سرديّة اللفتاويّة في ندوة اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس سرديّة اليافعين "اللفتاوية" للأديب المقدسي جميل السلحوت، والتي صدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس عام 2017 ، وتقع في 64 صفحة.

بدأت النّقاش ديمة السمان فقالت:

لا زال جرح النكبة ينزف فينا، رحل الأجداد والآباء، إلا أن الأبناء لم ينسوا عكس توقعات المحتل، بل سخروا كل أدواتهم الابداعية لإحياء أيام العزّ في وطن العزّة والكرامة فلسطين، ولا زال المهجرون قسرا يحتفظون ب "المفتاح" على أمل العودة إلى مسقط الرأس.

وها هو الكاتب جميل السلحوت يستدعي "قرية لفتا المهجرة"، وأصالة أهلها، يحكي قصة أناس لا زالت بلدتهم تسكن ذاكرتهم رغم طول السنين، يحيونها في كل مناسبة.

استطاع الكاتب بذكاء المتمرس الربط بين أصالة من يتمسك بوطنه ويحافظ على ذاكرته الوطنية، وبين من يحفظ الجميل لوالديه ويبرّهم، ويعاملهم بالحسنى، ليردّ لهم جزءا من عطائهم ومحبتهم وتضحيتهم.

ابتدأ الكاتب سرديّتها التي خصصها للفتيان بمعالجة موضوع البرّ بالوالدين، من خلال بث رسائل غير مباشرة لليافعين، يدعوهم بأسلوب شيق ناعم غير ممجوج للبرّ بالوالدين من جهة، والتمسك بحقهم في وطنهم المغتصب من جهة أخرى. وقد استعان بآيات من الذكر الحكيم، بالاضافة إلى الأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك.

أبدع الكاتب في رسم الشخوص، خاصة شخصية الجدّة أمّ وضاح، التي أصبحت تعيش الوحدة بعد موت زوجها أبي وضاح، حيث أجاد في وصف مشاعرها وسعادتها في لمّة أبنائها وأحفادها حولها، ليكونوا عزاء لها في مصابها الجلل. كما جعلنا نتعاطف مع الجدّة بعد أن خذلتها زوجة ابنها التي طردتها من منزلها بأسلوب مهذب. كما احترمنا الجدّة التي تصرفت بذكاء وحسّ عال مع أبنائها وأحفادها، فلم تحرج ابنها، بل تصرفت بحكمة العقلاء مع أبنائها جميعهم وأحفادها..

كانت عجوزا حكيمة، ذكية، مسؤولة، تمتلك حسّا وطنيا جعلها تدافع عن طفل أراد جندي الاحتلال اعتقاله أثناء توجهها للصلاة في الأقصى المبارك، حاولت تخليصة منه، فدفعها الجندي على الأرض ممّا تسبب لها بكسر في ساقها.

أتقن الكاتب أيضا رسم شخصية وضاح الضعيفة وانقياده لزوجته ميساء، كما أتقن وصف شخصية عكرمة وزوجته الحنونة إسراء، حيث أصرّا أن ينتقلا إلى منزل العائلة الكبير مع أولادهم، لعدم ترك الجدّة تعيش الوحدة في منزلها، بعد أن أصرت أمّ وضاح على عدم ترك منزلها.

لقد جعلنا الكاتب ننفر من ابنها الكبير وزوجته، وبالمقابل جعلنا نحب ونحترم ابنها الصغير وزوجته.

لم يتدخل السلحوت، ولم يشعرنا بأن أيّا من الشخوص يتكلم بلسانه. بل جعل كل شخصية تتحدث بلسانها وفق بناء شخصيتها بسلاسة، لم يُنظّر، بل شعر القارىء باستقلالية كل شخصية من شخوص الرواية، وهذا يسجل لصالح الكاتب.

والجدير بالذكر أن الكاتب يتعاطف دوما مع الإناث، ويحاول تمييزهن عن الذكور. كعادته، فقد بث رسالة هامة لكل والد ووالدة يفضلون الذكور عن الاناث.

فالابنة أكثر حنانا ودفئا من الابن بطبيعة تكوينها الأنثوية، فهي التي تقوم على خدمة والديها، بينما يعتمد الابن على زوجته في ذلك. وهنا يلعب الحظ دوره، فإن كانت الزوجة صالحة وحنونة يكون من حظ الوالدين، أمّا إن كانت عكس ذلك، بوجود شخصية ضعيفة كشخصية وضاح، يعاني الوالدان الأمرين.

لا شك أن رواية اللفتاوية لليافعين هي رواية تربوية وطنية إنسانية بامتياز، أنصح بوجودها على رفوف مكتبات المدارس.

وقالت نزهة ابو غوش:

حاك الكاتب الرّوائي جميل السّلحوت سرديّة لليافعين بعنوان "اللفتاويّة" نسبة للجدّة الّتي تنتسب لقرية لفتا المهجّرة المحاذية لمدينة القدس، الّتي هجّرت عنها عام 1948؛ إِثر الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين.

حملت السرديّة بين طيّاتها الكثير من القيم التّربويّة الّتي حثّ فيها الكاتب قرّاءَه اليافعين على احترام الوالدين والأجداد، خاصّة عند كبرهم وزمن شيخوختهم، مستشهدا بالآيات القرآنيّة الكريمة (وقضى ربّك ألّا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين احسانا...) سورة الاسراء، كذلك من الحديث النّبويّ الشّريف عندما سأل أحدهم: " يا رسول الله من أحق النّاس بحسن صحابتي؟ قال أُمّك، قال ثمّ من؟ قال أُمّك...."حتى نهاية الحديث.

