جماليات السينما وآفاق التخييل

اتسمت الدورة العاشرة من مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير والمنظمة من لدن محترف كوميديا للإبداع السينمائي، بشراكة مع جماعة أيت ملول، وبدعم من المركز السينمائي المغربي، والمجلس الجهوي لسوس ماسة، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، و المديرية الجهوية لوزارة الثقافة والاتصال قطاع الثقافة بأكادير، بتميزها الفني والجمالي. وشهدت مدينة أيت ملول بولاية أكادير(جنوب المغرب) مابين 17 إلى 21 ماي 2017 عرسا فنيا حقيقيا من خلال استضافة فعاليات هذه الدورة التي تميزت بمشاركة أكثر من عشرين دولة، وعرفت نجاحا كبيرا بفضل مجهودات الجهة المنظمة والجهات الداعمة، فضلا عن البرنامج الدقيق الذي سمح لعشاق السينما وساكنة المدينة من التعرف على وجوه فنية أمازيغية ووطنية وعربية ودولية، والاستفادة من ورشات تكوينية، وندوات علمية، والاستمتاع بالفرجة السينمائية في شروط نموذجية، والانفتاح على مختلف الأشكال التعبيرية الجمالية مثل الفن التشكيلي، وفن الكرافيك. وأكد مدير المهرجان السيد نور الدين العلوي أن نجاح الدورة العاشرة ارتبط بالاستعداد الجيد، وبما حملته الدورة العاشرة الدورة من تجارب سينمائية جديدة ونوعية، والتنافس القوي على جوائز المهرجان ومنها: جائزة سوس الدولية لأفضل فيلم روائي قصير، وجائزة سوس الدولية لأفضل فيلم وثائقي قصير، وجائزة سوس الدولية لأفضل فيلم تربوي قصير، وجائزة لجنة التحكيم، وجائزة الجمهور. فضلا عن الاحتفاء الكبير بالسينما السويسرية كتجربة سينمائية أوربية نوعية.

ورشة الصناعة السينمائية

ارتبطت فعاليات اليوم الأول مساء يوم الأربعاء 17 ماي 2017م، بالورشة التكوينية حول الصناعة السينمائية التي قدمها المخرج العراقي الألماني الجنسية نوازد شيخاني بقاعة العروض بالمركز الثقافي بمدينة أيت ملول بحضور فئات عديدة من الشباب، وطلبة جامعة ابن زهر في مختلف التخصصات، وكتاب سيناريست، وتقنيين وعدد من الفاعلين الجمعويّين المهتمّين بالفنّ السينمائي.

وركز المخرج نوزاد شيخاني على آليات الفيلم القصير، ومقاصد المخرج من العمل السينمائي، وهي مقاصد ينبغي أن تراعي الأبعاد الإنسانية لذلك ينبغي- يضيف المخرج نوازد شيخاني- معالجة القضايا الإنسانية بلغة سينمائية. وتحدث عن الآليات التقنية كعدة أساسية تساعد المخرج على تحقيق فكرته السينمائية، وتوثق لمخلف المشاهد الممكنة. وأكد المخرج نوازد شيخاني على أهمية التكوين العلمي والجمالي للمخرج السينمائي كجزء من العمل الجماعي لفريق الفيلم المكون من المنتجين، مهندسي الصوت، المصورين السينمائيين ،مصممي المناظر، ومهندسي الصوت، وفناني التوليف (المونتاج)، ومؤلفي الموسيقى وكتاب السيناريو، والممثلين، الكل يتشارك في عمل سينمائي يهدف إلى تحقيق رسالته السينمائية والإنسانية. وراهنت الورشة السينمائية في الآن نفسه على مكونات تطبيقية شهدت تفاعلا إيجابيا من لدن المستفيدين والمستفيدات خاصة في مكون تكوين اللقطة، وزوايا التصوير السينمائي، وآليات المونتاج.

تكريم بطعم الوفاء

افتتاح باذخ لمهرجان سوس الدولي للفيلم القصير عرفه فضاء المركب الثقافي لمدينة أيت ملول وبحضور الكاتب العام لعمالة إنزكَان أيت ملول ورئيس جماعة أيت ملول وممثل المجلس الجهوي لسوس ماسة، وممثلي المركز السينمائي المغربي، والمدير الإقليمي لوزارة الثقافة والمندوب الجهوي لوزارة الاتصال والثقافة – قطاع الاتصال، وعديد الشخصيات الإعلامية والجمعوية بجهة سوس ماسة. وتميز حفل الافتتاح بفقراته الفنية المتنوعة التي قدمتها بفنية عالية فرقة أحواش أهياض، واللوحات التي نسجها الفنان أحمد أوتفراوت بحضور نجوم الفن السينمائي، وضيوف الدورة العاشرة للمهرجان، وشهدت الساحة المجاورة للمركب لوحات فنية أمازيغية شارك فيها ضيوف الدورة، مع إقبال كبير لساكنة المدينة.

