بوجهه عنك..ويسمح لقوى الظلام أن تمسك دفة الحياة.

في لحظةٍ ما.. تتمزّق خارطة الطريق التي رسمتها لمستقبلك.. ويصبح لزاماً عليك أن تنخرط في مساراتٍ أخرى لن تكون فيها أكثر من ريشةٍ في مهبّ الريح.

في لحظةٍ ما..تتوقف المسيرة..وتتحطّم الأحلام والأماني..وينسدل ستارٌ ضبابيّ أمام ناظريك.. فينقلبُ الفرحُ حزناً والأمل خوفاً وحذراً..وتبدأ معركة أخرى لم تكن في الحسبان..ويصبح مطلوباً منك أن تلملمَ أجزاءك المتلاشية لتحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه.

في لحظةٍ ما..تفتح عينيك لترى حولك زجاجاً محطماً ودماءً تسيل في كل مكان..ويصمت إلى الأبد مذياع سيارتك الذي كان يصدح بأجمل الألحان.

- ب -

أبعدتُ عن وجهي وصدري قطع السيارة المحطّمة.. ووجدتُ نفسي سجينة ذلك الهيكل المعدني الذي تفتّتَ.. في لحظةٍ ما.!

ساقي مثبّتةٌ تحت ثقلٍ هائل.و أنا عاجزةٌ عن سحبها والألم يشتدّ..وذلك السائل الدافئ الأحمر يترقرق من ساقي المكسورة.

زوجي بجانبي فاقدٌ للوعي بعد أن انفتحت الوسادة الهوائية في وجهه وتركته ملتصقاً بمقود السيارة..

ناديت بأعلى صوتي:

- (عليّ.. أين أنت يا حبيبي؟)

(أنا غير قادرةٍ على الالتفات إلى الخلف)

- (الحمد لله..ابني عليّ يتحرك في المقعد الخلفي).

وفجأة علا بكاؤه فتنفّست الصعداء...

وتكاثرت الأصوات من حولي:

- (تماسكي يا أختي.. هاهي سيارة الإسعاف قادمة)

وبعد دقائق كأنها الدهر أصبحت عائلتي...أنا وزوجي وابني الحبيب في سيارة الإسعاف...قلت للسائق:

- (انطلق بنا إلى أي مشفى..ما عدا مشفى الجامعة..أنا طبيبة وأتحمل مسؤولية قراري)
لم أسمع أي إجابة وضاعت تنهّداتي بين ثنيّات وترددات صوت سيارة الإسعاف الرّهيب التي انطلقت بأقصى سرعة...

- ج –

عدتُ إلى رشدي بعد ساعاتٍ..لقد توقف الزمن في ساعتي البيولوجية... وشطب القدر بقلمه الجارح يومي َهذا من سجلّ الحياة الرّغيدة التي كنت أعيشها وفتح صفحةً جديدة من أيامٍ مجهولة النهاية...

ملفوفةٌ أنا بالضمادات وكأني مومياءَ مدفونة تحت أحد الأهرامات..

لا أسمع من حولي سوى صوت جهاز المراقبة المعلّق فوق رأسي يعدّ النبض ويقيس الضغط في وحدة العناية المركزة..

- (أرجوكم اخبروني عن ابني وزوجي..ألا يوجد أحدٌ في هذه العناية الإلهية.؟..لقد قلت لكم إنني لا أريد أن أتلقى العلاج في مشفى الجامعة)

- د -

في اليوم التالي حدث ما كنت أخشاه..لقد عرفت صوته يدخل إلى وحدة العناية برفقة بعض الممرضات..هذا هو بعينيه الحادتين ولهجته الساخرة..تماماً لم يتغيّر منذ عشرين عاماً..
ربّت على كتفي..

- (الحمد لله على السلامة يا دكتورة..لقد انتهى الأمر باستئصال الطحال واستجدال كسر في الساق الأيسر..قولي لزوجك الأفندي أن يتعلّم قيادة السيارة... أو.. أظنّ أنكِ رفعتِ ضغطهُ على الطريق كعادتك...سوف ننقلك غداَ إلى الغرفة مائة وثلاثة عشر.. ألا يعني لك شيئاً ذلك الرقم؟ ..سوف أراك هناك في الغد)

إنه حقير كما أعرفه..كم تمنيت أن تنشقّ الأرض وتبتلعني كي لا أكونَ عرضة لشماتته وسخريته القاتلة..