السرديّة هي اجتماعيّة بامتياز، حيث تنقل صورة واقعيّة عن حياتنا الاجتماعيّة، عاداتنا وثقافتنا عن عائلاتنا الممتدّة كعرب وكفلسطينيين بشكل خاص. نقلت العادات والتّقاليد نحو التفاف الأبناء والأحفاد حول الأُسرة، والمساعدة وقت الضّيق والأزمات، رأينا ذلك من خلال تجمّع أفراد الأُسرة حول جدّتهم حين توفي زوجها، وحين كسرت رجلها؛ بسبب الجندي الّذي دفعها بكعب بندقيّته، حين أرادت أن تحمي فتىً من الجنود. لم يبتعد أحد من أفراد الأُسرة عنها، بل سكن أحد أبنائها وعائلته معها في بيتها؛ لحمايتها من أيّ مكروه وللعناية بها، وملء وحدتها. حبّ الأطفال واحترامهم للجدّة، وحنانها عليهم هو صورة حقيقيّة في أُسرنا عامّة.

اهتمّ الكاتب السّلحوت أن يبيّن في سرديّته للقارئ اليافع أهميّة مدينة القدس؛ من أجل تعميق وتجذيرمحبّتها بعيون اليافعين وتقوية الانتماء لديهم.

القدس بعيني الجدّة : عندما تقترب من سور المدينة التّاريخي، تهلّل، تكبّر وتسبّح بحمد الله."
كذلك عبّر من خلال شخصيّة الجدّة اللفتاويّة عن الغضب الكامن في قلب المقدسي من المحتل الجاثم على قلبه، عندما رأت جنود الاحتلال في باب العامود، قرأت في سرّها:

"وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون..."

ثم دعواها عليهم: "لعن الله اليوم الّذي رأيناكم فيه" ص49.

أهميّة الأقصى والصّخرة في الرواية، إِذ كانت سببا لسعادة الجدّة اللفتاويّة، فهي دائما ما ينشرح قلبها حين تراه من بيتها كلّ يوم.

في الرواية لفتة تاريخيّة للاحتلال والتّهجير، بإمكانها أن تعزّز من معرفة الطّالب بما حدث لتاريخ فلسطين عام 1948، كذلك عن حرب حزيران1967، حتّى يومنا هذا ذكر الكاتب الموسوعة التّاريخيّة "كي لا ننسى" لوليد الخالدي، فهو بمثابة مرجع تاريخي يمكّن اليافع من اللجوء إليه لمعرفة أسماء القرى الفلسطينيّة المهجّرة عام 1948، كذلك معرفة التّفاصيل الجغرافيّة والديموغرافيّة لهذه القرى.

استطرد الكاتب في نهاية الكتاب بالحديث عن قرية لفتا المهجّرة - منقول من كتاب الخالدي-: تاريخها، جغرافيتها، عدد بيوتها، سكّانها، مزارعها، عيون الماء.....

ثقلُت السّرديّة بعاطفة الحنين، حنين الجدّة إِلى بلدتها لفتا، وهي ما زالت تسكب من ذاكرتها الممتلئة عنها إِلى الأبناء والأحفاد، الّذين زادوا شوقا وحنينا إِلى بلدة جدودهم. عاطفة الحزن هي أيضا كانت مسيطرة على الجدّة إثر فقدان الزّوج رفيق حياتها. عاطفة المحبّة كذلك كانت حاضرة في السرديّة، محبّة الأبناء والأحفاد.

لغة السّرديّة لغة سلسة، وليست معقّدة يستسيغها اليافع ويفهمها بسهولة.

وقال عبدالله دعيس:

قد يُختزل تاريخ وطن وقرية وعائلة في شخص امرأة عمل الزمن في وجهها حتى علته التجاعيد، وفي جسمها حتّى نحل ولم تعد تستطع القيام أو القعود، لكنّ روحها تتّقد بالعطاء، وقلبها يفيض بالحبّ والوفاء، وثوبها المطرّز يختزل في عروقه تاريخ وطن ضاربة جذوره في أعماق التّاريخ. هذه المرأة التي قد لا نلقي لها بالا، أو قد تساء معاملتها ساعة عجزها، أو قد يُنظر إليها باستخفاف، لهي بحقّ أغنى من كتب التّاريخ، تنطق بالحكمة، وتفيض بالحبّ والرّحمة، القرب منها مغنم، والإحسان إليها برّ؛ فهي منبع العطاء، فيها أصالة تراب الوطن وعذوبة مائه.