البساط الأحمر كان مزهوا بفناني وفنانات مهرجان سوس الدولي، وهم يصافحون بحب عشاق السينما ويحققون تجاوبا جماليا يعكس روح المهرجان القائمة على التواصل والتسامح. وعرفت بداية الحفل الذي أداره باقتدار كل من الأستاذ أيوب الإدريسي، والفنانة زهرة المهبول تقديم أعضاء لجنة تحكيم الفيلم الروائي والوثائقي القصير، برئاسة المخرج المغربي المقيم بكندا سعيد خلاف، وعضوية كل من المخرج المغربي محمد اليونسي، والسيناريست المصرية الكاتبة سناء الشيخ ، والكاتبة المغربية لطيفة باقا والممثل المغربي عبد الاله عاجل. وفي السياق نفسه تكونت لجنة تحكيم الفيلم القصير التربوي لهذه الدورة من الأكاديمي الدكتور محمد بازي والمتخصصة في مهن السينما ذة زكية بوقديد.

كما تميز حفل الافتتاح بتكريم رفيع مفعم بقيم الحب والجمال والاعتراف بالعطاء الفني للفنان المقتدر محمد خيي، والفنانة المغربية الأمازيغية المقتدرة فاطمة بيكركار، والإعلامي والصحفي أحمد أكلكيم. وعبر الفنان محمد خيي عن فرحته بهذا التكريم الاستثنائي في مساره الحياتي والفني، وعده محطة مضيئة تجعله يمضي قدما في مساره الفني. وفي كلمتها كشفت الفنانة فاطمة بيكركار عن أهمية مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير وهو يعترف بعطاء الفن السينمائي الأمازيغي. وفي السياق نفسه عبر الكاتب والإعلامي أحمد أكلكيم عن سعادته بهذا التكريم في عاصمة سوس وهي تحتفي بوجوه الثقافة الأمازيغية، وبالفن السينمائي.
وعرف حفل الافتتاح تكريم السينما السويسرية من خلال المخرجين pascal mont jovent و Christoph Arnould، من خلال عرض شريطيهما اللذان حصدا عدد من الجوائز الدولية ويتعلّق الأمر بالفيلمين (samarkande) و (Afleur de Peau).

تجارب سينمائية:

تميزت الدورة العاشرة لمهرجان سوس الدولي للفيلم القصير ببرمجة مكون جديد يحمل عنوان تجارب سينمائية بفضاء القطب الجامعي ابن زهر بمدية أيت ملول. أدار هذا اللقاء باقتدار كبير الكاتب والسيناريست حسن نرايس حيث استحضر الفنان محمد خيي عشقه الأول للدراما التلفزيونية من خلال الفنانة" سميرة توفيق"، لينمو عشق الدراما في المرحلة الثانوية، وكان للأنشطة الموازية في المؤسسة التربوية الدور الكبير في صقل موهبته من خلال مشاركته في عروض مسرحية بالمؤسسات التربوية بالرباط، ثم بدار الشباب في إطار مسرح الهواة. ومند سنة 1979 سيشارك الفنان محمد خيي في أعمال مسرحية بمسرح محمد الخامس بمدينة الرباط لتتوالى المشاركات المسرحية مغربيا وعربيا، فضلا عن المشاركات الدرامية التلفزية والسينمائية.

الفنان محمد الشوبي تحدث عن بداياته الفنية انطلاقا من ثانوية محمد الخامس بمدينة مراكش، لتشكل مؤسسة دار الشباب مشتل التكوين والتطور في الأداء الفني ارتباطا بمسرح الهواة. وسيلتحق الفنان محمد الشوبي بالمعهد للتنشيط المسرحي بداية من سنة 1985 لتتطور تجربته سواء عبر التكوين العلمي، أو عبر المشاركات العديدة في الدراما التلفزيونية، وفي المسرح والسينما.

