تواضع تكن كالنجم

، بقلم فاروق مواسي

سألتني طالبة عن البيتين التاليين، ومن هو قائلهما:

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخّان يرفع نفسه
إلى طبقات الجوّ وهو وضيع

المعنى أن النجم الرفيع العالي في السماء يظهر على صفحة الماء وتنعكس صورته ويتواصل مع الأرض، بينما الدخان الوضيع يتعالى ويتعالى وهو لا قيمة له، فأحرى بنا أن نكون كالنجم متواضعين، حتى لو بلغنا المنزلة العليا.

فلا نتكبر لأن الكبرياء لا أثر لها ولا تأثير.

في كل بيت من البيتين تشبيه تمثيل.

الغرض منه في البيت الأول تجميل الصورة، فأنت في تواضعك بين الناس كالنجم العالي يُرى انعكاسه في الماء.

أما البيت الثاني فغرض التشبيه تقبيح الصورة، فأنت في كبريائك التي لا تجدي تكون كالدخان لا قيمة له.

في استقصائي أو في جوْلاتي الأدبية وجدت البيتين التاليين في (الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حَجَر العسقلاني، ويذكر أنهما لموسى بن علي بن موسى الزرزاري القطبي (ت. 1329 م- 730 هـ)، وقد وردا:

تواضعْ كما النجم استبان لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يرفع نفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيع

وقد ذكر البيتين صلاحُ الدين الصفدي في كتابه (أعيان العصر وأعوان النصر) بتحريف وكسر في الوزن، ونسبهما كذلك إلى موسى بن علي بن موسى الزرزاري:

تواضع تكن كالنجم استبان لناظر
على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولم يكُ كالدخان يرفع نفسه
إلى طبقات الجو، وهو وضيع

انظر مادة (موسى بن علي بن موسى).

ثم ظهر البيتان –بصيغة السؤال- على أنهما لنجم الدين الغزّي (ت. 1651 م)، وذلك في كتاب (نفحة الريحانة ورشحة طِلاء الحانة) للمُـحِـبّـي:

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخّان يرفع نفسه
إلى طبقات الجوّ وهو وضيع

في عصر النهضة وجدت البيتين في شعر فرنسيس مَرّاش (1836- 1873)- وقد ولد وتوفي حلب.

له مؤلفات مطبوعة منها: مِرآة الحسناء (شعر)، شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة، غابة الحق، مشهد الأحوال، رحلة إلى باريس.

في تصفحي لبعض شعر مَرّاش وجدت أبياتًا في مجموعته الشعرية تنسب لشعراء آخرين، نحو:

عدوك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداءَ أكثرُ ما تراه
يكون من الطعام أو الشراب

(البيتان وردا في ديوان ابن الرومي)

ونحو:

رأى الصيف مكتوبًا على باب داره
فصحّفه ضيفًا فقام إلى السيف
فقلنا له خيرًا فظن بأننا
نقول له خبزًا فمات من الخوف

(وردا في شعر علي الغراب الصفاقسي)

فلا بِدعَ إذا أخذ من شعر السابقين.

ثم إن الشاعر عبد الجليل الطَّباطَبائي وهو من أهل البصرة (وكان معاصرًا لمَرّاش- 1776- 1853 وقد عاش متنقلاً في مناطق الخليج)- استخدم المعنى في قوله:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
به يُهتدى السارُون حيث تضيع
ورُم خُلقًا في الحسن كالبدر إذ يُرى
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه
وليس به للانتفاع نُزوع
وذو الكِبْر نَكس كالبعوض إذا علا
على صفحات الجو وهو وضيع

أخلص إلى القول إن أقدم مصدر هو المعتمد، وأن الشاعر هو موسى بن علي الزرزاري القُطبي.

بيتان مشهوران وشاعرهما مغمور.