يجسّد الكاتب في هذه السرديّة الموجّه للأطفال اليافعين، شخصيّة امرأة فلسطينيّة من قرية لفتا، عاصرت النكبة في شبابها، ثمّ أنشأت أسرة في لجوئها، صابرة على ضيم الغربة وذلّ الشّتات، ثمّ أصبحت وحيدة بعد موت زوجها وتفرّق أبنائها من حولها، لكنّها ما زالت تحمل في قلبها الحبّ والعطاء لعائلتها، وتتشبّث ببقايا ذكريات من قريتها، وتتفانى في حبّ أبنائها وأحفادها وحبّ القدس ومسجدها الأقصى. ويستغلّ الكاتب هذه الشّخصيّة ليعطي الدروس للأطفال اليانعين ويجعلهم يستخلصون العبر، في ثوب سرديّ ممتع ومشوّق، وبلغة تناسب سنّهم وأحداث اجتماعيّة تتكرّر أمام أعينهم في حياتهم اليوميّة، لكنّه يلفت انتباههم إلى ما وراء هذه الأحداث، وإلى العلاقات الاجتماعيّة المتشابكة والتي قد تؤدّي إلى سوء معاملة الوالدين أو التّقصير بحقهما.

جوهر هذه القصّة هو برّ الوالدين والإحسان إليهما، خاصّة في كبرهما وضعفهما. يصف الكاتب شعور المرأة التي يموت عنها زوجها وتجد نفسها وحيدة غير مرغوب بها من أبنائها، الذين أذبلت فتيل عمرها من أجلهم، تسهر الليالي الطّوال تطبّبهم وتعتني بهم وهي ترجو لهم الحياة، بينما يتلهّى عنها بعضهم عندما تصبح بحاجته، أو يخدمها وهو يتمنّى لها الموت والراحة من العناء.

ويبيّن الكاتب، لقرّائه الأطفال، اختلاف طبائع البشر ونظرتهم للأشياء، من خلال المواقف المختلفة لزوجات أبناء اللفتاويّة تجاهها، ثمّ ينتصر لعنصر الخير في كلّ منهن، ويرسم الصّورة الحسنة التي يجب أن تكون لهؤلاء النّسوة، وهنّ في نهاية القصّة يتسابقن لخدمة المرأة العجوز وتقديم العون لها. وأحداث هذه القصة هي صورة واقعيّة لما يحدث في كثير من العائلات، قد يراه الأطفال بأعينهم في حياتهم اليوميّة، لكن الكاتب يصوغه بأسلوب أدبيّ ممتع ويلفت نظرهم إلى مواطن العبرة فيه.

ويشير الكاتب إلى كثير من عادات وتّقاليد العائلات الفلسطينيّة في القدس وقراها قديما وحديثا، فيذكر عادات الأعراس وبعض الأكلات التراثيّة كالمفتول، ويعرّف الناشئة بها، ويذكر العديد من الأمثال والأقوال الشعبيّة. وكذلك يبيّن الكاتب ارتباط المقدسيّين قديما وحديثا بالمسجد الأقصى المبارك، كونه جزء من حياتهم اليوميّة، وارتباطهم العقديّ والوجدانيّ به، ويلفت النّظر إلى المخاطر التي تحيط به من الاحتلال الصهيونيّ، واعتداء المحتّل الهمجيّ على الأطفال، وعدم رحمته بالكبار. ويتحدث الكاتب خلال أحداث القصّة عن تاريخ قرية لفتا وكارثة تهجيرها.

تتمسّك اللفتاويّة بذكريات بلدتها لفتا التي هجّرها الاحتلال في العام 1948، وتحتفظ بمفتاح بيتها مثلها مثل كلّ اللاجئين الذين ينتظرون العودة إلى الوطن ويزداد حبّهم وتمسّكهم به كلّما مرّت السنون، ولا تتخلّى عن هذا المفتاح إلا لتنقله إلى أحفادها، وتنقل إليهم حبّ الأرض والإصرار على العودة، لتنتقل إلى الآخرة وهي قريرة العيْن وقد رأت برّ أبنائها بها، ثمّ رأت فيهم روح المقاومة والأمل بالعودة إلى الوطن السليب.

وكتب محمود شقير:

اللفتاوية.. أمٌّ وبلادٌ وذاكرة

يحرص الكاتب جميل السلحوت في كتاباته الموجّهة للكبار حينا وللصغار في أغلب الأحيان، على رؤية النصف المملوء من الكأس.

ففي زمن التفكّك الأسري، وانشغال أفراد الأسرة عن ممارسة جلسات السمر، بما يقدمه لهم الواقع الافتراضي من انعزال عبر النيت ومواقع التواصل الاجتماعي، يكتب السلحوت لليافعين سرديّته الموسومة ب "اللفتاوية" مذكِّرًا بالزمن الجميل الذي كان فيه التواصل الحي بين أفراد الأسرة أمرا مفروغا منه، لا يخرج عنه أو يخالفه إلا عاقّ لا يقدر قيمة الوالدين، ولا يعي مقدار ما قدماه من جهد وتضحية من أجل تربية البنات والأبناء.

هنا، نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع ساجدة، الأم اللفتاوية، التي مات زوجها، وأصبحت وحيدة بعد أن غادرها الأبناء وغادرتها البنات، لبناء أسر مستقلة مع الزوجات والأزواج. لكن عكرمة وزوجته إسراء يضربان المثل الحي على التواصل، حين يقرّران السكن مع الأمّ، كي لا تظل وحيدة في بيتها، ومن ثم يقتدي بهما بقية الأبناء وزوجاتهم، فلا ينقطعون عن الأم التي احتضنتهم وربَّتهم وشقيت من أجلهم. الأمر نفسه تقوم به الابنتان المتزوجتان تجاه أمهما العجوز.

