رُؤى ثقافيّة «٢٦٨»

إيقاع الشِّعر وموسيقاه

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

يَعترض بعض المعاصرين على مصطلح (موسيقى الشِّعر)، ويستبدلون به (الإيقاع)، زَعْمًا أن ما في الشِّعر إيقاع لا موسيقى. وهو ما لم يكن محلَّ اعتراض منذ وضع (إبراهيم أنيس) كتابه المشهور «موسيقى الشِّعر العربي»، أو عَبَّرت (نازك الملائكة) عن ذلك بـ«موسيقى الشِّعر»، كما في كتابها «موسيقى الشِّعر»، وهو محاضرات ألقتها على طلبتها في مادة «موسيقى الشِّعر» في قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة الكويت، ونشرته (مؤسَّسة عبدالعزيز البابطين) في الكويت، 2004.

لم نسمع بمثل هذا الاعتراض إلَّا بأخرة؛ إذ كثر المتفيهقون بين الناس والمتنطِّعون، كما كثر الناثرون النافرون من موسيقى الشِّعر العربي أصلًا. وكنتُ منذ سنوات اقترحتُ استبدال تسمية (عِلْم العَروض والقافية وموسيقى الشِّعر) بـ(عِلْم العروض)، في تسمية المادَّة التي كنتُ أدرِّسها لطلبة قسم اللغة العربيَّة وآدابها في جامعة الملك سعود بالرياض، وهو الاسم الذي أصبح الآن مستعملًا لتلك المادَّة. ذلك لأننا حين نستعمل مصلح «موسيقى الشِّعر» لا نحصر المعنى في عِلْم العَروض والقافية، لكنَّ موسيقى الشِّعر تشمل جوانب أخرى كثيرة من الموسيقى اللغويَّة الموظَّفة في بناء النصِّ الشِّعري. وبالرجوع إلى عِلْم الموسيقى نفسه نعلم أن الإيقاع ليس سوى نقرٍ مفردٍ أو ثنائيٍّ على طبلٍ ونحوه، وهو ما يُعرف بـ«الرِّثْم Rhythm»، ممَّا قد يصح القول إنه يشبه المتحرِّك والساكن في التفعيلة العَروضيَّة. لكن ماذا عن البحر الشِّعري في عمومه؟ وماذا عن القافية؟ وماذا عن الجرْس اللفظي؟ وماذا عن فنون البديع؟ والتناغم الداخلي في البيت أو النص؟ وماذا عن النَّبْر، إنْ وُجِد؟

كل ذلك لا يحتويه مصطلح الإيقاع وحده، المشير إلى البناء الصوتي الكمِّي لا أكثر.
ولقد كان أصل البحور الشِّعرية العربيَّة ضروبًا من الألحان الغنائيَّة لدى العرب، كالنَّصْب، والسِّناد، والهَزج، التي يؤدونها في مناسبات مختلفة، مصحوبة بآلات موسيقية أو غير مصحوبة، فكانت تلك البحور الشِّعرية بمثابة المقامات في الغناء. وكانوا لا يُقيمون الوزن الشِّعري، ولا جماليَّات الشِّعر الصوتيِّة، دون توسِّل الغناء على لحنٍ من تلك الألحان. حتى قال (حسان بن ثابت):
تَغَنَّ في كُلِّ شِعرٍ أَنتَ قائِلُهُ ** إِنَّ الغِناءَ لهذا الشِّعرِ مِضمارُ

وهذا مذهب الشاعر الحديث (محمَّد مهدي الجواهري)، كما ذكره في أحد اللقاءات. (1)
بل إننا إذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك، أمكن القول إن اللغات البشريَّة ما هي في أصلها سوى ضروب من الموسيقى التصويرية لمعانيها، تتفاوت في ذلك درجات من التفاوت.(2) وهي خاصيَّة تتجلَّى في العربيَّة بخاصَّة، حتى وُصِفَت بأنها لغةٌ موسيقيَّة، ومن تلك اللغات الموسيقيَّة كذلك الفارسيَّة، والفرنسيَّة.

