الثقافة العربية.. استلاب العصرنة وتيبس الأصالة

، بقلم نايف عبوش

تعيش الثقافة العربية المعاصرة مأزق استلاب واضح، بفعل التبعية والانبهار، والتأثر بثقافة العولمة، التي غزت الساحة العربية بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات.ولأن التيار جارف، وعوامل التحصين ضعيفة، فقد انتزعت عوامل المس بمرموزات الثقافة، خصوصيتها،وشوهت هويتها، فتصاغرت أمام ظاهرة الهيمنة،بما أفرزته من حالة تهيب من التفاعل، لازمت حالة الانبهار الصارخ بالثقافة الوافدة، الأمر الذي بلد بدوره الذوق العام، وعطل عناصر الإبداع في العقل العربي، الذي أصبح متهيبا من خوض غمار الحاضر بمعطياته المتسارعة التجدد ،ليجد نفسه خارج إطار معطيات هذا الزمان، فيعيش واقعا مستلبا،وضياعا مقرفا.

فالأصالة بما هي معنى سام للانتماء،ومصدر للرفد، وبيئة محفزة للاستلهام، كما يفترض لها ان تكون، لم تعد قادرة على إسعاف الواقع الفكري والثقافي والعلمي العربي المتيبس في راهنه، بعدما باتت عاجزة عن الاستجابة لمقتضيات العصر، بسبب الجفاف الذي لحق بمخرجاتها،بعد العقم الذي لحق بها بالانحطاط الحضاري، وانقطاعها عن العطاء ردحا طويلا من الزمن، بحيث غدت نيسما للهروب الى الماضي،والتراجع إلى الخلف،بسبب مرارة الحاضر،في حين أوغلت المعاصرة في ممارسة دورها كأداة عولمة آسرة، وطوقا حابسا للتجديد، ووخزا للضمير المستكين لواقع الحال، والعاجز عن الانقلاب على واقع الجمود الفكري المنهك.

وحيث إن إشكالية المأزق الحضاري التي يعاصرها كل جيل للإنسان العربي المستلب،هي حضور إشكالية ثنائية (الماضي_الحاضر) في ذهنه بصيغة محيرة مربكة،تميل بوعيه نحو الهيام للماضوي،والانكفاء النكوصي نحوه،نتيجة سوء الحال وعقمه،والعجز عن تجاوزه، بدلاً من جعل تلك الثنائية حافزا، ومدخلا لنقد الذات، والارتقاء بواقع الحال بموضوعية، من خلال الانفتاح على العصرنة، والتلاقح مع معطياتها الايجابية،وفرز تداعياتها السلبية، بقصد التكيف الواعي معها بشكل ايجابي، يعمل على كسر طوق العزلة،ويفتح آفاق للعطاء للإبداع المتجدد.

لذلك فان اعتماد نهج التوازن الفكري الواعي للمواءمة بين الأصالة، والتفاعل مع معطيات المعاصرة بثقة عالية بالنفس، هو الخطوة الأولى على الطريق الصحيح، لبداية النهوض بالحال المنهك لثقافتنا، ومحاولة كسر قيد الجهل والتخلف،وإنهاء ظاهرة التطفل على عطاء الآخر الفكري والثقافي والعلمي التكنولوجي،والشروع بعملية العطاء الذاتي الخلاق،الذي يبدأ بطرح معالجات صميمية لكل تلك الإشكالات،ويضع حدا لكل حالات التراجع والنكوص،بل ويساهم من موقع الإبداع الثر، في اغناء الثقافة الإنسانية برمتها،ويعجل بمغادرة حالة الانعزال السلبية، والانكفاء على الذات،تحت وطأة الشعور بعقدة الدونية،والإحساس بعقم العطاء تجاه الآخر.