ولم يكن من قبيل الصدفة اختيار امرأة من لفتا، لتكون بطلة هذه السردية وشخصيتها الرئيسة، فهي مقيمة في بيتها المطل على القدس وعلى المسجد الأقصى، وفيه قبة الصخرة المشرفة، وهي ابنة القرية المنكوبة التي ما تزال أغلب بيوتها مهجورة منذ النكبة الفلسطينية الكبرى في العام 1948 ، فيما استولى الصهاينة على بيوت أخرى فيها واتخذوها سكنًا لهم.

وهي المرأة التي تملك ذاكرة خصبة عن جمال البلاد، وعن المآسي التي تعرّضت لها البلاد، ويكمل الكاتب ما تجود به ذاكرة اللفتاوية، بمعلومات من كتاب وليد الخالدي عن القرى المدمرة في فلسطين، ليقدم للأجيال الجديدة، عبر الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم، وبمقتطف من التراث، دروسًا تربويّة عن أهمية التماسك الأسري والعناية بكبار السن من أهلنا، وعن أهمية الولاء للقدس وللبلاد بشكل بعام، وضرورة التمسك بحق العودة إليها لمن غادرها قسرًا من بناتها وأبنائها الفلسطينيين.

وفي السردية المكتوبة بلغة سهلة وبتسلسل منطقي، تأكيدٌ على أن الذاكرة الفلسطينية حيَّة لا تموت، يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، من أجل بقاء جذوة الحق متوهجة، رغم عسف المحتلين، ومن أجل تحشيد الجهود لدحر الاحتلال عن أرض الوطن، وللظفر بحق العودة والحرية وتقرير المصير والاستقلال.

وقالت هدى عثمان أبو غوش:

يُمكننا أن نُقسم السرديّة إلى قسمين،فالقسم الأوّل سلّط الكاتب الضوء فيه على أهمية العناية بأُم وضّاح التي بقيت وحيدة بعد وفاة زوجها ،ويُعزز الكاتب ضرورة التواصل والتماسك الأُسري بالدليل القرآني، الحكمة، والأحاديث النبويّة والأمثال الشعبية.

أمّا القسم الثاني عن قرية لفتا من قرى القدس المهجرة من خلال ذاكرة أُم وضّاح ومدى تعلقها بها.

تتفاخر أُم وضّاح بقريتها وتتحدث بثقة، فتصف لنا مساحة القرية وعينها، وتأخذنا إلى طقوس عُرسها ومعرفتها الشموليّة بقريتها، وتحليها بالأمل للرجوع إليها، ولذا تُعلق مفتاح بيتها في عنقها، فهي كما تقول أُم وضّاح من خلال الروايّة مريضة بحب لفتا، لا تقوى على نسيانها وحديثها عنها يزيدها بقوة الشباب. وتزداد معرفتنا بقرية لفتا من خلال كتاب"كي لا ننسى" لوليد الخالدي" بواسطة قراءة إسراء كنّة أُم وضّاح عددالسكان، عددالبيوت، مبنى المنازل، الدكاكين، طريقة معيشتهم الزراعيّة وذكرياتها في المدرسة.

تهدف هذه السرديّة إلى تثقيف اليافعين واليافعات في غرز قيم المحبّة والإحسان إلى الأمّ خاصة بعد زواج الأبناء والبنات وبقاء الأُم بمفردها كما وتهدف إلى إحياء تاريخ النكبة في عقل ووجدان اليافعين في التعرف من خلال شخصيّة أُم وضّاح على قرية لفتا المهجرة عام 1948.
استخدم الكاتب أُسلوب التكرار من خلال شخصيّة أُم وضّاح في أمنياتها ورضاها على أبنائها " الله يرضى عليكم" فقد ذُكرت هذه الجملة عدة مرّات مع اختلاف الضمير. كما وذُكرت "الحمدلله" على لسانها في مواقف عدّة.

استخدم كثيرا آيات من القرآن الكريم والحديث. وأكثر من الأمثال الشعبيّة مثل" أبو الأولاد نام جعان، وأبو البنات نام شبعان"، "من خلّف ما مات" ،"من ترك داره قلّ مقداره" ،"كما تُدين تُدان" "العمر محدود والرّب معبود" .

أمّا اللغة فكانت سهلة غير معقدة وتضمن الحوار إشارات دينية كتسابيح وحمدٍ.

وقالت ديانا أبو عياش:

من العنوان تعرف أنك ستقرأ رواية عن قرية مهجرة من قرى فلسطين هي قرية لفتا والتي تنتسب إليها البطلة.

بدأت روايته بالموت والفرقة والحزن لفراق عامود البيت، ألا وهو أبو وضاح، تاركا أمّ وضاح وأبناءهما وأحفادهما على أرض بيت المقدس في جبل المشارف، المطلّ على المسجد الأقصى المبارك، حيث سكنوا بعد انتقالهم من قريتهم لفتا إثر اللجوء الفلسطيني.

وتبقى ام وضاح في بيتها وحيدة رافضة أن تترك بيتها وتنتقل الى أي بيت من بيوت أبنائها، رغم شعورها بالوحدة نتيجة انشغال كل منهم بعمله وأولاده، لاحظت ابنتها هذا الأمر رغم عدم شكواها واكتفائها بدعوات الرضا على كل منهم، ولفتت انتباه الجميع لهذا الأمر الجلل، مما يؤدي إلى انتقال ابنها عكرمة وأسرته للعيش معها؛ ليؤنسوا وحدتها، بينما يأتي الآخرون لزيارتها بين الحين والآخر.