وممَّا لا شكَّ فيه أن موسيقى الإنسان الأوَّل كانت صوتيَّة لغويَّة غنائيَّة شِعريَّة، قبل أن يخترع الآلات ويصنع من خلالها الموسيقى الآليَّة، متخطِّيًا تلك الحقبة الطبيعيَّة، التي استمرَّت لدَى غيره من المخلوقات المغرِّدة. ولهذا فمن المعروف أن السُّلَّم الموسيقي في الموسيقى إنما وُضع باستقراء الصوت الإنساني وطبقاته. وعليه، فإن مصطلح (الموسيقى) هو المصطلح الأدق والأشمل للتعبير عمَّا في اللغة الشِّعريَّة من تنغيم وتناغم، في مستوييهما اللغوي والفنِّي. أمَّا مصطلح (الإيقاع)، فلا يشير- إنْ أشار- إلَّا إلى جانب من ذلك كلِّه. ثمَّ إنَّ مِن تقميء الجماليَّات الصوتيَّة في بناء الشِّعر- وربما كان تقميئًا مقصودًا- شمولها بمصطلح يحيل إلى جزئيٍّ بدائيٍّ من عالَم الموسيقى، هو (الإيقاع)، وكأن موسيقى الشِّعر لا تعدو نقرًا وقرعًا وطبلًا. وتلك نظرة سطحيَّة قاصرة.

على أن من الناس مَن لا يفهم موسيقى الشِّعر إلَّا في هذا الحدِّ، لكن ذلك شأنه القاصر. وبذا نرى أن المصطلح المستوعِب لما في الشِّعر من جرْس، ونبْر، ونغم، وتوقيع، ووزن، وتقفية، هو مصطلح (موسيقى الشِّعر)، على سبيل الحقيقة لا المجاز. ولو كان ثمَّة مصطلح أشمل من مصطلح موسيقى، ليُطلَق على البناء النغمي الشِّعري، لكان أَولى؛ لأن لغة الشِّعر تتجاوز بفنِّيَّاتها الصوتيَّة وأسرارها التعبيريَّة وأمواجها وألوانها، ما تعرفه الموسيقى الآليَّة، بوصفها: أصواتًا منتظمة في درجات.

أمَّا مَن لا يلوي على شيء من ذلك كلِّه، من كاتبي النصوص، لا بموهبةٍ ولا باكتساب، فليبحث له عن مجال آخر، ففاقد الشيء لا يعطيه. أو ليكتب بلغةٍ غير العربيَّة. وما ضَرَّه لو سمَّى كتابته خواطر؟! أيظن أن الادِّعاء هو الذي سيُكسبه الهويَّة الفنِّيَّة؟ وأن الزمن سيمحو ذاكرة الشِّعر وذاكرة العربيَّة والعَرَب، إنْ هو وَجَدَ فُرجةً ظرفيةً لتسويق عمله، ونقل المصطلحات لإلصاق شِعار الشِّعر على قِطَعٍ نثريَّة، قد لا تكون راقية حتى في ميدان النثر؛ لأن صاحبها غير مؤهَّل لغةً وفكرًا وأدبًا من الأساس؟

إن الهويَّة الفنِّيَّة طبيعةٌ في اكتساب، ذات شروط موضوعيَّة عِلْميَّة، لا تُمنَح بالهوى، ولا تُسحَب بالهوى، إلَّا في عالمنا العربي، حيث تُمنَح جميع الهويَّات- بما في ذلك الهويَّات الوطنيَّة أحيانًا- بالهوى، وقد تُسحَب بالهوى كذلك!

على أن الجهل بالعَروض وموسيقى الشِّعر آفة كبرى، حتى لدَى علماء الأدب واللغة والتحقيق. ويكفي أن نستشهد على هذا ببعض صنيع ثلاثة أعلام كبار منهم، وكيف كانوا يقعون في الخطأ، ربما من حيث لا يعلمون، وهم (أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الإبياري)، عندما حقَّقوا كتاب «العقد الفريد»، لـ(ابن عبدربه)(3). فقد ذكرَ المؤلِّف أن البحر المتقارب يأتي ضَرْبُه «مقصورًا»، واستشهد على ذلك بشاهدين، أوردهما المحقِّقون في المطبوع هكذا:

ويَأْوِيْ إلى نِسْوَةٍ بائساتٍ
وشُعْثٍ مَراضيعَ مِثْلِ السَّعالي

ومثله:

على رَسْمِ دَارٍ قِفارٍ وَقَفْتُ
ومِن ذِكْرِ عَهدِ الحَبيبِ بَكَيْتُ
هكذا أورد هؤلاء المحقِّقون البيتين!
فهل بقي فيهما شاهد على (القَصْر) في المتقارب؟!
للتفصيل في هذا رؤيتنا التالية، بإذن الله.

(1) تابع البرنامج الوثائقي «دفاتر الأيام» حول (الجواهري)، على موقع «اليوتيوب»:

https://www.youtube.com/watch?v=UtBGCDlO6Xo

(2) انظر: الفَيْفي، عبدالله بن أحمد، (1996)، الصُّورة البَصَريَّة في شِعر العُميان: دراسة نقديَّـة في الخيال والإبداع، (الرِّياض: النادي الأدبي)، 299- 306.

(3) (بيروت: دار الكتاب العربي، 1983)، 5: 494.