أراجيف جارتنا العجوز

، بقلم سعيد مقدم أبو شروق

أراجيف جارتنا العجوز (1)

جارتنا العجوز كانت زعلانة من والدتي بسبب أحفادها المشاغبين، أو لأسباب تافهة أخرى، فلم تكلم والدتي، ولم تسلم عليها إذا ما مرت من قربها، ولم تدخل بيتها بتاتا.

أما اليوم وبعد أن توفي أبي، دأبت تزورها كل يوم بكرة وأصيلا.

وتوصيها أن لا تخرج من بيتها قبل مضي أربعين يوما من وفاة المرحوم زوجها.

فتقول ناصحة:

أخيتي أم محمد، إياك أن تبرحي بيتك قبل مضي الأربعين!

لأن أبا محمد وفي فترة الأربعين، يزور البيت كل يوم، وإن جاء ولم يجدك، يحزن حزنا بليغا؛ وهل يرضيك أن يحزن المرحوم؟!

أراجيف جارتنا العجوز (2)

اتفقنا أن لا نلبس السواد على أبينا رجالا ونساء وقد انتقل إلى رحمة الله؛

لكن جارتنا العجوز عبست وبسرت، ثم حشرت نفسها في الموضوع واعترضت:

هذا الذي تعب وشقي، ربّى وعلـّم، هذا جزاؤه؟! أن لا تحزنوا عليه؟! ولا حتى أربعين يوما؟!
إن هذا لهو العقوق نفسه! والعاق لأبيه أو لأمه كان من الخاسرين!

أراجيف جارتنا العجوز (3)

جميع جاراتنا العجائز لم يقرأن ولم يكتبن، وسبب هذه الأمية يعود إلى الأنظمة السياسية، وإلى رؤساء القبائل آنذاك.

أميات لكنهن يأتين بالأحاديث والروايات المزخرفة من الشمال ومن اليمين!

ذبحنا عقيقة لوالدنا، ووزعنا اللحم على الفقراء والجيران وطبخنا بعضه، فقالت إحداهن محذرة:
عليكم أن توزعوا اللحم على الجيران، ثم تسترجعوا العظام منهم فترموها في النهر، وإياكم أن ينقص منها عظم واحد، فعندئذ كيف ينشزها الله؟!

ثم لا يستطيع الميت ركوبها يوم القيامة فيسقط في النار!

أراجيف جارتنا العجوز (4)

والدتي تبلغ من العمر ثمانين، وقد عاشت أكثر من ستة عقود مع والدي وكان لها نعم العشير، فلها الحق إن تذكرت العشرة وحزنت أو بكت؛

ونحن بطبيعة الحال نهدئها.

لكن جارتنا العجوز وكلما دخلت عليها لطمت وجهها ورفعت صوتها بالعويل حيث يسمعها سابع جار، فأججت النار وجعلت المرأة المسكينة تبكي بحرقة!

اليوم حذرت والدتي أن لا يرى وجهها غريب، ورغم أن الحرارة في قطرنا تفوق الخمسين، أن تشد العصابة على رأسها، وتلبس الجوارب والقفازات السود، وإلا ... احترق كل عضو منها في نار جهنم إن رآه غريب!

أراجيف جارتنا العجوز (5)

اليوم أقبلت جارتنا العجوز تزف مبكرة:

أخيتي أم محمد، البارحة رأيت المرحوم زوجك في المنام، وأوصاني أن أبلغ سلامه إليك، وطلب منك أن تطبخي له رزا وسمكا مغليا، وأن تضعي له في المائدة بطيخا.

ثم تباكت وتابعت:

أتذكر أنه كان يحب البطيخ! وكان لي كفل منه كلما زرتكما.

ولا ترجي الأمر لغد، فينام المرحوم جائعا!