وما بين أحاديث الجدة، والحكم، والأمثال، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث رسولنا الكريم محمد صل الله عليه وسلم التي تصدر على لسان شخوص الرواية، تكون المواعظ غير المباشرة التي يريد الكاتب ايصالها إلى أبنائنا، خصوصا ما يحث منها على البرّ بكبار السن، والقيام بخدمتهم، والاحسان اليهم، وكذلك العلاقة مع الحموين، باعتبارهما في منزلة الوالدين.

ينتقل الكاتب بنا ص 43 إلى الحديث عن حياة أمّ وضاح في قريتها لفتا التي ولدت وترعرعت فيها فتنساب الدموع من عينيها وهي تسرد لكنتها وتتذكر الامور الكثيرة عنها، فتقول ص 47:
"اسمعي يا بنيتي، لفتا، عين كارم، والمالحة، كانت أكثر قرى القدس تطورا في المجالات كافة، أراضي لفتا واسعة وممتدة تصل العيسوية- الطور- بيت حنينا- بيت اكسا- قالونيا- ودير ياسين- عين كارم- شعفاط- وسور القدس"

ينتقل من خلال ذلك للحديث عن علاقة هذه المسنة ببيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك، وحرصها الدائم على أداء الصلاة فيه، وتتفقده على الدوام، منوها الى ضرورة اهتمام كل فرد من أفراد المجتمع بهذه المدينة المقدسة الواقعة تحت الاحتلال، وبهذا المسجد الذي تساوى الصلاة فيه خمسماية صلاة في المساجد الأخرى، فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بعد المسجد الحرام، والمسجد النبوي.

والرسالة الأخيرة كانت ص64 حيث يقول:

ذات يوم التقى أبناؤها بها جميعا في مجلسها أمام البيت، تناولت مفتاح البيت الذي هجرت منه في لفتا، أخرجت "كوشان" الأرض من جيبها، ناولتها لابنها عكرمة وهي تقول:

ما عاد في العمر بقية يا أحبتي، هذه أمانة في عنقك يا عكرمة، فحافظ عليها أنت وأشقاؤك"
وهكذا ينهي الكاتب روايته لنا بالحزن الذي يستمر في نفس اللفتاوية نتيجة اشتياقها لمسقط رأسها، رغم أنها تسكن في أجمل بقعة على وجه الأرض ( القدس الشريف) والتي هي مسقط رأس الكاتب نفسه.

عن الرواية:

الرواية جميلة، معبرة، مشوقة، هادفة، وواقعية، الخط فيها واضح واللغة سلسة وسهلة لا لبس فيها ولا غموض.

وكتبت رفيقة عثمان:

سرد الكاتب روايته، حول سيرة ذاتيّة، لامرأة أرملة أصلها من قرية لفتا المهجَّرة تُدعى ساجدة؛ تتركَّز أحداثها حول سرد أدبي يُسرد على لسان البطلة "أمّ وضَّاح"، التي سردت سيرتها الذاتيَة، منذ طفولتها، حتى كبرها، عن قريتها المهجّرة، لفتا قديما ما قبل النكبة، وعن آثارها المتبقيَّة؛ ما بعد النكبة.

من خلال هذا السرد، يهدف الكاتب لتعريف الفتيان والفتيات على الأماكن الأثريَّة والمواقع كلِّها للقرى المُهجَّرة، وحِرصًا عليها من الاندثار ونسيانها مع الزَّمن؛ كما تغرس في نفوسهم الانتماء للوطن وحبّه، والحنين للماضي.

تشجيع الرواية الذَاكرة الجماعيّة، لأحداث النكبة وتدوينها؛ حوفا من طمسها واختفائها.

تعتبرهذه الرواية واقعيّة، وتساهم في ربط وجسر العلاقات بين الأجيال، الأحفاد والأجداد، خاصَّةً وأنّ الأجداد يتوقون للحديث عن حياتهم، وتجاربهم الخاصَّة؛ كي ينقلوا لهم العبرة وتيسير الأمور عليهم بالمستقبل؛ للحفاظ على لغتهم ومعالم قراهم، وانتمائهم للأرض.

تهدف رواية "اللفتاويَّة"، الى أهميّة معاملة الأبناء لوالديهم، "رِضى الله من رِضى الوالدين"، خاصَّةً عندما يظل الوالدان وحيدين عند كبرهما، وهم في أمسِّ الحاجة على الشعور بالتفاف الأبناء والأحفاد حولهما، ما زال المجتمع العربي متماسكا في هذه الخصال، إلا أن هنالك ظواهر لأبناء يتنكَّرون لآبائهم، أو لا يواسونهم، ويرعونهم عند الكبر؛ خاصّة في عصرنا الحاضر، المواكب للعصر الالكتروني.

في رأيي لا أجد بأن هنالك ضرورة للعرض في بداية الرواية، لغاية عشر صفحات على الأقل، كان من الممكن اختصارها، وتجنّب الفتيان من الحزن، على فراق أبي وضّاح، إدخال هذا الجو الحزين لا يضيف للرواية معنى. كان بالإمكان التعبير عن وحدة الزوجة دون هذه المقدّمة الطويلة.