الفنان عبد الإله عاجل تحدث عن ولعه بالمسرح انطلاق من الجو الثقافي الذي كان سائدا في أسرته، وكان على وعي بأنه سيلج الفن المسرحي لذلك كان دائم التدرب على التشخيص، وعلى التدريب الصوتي لمخارج الحروف، وعلى درجات التنفس، وحركات الجسد في الخشبة. لتتطور تجربته في المسرح المدرسي، ودار الشباب، وبموازاة هذا التكوين كان الفنان عبد الإله عاجل دائم القراءة بحكم أنه ابن حي الحبوس بالدار البيضاء الشهير بكثرة مكتباته. وعبر عبد الإله عاجل عن خوفه من أن تصبح السينما خاضعة لسلطة التلفزيون الخاضع بدوره لسلطة شركات الإنتاج، ولهدف الربح بشكل أساس عكس السينما بوصفها فعلا ديموقراطية. وعبر عن هذا القلق بقوله:" التلفزيون ينتج النسيان، والسينما تنتج الذاكرة".

ماستر كلاس:

قدم المخرج المغربي المقيم بكندا بفضاء القطب الجامعي ابن زهر بمدية أيت ملول درسا سينمائيا زاوج فيه بين المرجعيات الفنية المشكلة لوعي المخرج في عمله السينمائي، وبين الجوانب التقنية الدقيقية في التصوير السينمائي، وتحديد الرؤية الإخراجية الكفيلة بتحقيق الفكرة التي يطمح المخرج إلى تحقيقها بصريا. مقدما أمثلة عملية من خلال استعمال الوسائل البصرية التي كان لها الأثر البالغ في كشف جزء من مقومات العملية الإخراجية السينمائية، وكيفية صناعة الفيلم السينمائي.

السينما والتخييل

اختار مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير في دورته العاشرة "السينما والتخييل" عنوانا لندوته العلمية التي شارك فيها كل من د.الحبيب الناصري، ذة. لطيفة باقا، ذ. حسن النرايس، ذ. الباحث مسعود بوكرن ، د. عبد السلام دخان.

الدكتور الحبيب الناصري انطلق في مداخلته من مكون التلقي كشرط أساس في فهم العمل السينمائي، وعن أهمية البحث عن المعنى، وعن متعة الجمال. فلا وجود لأي عمل سينمائي في غياب هذه المتعة الجمالية، مستحضرا نماذج من الذاكرة السينمائية التي راهنت على التخييل السينمائي وقدمت الجمال الفاتن، ومن ذلك فيلم"المخدوعون" للمخرج السوري توفيق صالح عن رواية"رجال في الشمس "لغسان كنفاني، حيث يتداخل في هذا الفيلم الواقعي بالتخييلي لينسج فيلما على قدر كبير من الجمالية، وعلى نحو خاص عبر تشغيل رمزية الأجيال. ونفس الأمر يمكن قوله حول العديد من التجارب السينمائية المغربية ومنها فيلم" عابر سبيل"لمومن السميحي، وفيلم" حلاق درب الفقراء" للمرحوم الركاب.

القاصة لطيفة باقة راهنت في مداخلتها على درجات التخييل السينمائي ارتبطا بأفلام تشيد جسرا مع أشكال تعبيرية مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة. مستحضرة طبيعة التخييل في هذه الأجناس التعبيرية، ودرجات التخييل في الأعمال السينمائية. والعبور من الجنس الأدبي نحو السينما مرتبط- حسب لطيفة باقا- بمغامرة صعبة قد تضيع عن القصة أو الرواية هويتها الجمالية لأن الصورة السينمائية لها متخيل مختلف عمن الرواية، وكيفية تشغيل الشخصية السردية.

وانطلق الكاتب والسيناريست حسن نرايس من سؤال مفاده، "من يصنع التخييل في السينما"، ومن إشكالية الحديث عن المفهوم ما بين التخييل، والمتخيل، والخيال، في ظل غياب ترجمات دقيقة. إن تخييل السينما بلغة حسن نرايس هو خلق فني للفضاء السينمائي ولدلالات الصورة. وتبعا لهذا التحديد يمكننا الحديث عن فضاء المدينة في السينما، وفضاء الحرب، والحب ارتباطا بالعديد من التجارب السينمائية العالمية والعربية والمغربية. حيث يتكفل السرد الفيلمي بكشف تفاصيل التخييل السينمائي ومقدار الجمالية تبعا لمرجعيات لدرجات التحقق الجمالي للفيلم السينمائي.

الباحث مسعود بوكرن ركز على البنية الزمنية في علاقتها بتشغيل التخييل في السينما. مستحضرا مساهمة الأدب في تطوير السينما انطلاقا من درجات التخييل الممكنة، كما استحضر تجارب سينمائية من السينما الأمازيغية وعلاقتها بالمتخيل التاريخي الجمعي، والصعوبة التي يواجهها المخرج وطاقم الفيلم في نقل المكتوب إلى المرئي. هذا التحويل الصعب يتطلب جهدا مضاعفا من المخرج بغية خلق درجات من التخييل في التمثل البصري للحدث السينمائي.