- (أليس بالإمكان أن تنقلوني إلى مشفى آخر؟)

- ه -

وفي الغرفة التي حملت ذلك الرقم البائس لم أستطع النوم بسبب أصوات سيارات الإسعاف في ذلك المشفى الكريه...سعادتي لا توصف بوجود (ابني علي) بجانبي في السرير سليماً معافى..

جاء مساءً..وقال:

- (هناك بعض الألم أثناء تغيير الضّماد)

وضعت قطعة من الشاش بين أسناني وعضضتُ عليها كي لا أصرخ من الألم وهو ينزع قطع الضماد الملتصقة..

قال:

- (يا لسخرية القدر..عشرون عاماً مضت..وفي هذه الغرفة عينها..ألا تذكرين تلك الخلوة التافهة معكِ؟)

أدخلتُ قطعة الشاش إلى باطن فمي كي لا أتكلّم..كنت أودّ أيضا ألاّ أتنفس...أشحتُ ببصري عنه وحضنتُ ابني بعنف..

أردفَ يقول وقد تهدّج صوته.. وازداد انفعاله..وبدأت أصابعهُ ترتجف وهو مايزال يطهّر جرحي بعصبيّة بالغة:

- (كنت مجنوناً بحبّكِ..أرافقكِ طوال النهار في المشفى والكليّة..وأحلمُ بك طوال الليل..وكنت أظنّ أنك تبادلينني نفس المشاعر..كنت أصدّق ابتساماتكِ الكاذبة و كلماتك الخادعة...وفي لحظاتٍ فقدتُ فيها السّيطرة على عواطفي حاولتُ أن أمسك يدكِ أو أن أطفئ ظمئي بقبلةٍ ما... أو ما شابه...ولم يكن هناك داعٍ أن تنهريني أو تصيحي أو تتصرّفي ذلك التصرّف الطائش كنساءِ العصر الحجريّ....

نعم لقد أصبحتِ شريفةً وكبيرة ً بين الزّملاء..وغدوتُ أنا وضيعاً وصغيراً. لم تكن سوى محاولة لقبلةٍ بريئة من رجلٍ غبيّ عشقكِ وهام بكِ...)

أصلح نظارته وابتسم وقد انفرجتْ أساريرهُ:

- (لا أخفي عنكِ كم شعرتُ بالسّعادة عندما رأيتكِ عارية ً كما خلقتكِ أمّكِ مخدّرةً أمامي في غرفة العمليات... نعم لقد تفنّنتُ في تمزيق هذا الجسد الذي كنت أحلم بأن ألمسَ بعضاً من أذياله فيما مضى...لقد صُلتُ وجلتُ بين أحشائكِ النازفة..لاتتكبّري عليّ..ههه..عادية ٌ أنتِ كأيّ امرأة من الداخلِ والخارج..بل أنتِ أقلّ بكثير ممن عرفتُ وخبِرتُ من النساء).

أغمضتُ عينيّ بحسرة وتركتُ دموعي تسيل لتبرّد ذلك الغليان الذي تفاعلَ في روحي ووجهي... وقذفتُ من فمي قطعة الشاش التي حبستْ حنجرتي وكبريائي مثل لجامٍ في شدقِ فرسٍ جامحة...

كنت أريدُ أن أصيحَ في وجهه..أو أصفعهُ مثلما فعلت منذ عشرين عاماً...كنتُ أريد أن أدمّر ذلك الجبروت والقسوة التي يتشدّق بها...وأعيده إلى حجمهِ الوضيع ولكني اكتفيتُ بأن أقول بصوتٍ هادئ:

- (هل تعلم بأنني رفضتُ أن أتلقى العلاج في هذا المشفى كي لا أوقظَ ذاكرتك المريضة...)؟

قرصتُ ابني الحبيب بيدي فبكى...وضممته إلى صدري بقوّة وقلت:

- (لا تبكِ بابنيّ...سوف نخرجُ اليومَ بالذات من هذا المشفى..لأن بعض أطبائه مرضى وبحاجةٍ إلى علاج...وسوف نتابعُ علاجنا في مكان آخر.. إن شاء الله...)