ورد بالرواية مصطلح: "ميساء كانت تسترق السّمع على حديث شقيقها..."، يبدو لي بأنّ هذا التصرُّف غير لائق؛ للاقتداء بهذه الصّفة غير التربويّة.

راعى الكاتب شروط السرد المطلوبة، في تسلسل الأحداث، والزّمن، والشخصيّات، والاحداث المتسلسلة وفق تسلسلها؛ إلا أن الرواية افتقدت الى عنصر الحبكة، التي لا تقل أهميّة عن باقي عناصر السرد الأدبي، كما تخلو الرواية من عنصر التشويق، وتستخدم الأسلوب التقريري للأحداث.

استخدم الكاتب اللغة فصحى، سلسة، وسهلة المعاني، تكاد تخلو من الصور البلاغيّة، والمحسّنات البديعيّة.

صورة الغلاف لم ترُق لي؛ نظرا لعرض صورة لامرأة ذات نصف وجه مكشوف، يغطّي رأسها أشواك وبريَّة، تدمي وجهها المكشوف، لا ملامح ظاهرة لهذا الوجه، يبدو أن رسّام اللوحة، ومصمِّمة الغلاف لم تقرأ الرواية مسبقا، بل العكس هو الحاصل.

حبّذا لو كانت صورة لثوب مطرّز في زي أهل لفتا، وتغطية الغلاف بالثوب الفلسطيني لوحده فقط.

وكتبت رائدة أبو الصوي:

سردية لليافعين تطرق من خلالها الكاتب المقدسي (جميل السلحوت ) الى قضية انسانية، اجتماعية نفسية،توثيقية.

ارتباط الانسان بالوطن .أمّ وضاح اختيار موفق جدا للكاتب عندما اختار اسم أمّ وضاح للبطلة .معنى اسم وضاح "الأبيض اللون والحسن الوجه البسام".

من خلال قراءتنا لسردية (اللفتاوية) وجدنا امرأة مسنة واضحة وقوية وذكية ،رأيت فيها جدّتي جدتي.

رحلة عبر الزمن، رحلة بين دفتي كتاب اللفتاوية .تطرق الكاتب لقضية الفقدان ،كيف فقدت البطلة زوجها وكيف استطاعت أن تتغلب على الحزن ،في هذه السردية تطرق الكاتب لقضية الموت.

أمّ وضاح لديها خمسة شباب وابنتان ومع وجود الأبناء شعرت بالوحدة ،حاول أبناؤها ملء الفراغ الذي تركه رحيل والدهم في حياة والدتهم .بالبداية كان صعب عبيهم، ولكنهم استطاعوا أن يتغلبوا على الحزن الذي خيم على حياة والدتهم.

فتح لنا الكاتب بيت اللفتاوية أمّ وضاح ،وفتح لنا قلبها، عشنا معها مشاعر الحزن ومشاعر الوحدة والأمومة وعلاقتها مع كناينها.

الكاتب كان موفقا في اختيار العنوان والأحداث .ترك لنا الخيال ليرسم صورة حلوة للبطلة ولأبنائها وبناتها وكناينها. عشنا معها عندما بدأت مع زوجها اثنين وأنجبوا 7 أبناء وكيف تزوج الأبناء وتركوهم.

دائرة الحياة يبدأ الأزواج اثنين وتنتهي بهم الرحلة باثنين، ولإذا رحل احدهم يعيش الفاقد داخل أزمة نفسية، إذا لم يجد المؤنس يصاب بالكتئاب. موضوع لم يتطرق له من قبل. تطرق الكاتب باسلوب بسيط وعميق لحياة أمّ وضاح. صورة أمّ وضاح وهي تقف خلف النافذة المطلة على أسوار القدس، نافذة الصالون الجنوبية في بيتها الواقع في أرض السمار على جبل المشارف .
سلط الضوء الكاتب على امتداد قرية لفتا، قرية لفتا من أكبر القرى كانت واسعة وممتدة وكانت من أكثر القرى المقدسية تطورا وتقدما في كافة المجالات.

امتداد لفتا يصل للعيسوية والطور وبيت حنينا وبيت اكسا وقالونيا ودير ياسين وعين كارم وشعفاط وسور القدس.

الأكلة الشهيرة في لفتا (المفتول) كانت حاضرة بالسردية .أذرع كثيرة ومتشعبة تناولها الكاتب في السردية ،رسائل كثيرة وجهها ما بين السطور للمحافظة على التراث والتمسك بالوطن. تمسك عماد اللفتاوي بسيارة الدودج القديمة التي ورثها عن والده .السيارة الرمز، المفتاح رمز الفلسطينيين .مفتاح العودة .المسجد الأقصى المبارك وخصوصيته وارتباطنا به كارتباط الروح بالجسد.

وقالت هدى خوجا:

صورة الغلاف عين على القدس، وعين اسودّت واحترقت من شدّة الألم والحزن على عملية التّهجير من قرية لفتا.

اللغة ملائمة لفئة اليافعين. الخط ونوعيّة الورق مناسبة للقراءة.

ركّز الكاتب من خلال السّردية على عدّة قضايا؛ دينية، تربوية، تاريخية، تراثية وجغرافية.

حيث احتوت على الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة لبر الوالدين ورعايتهم، وموعظة للاستاذ عارف والحكم وحق الأم على الأبناء. ص35-40، والتّحدث عن النّواحي الجغرافية لقرية لفتا المهجرة. وغرس محبة الأرض والتعلق بها، والايمان بالعودة إلى ربوع قريتها، فهي ما تزال تعلق مفتاح البيت المهجور في عنقها، الإيمان بالعودة مهما طال الزمن.