وكشف الباحث في جماليات التعبير الدكتور عبد السلام دخان مستويات التخييل وأنواعه، ودرجات تحققه الجمالي في السينما، انطلقا من البداية المبكرة للتخيل العلمي مع الفيلم الصامت " رحلة إلى القمر" لجوج ميليس، ليكون هاجس المخرج هو كيفية تقديم الرؤى التخييلية سواء تعلق الأمر بالأفلام بالتخييل العلمي، أو الأسطوري التاريخي، أو الاجتماعي، بل وحتى الكوميدي. وتساهم الآليات التقنية المتطورة اليوم في تحقيق هذا الطموح. لكن حضور التقنية المكثف يكشف خطرا حقيقيا يهدد السينما، وهو محدودية الفعل الإنساني كفعل تخييلي لصالح المؤثرات البصرية كمكون مهيمن في الصناعة السينمائية.

السينما وصناعة الجمال:

حلقة نقاش رفيعة عرفتها فعاليات المهرجان أدارها الباحث عبد السلام دخان، وتميزت بمشاركة كل من المخرج العراقي الانجليزي الجنسية جعفر مراد الذي أعطى نبذة عن عمله السينمائي "back to victoria"؛ الفيلم يتطرق إلى التصاق الإرهاب بالمسلم و كيفية معالجة هذه الإشكالية، مما أهله لنيل جوائز في مهرجانات عالمية. وتحدث المخرج الجزائري عبد الغني كحالي عن تجربته السينمائية من خلال فيلمه القصير "I am Ahmed I am baby" الذي يركز على قضية التربية و إنسانية رسالته حول الطفل. وفي السياق نفسه عبر المخرج المغربي عبد الفتاح صغاري عن تجربة فيلم القصير الذي عالج في فيلمه "الواليدة" الذي يكشف جانبا من العلاقة الخاصة بين الأم والأبناء وكان السرد الفيلمي وسيلته لكشف درامية هذه العلاقة. وحمل رؤية المخرج محمد سعيد منظورا جماليا لعلاقة المدرسة بالمجتمع من خلال فيلمه" 2020" كاشفا اختلالات المدرسة العمومية، وحلما بإصلاح هذه الاختلالات وتحقيق المجتمع المنشود.

جوائز مهرجان سوس الدولي:

شهدت قاعة العروض بالمركب الثقافي بمدينة ايت ملول على امتداد أيام المهرجان تقديم الأشرطة السينمائية القصيرة الروائية، والوثائقية، والتربوية في شروط جمالية رفيعة. وقد تنافست أكثر 20 دولة تمثل تجارب سينمائية مختلفة الأفلام المشاركة في الدورة العاشرة لمهرجان سوس الدولي للفيلم القصير، وتوج الفيلم الفرنسي القصير "يوم إضافي بالجائزة الكبرى لأفضل شريط روائي قصير.وعادت جائزة أحسن شريط وثائقي قصير للفيلم الفلسطيني "صيف حار جدا"، من توقيع المخرجة أريج ابو عيد، كما حاز شريط فلسطيني آخر يحمل عنوان "كرافيطي" على جائزة لجنة تحكيم هذه الدورة. وتوج شريط "2020" بالجائزة الخاصة بأحسن فيلم تربوي قصير. أما جائزة الجمهور المبرمجة في إطار هذه المسابقة فقد كانت من نصيب شريط "العودة إلى فيكتوريا"، وهو من توقيع المخرج الإنجليزي العراقي جعفر مراد.

وأكد المخرج المغربي"نورالدين العلوي" مدير مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير والمنظمة من لدن محترف كوميديا للإبداع السينمائي في كلمته في حفل الاختتام عن نجاح الدورة العاشرة بمعية كل الشركاء الذين وضعوا ثقتهم في هذا المهرجان، كاشفا الأدوار الطلائية التي أصبح يشكلها هذا المهرجان على المستوى الإقليمي والجهوي والوطني، ودوره في تشجيع الصناعة السينمائية، وخلق ثقافة الاعتراف بالمجهود السينمائي في بعده الإنساني، فضلا عن التعريف الثقافي والتاريخي بالهوية الثقافية الأمازيغية، كمكون أساس للهوية المغربية، وأدوارها الطلائعية في السينما المغربية..مما يستدعي من الجميع دعم مهرجان سوس الدولي ليحقق مشروعه التنموي انطلاقا من كون الصناعة السينمائية مكون أساس في التنمية المستدامة.