تحسبهم معك فإذا هم عليك

، بقلم فاروق مواسي

ما أصعب أن تستجير بمن تظنه عونًا لك، سواء أكان قريبًا أم صديقًا أم جارًا فإذا به يكون عليك، لا لك، فتُضطر أن تتقي شره قبل شر من يعاديك.

ذكرتني هذه البداية بشخص أكاديمي عُرف عنه أنه وطني. توجهت إليه طالبًا منه أن يقف معي في نقاش أذود فيه عن موقف ما، فوعد خيرًا، وأمّلت خيرًا!

اتهمني مسئول عني أن لي يدًا فيما جرى من حدث يومها، فبرّأت نفسي ما استطعت، وأبنت الموضوع بموضوعية، ثم ناشدت المسئول أن يُغلق الملف حفاظًا علينا جميعًا، وعفا الله عما سلف.

لكن صاحبنا "الوطني" فاجأني، فقد ضرب الطاولة بقبضة يده مؤيدًا موقف المسئول، وقال بصوت عال:

"من يفعل ذلك، فيجب فصله عن منصبه"!

لا أريد أن أواصل الحكاية، فمثل هذا لا نعدِمهم في مجتمعنا.

لست أتحدث هنا عن الذين يبتعدون عنك ساعة الضيق، ولا عن أولئك "الأصدقاء" الذين يتجاهلونك أو يتخلون عنك لسبب أو لآخر، ولكني سأركز على خذلان من تتوقع مساعدته، فإذا به يكون هو الضد والند!

وعلى مثل هذا مدار الحديث.

زخر الشعر العربي بوصف هذا الموضوع، فيقول ابن الرومي:

تَخذتكمُ درعًا وترسًا لتدفعوا
نبالَ العِدا عني فكنتم نصالَها
وقد كنتُ أرجو منكُمُ خيرَ ناصرٍ
على حينِ خذلانِ اليمين شِمالَها
فإن أنتمُ لم تحفظوا لمودتي
ذِمامًا فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقفَ المعذورِ عنّي بمعزِلٍ
وخلّوا نبالي والعِدا ونبالَها

تصوروا أن الشاعر أمّل فيهم أن يكونوا معه وينصروه، فإذا بهم يكونون نصال النبال!
وهل أقسى من ذلك؟ وليتهم وقفوا "بمعزل"!
ورحم الله أبا الطيب:

كلما أنبت الزمان قناة
ركّب المرء في القناة سنانا

من هذا القبيل قول الشريف الرضي:

قُلْ للّذينَ بَلَوْتُهُمْ، فَوَجَدْتُهُم
آلاً وغيرُ الآل ينقَع غُلَّتي
أعددتكمْ لدفاع كلِّ مُلمّة
عَنّي، فكُنْتُمْ عَوْنَ كلّ مُلِمّة ِ
وَتَخِذْتُكُمْ لي جُنّة ً فكَأنّمَا
نظر العدو مقاتلي من جُنّتي
فلأرحلنَّ رحيلَ لا متلهف
لِفِرَاقِكُمْ أبَدًا وَلا مُتَلَفِّتِ
ولأنفضنّ يديَّ يأسًا منكمُ
نَفْضَ الأنَامِلِ مِنْ تُرَابِ المَيّتِ

ما أشد ألم الشريف وهو يجد من اختبرهم سرابًا لا ينقع الغلة، فقد توخى أن يكونوا له عونًا، فإذا بهم عون لكل ما حاق به من وقائع الدهر، فلا يجد سبيلاً إلا الرحيل عنهم يائسًا من مواقفهم المتخاذلة.

مثل هذا نجد فيما كتبه المعتصم صاحب المَرِيّة – في الأندلس، وقد كتب للوزير ابن عمار:

فلم تُرني الأيام خِلاً تَسرّني
مَباديه إلا ساءني في العواقب
ولا كنت أرجوه لدفع مصيبة
من الدهر إلا كان إحدى المصائبِ

يثير هذا الوصف ابتسامة ساخرة لصدق ما فيه، ومثل ذلك قرأت في شعر إبراهيم بن العباس:

وكنتَ أخي بإخاء الزمان
فلما نبا صرتَ حرْبًا عَوانا
وكنت أُعِدّك للنائبات
فها أنا أطلب منك الأمانا
وكنت أذم إليك الزمان
فها أنا أطلب فيك الزمانا

من جميل ما قرأته في هذا النسق هذه الأبيات المتألمة، وهي من شعر علي بن فَضّال المُجاشعي:

وإخوانٍ حسبتهمُ دروعًا
فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهمُ سهامًا صائباتٍ
فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوب
لقد صدقوا ولكن من ودادي

(ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج 14، ص 94).

لقد فطن الشاعر الجاهلي المُثّقِّـب العبْدي منذ البدء إلى هذا النوع من القصور، ووفر على نفسه طعنًا من صديقه، فخاطب صديقه عمرًا وهو مشهور بنجدته وحلمه، بعد أن وقف معه بمعزِل في موقف ما، طالبًا منه أن يتخير أحد الأمرين:

إلى عمروٍ، ومنْ عمروٍ أتتني
أخي النَّجَداتِ والحلمِ الرَّصينِ
فإمَّا أنْ تكونَ أخى بحقِّ
فأَعرِفَ منكَ غَثِّي من سَميني
وإلاَّ فاطَّرحني واتخذني
عَدُوّاً أَتَّقيكَ وتَتَّقيني

هكذا إذن في رأي الشاعر:

فإما أن تكون أخًا ناصحًا صدوقًا مؤازرًا لي أعرف من خلالك مواطن الزلل ومواطن النجاح، وإلا فاتركني، ولنكن عدوّين ظاهرين يتقي الواحد منا الآخر.

بعد كتابتي المقال وقعت بين يدي مجلة (الف- العدد السابع والثلاثون)، فقرأت عن تجربة الكاتب عزت القمحاوي (ص 264)، فأحببت أن أضيف ما قاله عن تجربته الصحفية، لأنه عزف على الوتر نفسه:

"يبدي رئيس التحرير ملاحظة عابرة تنمّ عن عدم رضاه عن صحفي، فيبدأ أقرب أصدقائه في التنغيص عليه. وقد ينسى الرجل غضبه، لكن أتباعه يستمرون في إيقاع الأذى بزميلهم، لا يتوقفون إلا بعد أن يصدر إليهم أمر واضح".

وأخيرًا، فأنا لا أقول ما قاله المثقِّب العبدي في عجز البيت الثاني، إذ لا أرجو أن يكون لي أحد عدوًا بأي حال.

في مقالتي (الصديق الحقيق) وهي من مواد كتابي الوشيك "قطوف دانية- الجزء الثالث" ختمت بالقول:

وإلا فاطَّرِحني ثم دعنا
بودّ العيش في نهج أمين

أو :

وإلا فاطَّرِحني ثم دعنا
نعش أبدًا على ودٍّ مكين (أو مبين)