ولكن لماذا اختار الكاتب شقيق ميساء للموعظة ولم يختر شقيق إسراء؟

الحزن والفراق والموت، ونار الفراق تحرق قلب ساجدة أمّ وضاح، ولكن غضب سلفها علي وقال: "من خلّف ما مات" وعندك خمسة شباب ما شاء الله عليهم!"ص4، ولكن لماذا لم يذكر سلفها ابنتيها وداد وفاطمة؟ أم فقط التّعداد ضمن الذّكور، وهي لديها خمسة أولاد ذكور وهم: وضاح الابن البكر وعكرمة ونبيل ووسيم وبهاء؟

تخللت السّردية ذكريات جميلة مع العائلة ووالدهم المرحوم أبو وضّاح، وسعادة الجدّة دوما بوجود أبنائها وأحفادها."ليتني أحظى بها كل لحظة، فالجلوس مع الأبناء والأحفاد سعادة يصعب وصفها، والله يرضى عليكم لا تحرموني منها."ص8

ولكن بعد انتهاء أيام العزاء الثّلاثة ونوم أم وضّاح في بيت ابنها البكر وضاح، رتبت كنتها ميساء منزل أم وضاح وفي اليوم الرابع أوصلتها لبيتها لم تحتمل الكنة ميساء حماتها أكثر من ثلاث أيّام. " ميساء : رتبت لك بيتك وسريرك...هيّا معي لأوصلك إليه"ص10

ورغم ذلك لم يلفظ لسان الحجّة أم وضّاح إلّا الرّضى والدّعاء لأبنائها،"الله يرضى عليك وعلى زوجك وعلى أبنائك"ص11

"عادت بذاكرتها إلى معاناتها عندما أنجبتهم، وكيف سهرت ليالي طويلة على راحتهم، شعرت بوحدة قاتلة وقالت: ربنا يرضى عليهم ويوفقهم " ص12

وأيضا كيف تزحلقت عن الصّخرة أثناء حملها بولدها عكرمة،حيث تقول " خفت عليك وأنت جنين أكثر من خوفي على نفسي، لكن الله ستر،وبقيت صامدا في أحشائي"ص23

تم وصف مدينة القدس وجمالها حيث تطل من بيتها أم وضّاح عليها، لتكتحل عيناها برؤية المسجد الأقصى،وقبة الصّخرة فهي أرض مقدّسة. وتستطلع مآذن المساجد وأبراج الكنائس.

تستذكر أم وضاح حفل زواج ابنها البكر وضّاح وخدمة زوجته أثناء حملها ومخاضها، والاعتناء بأحفادها.والملاحظ أن أم وضاح دائمة الرّضى عن أبنائها.

تمّ ذكر بعض الأكلات الشّعبية ومنها المفتول ص15

والأمثال منها "أبو الأولاد نام جعّان، وأبو البنات نام شبعان"ص16

وتستمر لوعة أم وضاح على بيتها الذي أرغمت على تركه في لفتا، وتذكر ماء النّبع للشّرب والطّبيخ والغسيل والاستحمام.

وتبقى اللفتاوية تحن إلى زمن العز والدّلال في قريتها لفتا، ومن شدّة تعلقها بقريتها لفتا لقبت باللفتاوية، "فلا أحد ينسى بيته ووطنه،ومقابر آبائه وأجداده".

"هذه الأشجار تذكرني ببساتين لفتا المعلقة، رحم الله أيّام زمان،كيف كنا؟ وأين أصبحنا؟"

وفي النهاية مفتاح البيت الذي تحافظ عليه في عنقها تسلمه أمانة لابنها عكرمة، "هذه أمانة في عنقك يا عكرمة، فحافظ عليها أنت وأشقاؤك" ص64 نعم إنها أمانة عظيمة.
وكتب طارق السيد:

افتتح الكاتب الستار عن سرديته بمشهد وفاة أبو وضاح ، زوج أم وضاح، وأخذنا الى طقوس الوفاة..من تحسر ولوعة وألم، وصعوبة العيش بعد فقدان الشريك حتى لو كان هرما، وكان لها العديد من الأبناء، فالنظرة هنا هي نظرة موروث شعبي باحترام شريك العمر، الذي تقاسم معها الأفراح والأتراح.

بدأ بعد ذلك بسرد بعض التفاصيل العائلية والصراعات الموجودة داخل الأسرة التي تقطن في بيوت تشرف على جبل المشارف.

زوجة الابن الأكبر تمتلك حصة لا بأس بها من الحقد والغرور والقسوة، وقد ألبسها بذلك أبعادا لشخصيتها على عكس زوجة الابن الآخر عكرمة، التي ألبسها الكاتب ثوب الرفق والحنان والانسانية، وأعتقد أنه كان موفقا بذلك حتى يوازن بين شخصيات حكايته من خلال التباين بالمشاعر.

اللفتاوية هي أمّ وضاح، تلك المسنة التي تجد احتراما في مجتمعنا، فهي الأمّ المنجبة الصالحة العاملة في البيدر، والتي تحملت كبد العيش لتربي أبناءها تربية صالحة وتزرع فيهم حب الأرض.