أراجيف جارتنا العجوز (6)

اليوم طرقت جارتنا العجوز الباب بملء كفها طرقا متواليا، فأسرعنا لنفتح الباب؛

وما إن رأت والدتي في الحوش حتى نشقت نشقة كادت روحها أن تزهق:

يا أم محمد، كيف تنتعلين النعال وتدوسين الأرض؟!

هذه الأرض التي طمت أبا محمد، هذا الرجل الحنون، كيف تطئينهابالنعال؟!

انزعي النعال من رجليك وامشي حافية!

أم أن أبا محمد لا يستأهل أن تمشي من أجله حافية؟!

أراجيف جارتنا العجوز (7)

تربعت جارتنا العجوز في جلستها ورشفت كوبين من الشاي ثم خاطبت والدتي مستفهمة:
أخيتي أم محمد، هل أخرجتم ثلث المرحوم؟

أجابت والدتي: ليس بعد؛ ثم إن المرحوم لم يكن يملك سوى هذا البيت الذي نسكن فيه.

فأففت الجارة حزنا وقالت إنما أعظكم بواحدة فاستمعوا لي وافعلوا:

بعد أن تبيعوا البيت، ارسلوا ثلث المرحوم إلى السيد الفلاني، وإياكم أن تتصرفوا فيه من تلقاء أنفسكم!

لأن الثلث لا يتصرف فيه إلا علماء الدين!

أراجيف جارتنا العجوز (8)

عندما توفي أبي، جارتنا العجوز تعشت عند والدتي برفقة زوجها وابنها وأحفادها.

وهي تلوك اللقمة تلو اللقمة تفقدت الحلوى والتمر فقالت:

أساس الثواب في التمر والحلوى، فأين التمر وأين الحلوى؟!

وأخرجت من جيب فستانها الأسود أكثر من حديث وسنة نبوية لتأييد كلامها.

ثم توجهت نحونا وتابعت:

عليكم أن تذبحوا ثلاثة دجاجات في الليلة الأولى، ثم دجاجتين في الليلة الثانية، ثم واحدة في الثالثة.

وأن تطبخوا سبع جمع وسبعة أهلة، وأن تدعوا الجيران إلى الولائم ولقراءة الفاتحة.

وأكملت: إن الفاتحة تمر على روح المرحوم كنسمة هواء منعشة!

أراجيف جارتنا العجوز (9)

كان أبي قد وصانا أن نواريه الثرى في أقرب مقبرة، والمرء هو وعمله.

لكن جارتنا وقد أشربت بالترهات والأباطيل الدخيلة تباكت معترضة:

لماذا لم تدفنوا المرحوم في مقبرة أهاليه؟!

المسكين وحيد هذه الليلة، لا أب ولا أم ولا أحباب!

وأجهرت بصريخها تخاطب أبي: من يستقبلك هذه الليلة يا أبا محمد؟!

ثم خاطبتنا بنصائحها الشاذة:

لا تدعوا أباكم غريبا في هذه المقبرة، زوروه كل خميس.

أراجيف جارتنا العجوز (10)

يبدو أن جارتنا العجوز لا تألونا خبالا، فما إن بلج الصبح حتى هرولت نحو بيتنا حاملة إلينا صرة من الأراجيف:

اطبخوا لوالدكم في اليوم السابع، وينبغي أن يكون الطعام سبعة ألوان!

وادعوا الناس لوليمة الأربعين، ولتكن وليمة فخمة تتناسب ومكانة أبيكم المرحوم!

ولا تنسوا دورة السنة وما لها من متطلبات من طبخ ونفخ!

تذكرت أني كنت قد سألت أبي عن الأربعين فأجاب:

في عهد آبائنا لم نسمع بالأربعين ولا بالخمسين.

فأنى لك هذه الهرطقات أيتها العجوز؟!

كفى، ولن تجدي في هذا الجيل الذي بدأ يتطلع إلى الحقائق والإصلاح، ويسير نحو سبيل الرشاد، سماعا لك.