أدعياء الكتابة

، بقلم فاروق مواسي

الحديث عن أدعياء الكتابة قديم، وإذا كنا في أيامنا نتذمر ونسخر ممن ليست لهم المَلَكة، فقد كانت الظاهرة مألوفة، وكان هناك من يعارض، بل يهجو، فهذا المتنبي يشكو لسيف الدولة:

بأي لفظ تقول الشعر زِعنِفة
تجوز عندك لا عرب ولا عجم؟

ويشكو ثانية من ظهور المتطاولين:

أفي كل يوم تحت ضِبني شويعر
ضعيف يُقاويني قصير يطاول

هذا محمد بن القاسم المعروف بأبي العيناء الأخباري- يهجو أسَد بن جوهر الكاتب:

أو ما ترى أسد بن جوهرَ قد غدا
متشبّهًا بأجلّة الكتّاب
تعس الزمان لقد أتى بعُجاب
ومحا رسوم الظرْف والآداب
وافى بكُتّابٍ لو انبسطت يدي
فيهم رددتهمُ إلى الكتّاب

(الكُتّاب الأولى جمع كاتب، والثانية مكان تعليم الصِّبية)

جيل من الأنعام إلا أنهم
من بينها خُلقوا بلا أذناب
لا يعرفون إذا الجريدة جُرّدت
ما بين عيّاب إلى عتّاب
فإذا أتاه سائل في حاجة
رَد الجواب له بغير جواب
وسمعت من غثِّ الكلام ورثّه
وقبيحِه باللحن والإعراب
ثكِلتك أمُّك هبْك من بقر الفلا
ما كنت تغلط مرة بصواب!

(ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج 18، ص 303)
ولآخر يهجو كاتب خَراج:

لو قيل كم خمس وخمس لارتأى
يومًا وليلته يعدّ ويحسب
يرمي بمقلته السماء مفكرًا
ويظل يرسم في التراب ويكتب
ويقول معضلة عظيم أمرها
ولئن فهمت فإنّ فهمي أعجب
حتى إذا خدرت أنامل كفه
عدّا وكادت عينه تتصوب
أوفى على نشز وقال: ألا اسمعوا
قد كدت من طرب أجنّ وأسلب
خمس وخمس ستة أو سبعة
قولان قالهما الخليل وثعلب
فيه خلاف ظاهر ومذاهب
لكن مذهبنا أصح وأصوب
وخواطر الحسّاب فيها كثرة
وأظن قولي فيهم لا يكذب

وممن كان صوابه عن غير اعتماد وخطؤه بعد تروّ واجتهاد شجاع بن القاسم كاتب أو تامش التركي، وكان أميًا لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم ولا يُفهم، وإنما علم علامات كان يكتبها في التوقيعات.

(الوطواط، غُرر الخصائص الواضحة، وعُرر النقائص الفاضحة- ج1، ص 278)

ومن شعر الهجاء ما ذكره ابن عبد ربه عن كاتب:

حمار في الكتابة يدّعيها
كدعوى آل حرب في زياد
فخلِّ عن الكتابة لست منها
ولو لطختَ ثوبك بالمِداد

(وروي "سودّت" بدل "لطخت")

نسب الشعر في (العقد الفريد) مرتين:

مرة- قال بعض الشعراء في صالح بن شِيرزاد (ج4، ص 171)،

وأخرى- قال بعض العراقيين في أبي مُسْهر الكاتب (ج6، ص 133).

والطريف أن الزوزني في (حماسة الظرفاء) زاد عليهما بيتًا ثالثًا هو:

فـ "ديوانُ الخراج" بغير جيمٍ
و"ديوانُ الضِّياعِ" بفتحِ ضادِ

لكني وجدت هذا البيت الأخير بصورة أخرى في كتاب الراغب الأصفهاني- (محاضرات الأدباء) ج1، ص 98:

"ولما ولي الفضل بن مروان ديوان الخَراج، وموسى بن عبد الملك ديوان الضِّياع، قال محمد بن يزيد المراعي:

أرى التدبير ليس له نظام
وأمر الناس ليس بمستقيم
فديوان الضّياع بفتح ضاد
وديوان الخراج بغير جيم!

أما "دعوى آل حرب في زياد" الواردة أعلاه فتعيدنا إلى حكاية "الاستلحاق"، حيث استلحق معاويةُ زيادَ بن أبيه، فادعى أنه أخوه، وأن زياد هو ابن أبي سفيان، والغرض كان سياسيًا محضًا، حتى أن عددًا من الشعراء أنكروا عليه ذلك، فقال عبد الرحمن بن حسّان:

ألا أبلغ معاوية بن حرب
مُغلغَلةً من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ
وترضى أن يقال أبوك زانِ
فأشهد أن رحمك من زياد
كرحم الفيل من ولد الأتان

وثمة هجاء آخر لبعض الكتّاب، كقول شاعر:

دخيل في الكتابة ليس منها
فما يدري دبيرًا من قبيل

وقول آخر:

دعيٌّ في الكتابة لا رويّ
له فيها يُعدّ ولا بديهُ

فهل حالنا اليوم كحالنا أمس؟