استطاع الكاتب بذكاء أن يقدم المعلومات المطلوبة عن القرى المهجرة بعيدا عن أسلوب الاقحام، فمن خلال حوار أمّ وضاح (اللفتاوية) مع كنتها استطاعت أن تعطي معلومات افتقرت إليها الكتب، أو لم تتحدث عنها بالدقة المطلوبة كما جاء في كتاب الخالدي (كي لا ننسى) فالشاهد على العصر أو من عاش التجربة هو أصدق الناس برواية المعلومة، بالاضافة إلى حديثها عن العادات والحياة الاجتماعية ..والتعليم في زمنها، ووصفت الحضارة والرقي بدليل دخولها المدرسة في قريتها بعكس الاشاعات التي كانت تتهم القرى الفلسطينية بالجهل وتجهيل الفتيات.

اللفتاوية هي رمز للأرض التي تجمع الجميع من الأبناء والأحفاد وتضمهم وتبقيهم على العهد والذكرى، والكوشان والمفتاح الذي يجب أن لا ينسى، اللفتاوية شجاعة لا تهاب قول الحق أو الدفاع عن الحق، ومثال ذلك ما حدث لها باب العامود.

أجد أننا بحاجة إلى هذا النوع من الأدب الذي يدمج المعلومة بالتشويق والفائدة والتاريخ، وهذا ما نجح به الكاتب، ولكن كان هناك بعض الملاحظات التي ربما تعمدها الكاتب ونراها في معظم أعماله، فالكاتب يبدأ العمل من منتصف حدث ما دون مقدمات أو تمهيد، وهذا الأسلوب ربما يجعل القارئ جزءا لا يتجزأ من العمل، عدم وجود فواصل في سردية الكاتب جعلتني أتوقف أكثر من مرة بسبب التقاطع الذي حدث في تداخل الزمن، فيا حبذا لو كان هناك فاصل معين ليستدل القارئ أن الزمن أو المشهد بالعمل قد تغيير، وقع الكاتب بخطأ غير مقصود في صفحة 34 عندما قال نبيل:

هذا صوت مصطفى شقيق ميساء زوجة وضاح، وبعد سطرين يتغير اسمه ليصير الاستاذ عارف، والذي استطاع أن يقدم ومضة دينية واجتماعية بمسألة بر الوالدين.

العمل جميل وموفق ويؤرخ لتاريخنا ومفيد لليافعين الذين يفتقرون إلى هذه المعلومات التي ربما لم يسمع الكثير منهم عنها.

صورة الغلاف برأيي كان يجب أن يكون فيها بعض من الحركة أو الألوان لتجذب اليافعين.

العمل يضيف إلى المكتبة الفلسطينية، وربما هذه نافذة للأديب كي يصنع سلسلة تتحدث عن القرى الفلسطينية موجهة للفتيان.

وقالت نسب أديب حسين:

اللفتاوية كعنوان وصورة غلاف، تعكس لنا الملامح الأولية لبطلة رواية الكاتب جميل السلحوت، ليتناسق الغلاف الحامل لصورة نصف وجه لامرأة، تطلّ ناظرة بعين حزينة وعلى خدها خدوش، ويمكن للقارئ أن يتخيل بطلة الرواية العجوز، ممن ما زالوا على قيد الحياة من قرية لفتا المهجّرة الواقعة في مدخل القدس الغربي.

وهنا أمام هذا الإصدار نجد أنّ المرأة والتعبير عن قضاياها تأخذ مكانتها عند الكاتب، ليكون العنوان المعبّر عن الأنثى مضافا إلى العديد من العناوين الأخرى التي تصدّرت روايات سبق نشرها مثل "الأميرة، رولا، زمن وضحة، لينا"، وقد تنوّعت أعمار بطلات الكاتب وهي في هذه المرّة امرأة عجوز من مواليد قرية لفتا عام 1929، تحمل الرواية همّها وخشيتها من الوحدة بعد وفاة زوجها، وحنينها إلى قريتها مرابع الطفولة.

من خلال هذه الظروف التي تستهلها الرواية بموت الزوج العجوز، يمرر الكاتب عدة رسائل أهمّها البّر بالوالدين، ونشر الوعي والمعرفة عن قرية لفتا، التي كانت من القرى المتطورة وتمتلك مساحة شاسعة من الأراضي، حتى تمّ تهجيرها، وتدمير قسم منها عام 1948.

لغة الرواية سلسة بعيدة عن التعقيدات اللّفظية، فلا بدّ أن تكون مفهومة لجيل اليافعين الذي خُصصت لهم، ولكن كنت أفضل لو كان راوي الرواية شابّا أو شابة يافعة، أو تمّ طرح شخصية يافعة متحدّثة ضمن شخصيات الرواية؛ لتكون أكثر قربا من هذا الجيل. كما كان بالإمكان اختصار بعض السرديات، أو طرحها بأسلوب مختلف خاصة المعلومات المقتبسة عن لفتا من كتاب "كي لا ننسى" والتي وردت في الرواية ص 54-56.

ختاما تأتي هذه الرواية حاثة على الأخلاق الحميدة، وتُضاف إلى عدد كبير من الروايات التي كتبها الكاتب المقدسي جميل السلحوت، متناولا مناطق مختلف من القدس، ساعيا من خلالها تأريخ الذاكرة الجمعية للمدينة وقراها.


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف