وداعًا للصَّمتِ

، بقلم حاتم جوعية

مقدِّمة: الكاتبُ والأديُب المرحوم الأستاذ "موفق خوري" وُلِدَ ونشأ وترعرعَ وعاش حياتهُ في قريةِ "عبلين" الجليلية - قرب شفاعمرو، وأصل عائلتهِ من قرية الدامون التي هُجِّرَ سكانها عام 1948. تبوَّأ الأستاذ ُ موفق عدَّة وظائف ومناصب هامَّة وأهمَّها كان مديرا لدائرةِ الثقافة العربيَّة - وزارة المعارف - المسؤولة عن طباعةِ كتب الأدباء والشعراء العرب المحليِّين ودَعم الكتاب والأطر والمؤسَّسات الثقافيَّة والفكريَّة، وهنالك العديدُ من الشعراء والكتاب المحليِّين ليس بإمكانِهم طباعة إنتاجهم لأسبابٍ ماديَّةٍ، خرجت كتاباتُهم للنور ولاقت الإنتشارَ من خلال هذه الدائرة.

والأستاذ "موفق خوري" كان حاصلا على عدَّةِ شهاداتٍ أكاديميَّة في مواضيع مختلفة:
كالجغرافية واللغة العبريَّة والتاريخ والأدب المقارن، وكان قبل وفاتهِ يعدُّ لأطروحةِ الدكتوراه في التاريخ من قبل جامعة " سانت بطرسبورغ" (لينغراد).

مدخلٌ:

لقد أصدرَ السيّد "موفق خوري" العديدَ من الكتب الأدبية والفكريَّة، ومنها ديوانا شعريًّا بعنوان: "وداعا للصمت" ومجموعات قصصيَّة للأطفال دفعة ً واحدة تقع في (12 كتاب صغير) تحلّيها بعضُ الرسومات الملوَّنة والمُعبِّرة لمواضيع القصص، طبعت في مصر، والديوان الشعري طُبعَ محليًّا، وجميع تكاليف الطباعة كانت على نفقتِهِ الشّخصيَّة. وجاءت هذه الإصدارات (المجموعات القصصيَّة والديوان الشعري) مفاجأة كبيرة لجميع الشعراء والأدباء المحليِّين، فالجميعُ لم يكن يتوقَّع أنَّ الأستاذ "موفق" يكتبُ الشِّعرَ والأدبَ والقصَّة... بيدَ أنَّهُ كان ينشرُ في السابق بعضَ المقالات: السياسيَّة والإجتماعيَّة والثقافيَّة، في الصَّحافةِ المحليّة. وأنا بدوري، كنتُ في البداية أحِسُّ وأشعرُ أنَّهُ أديبٌ وشاعرٌ متمكّنٌ مُحترفٌ وذلك من خلال مقدِّماتِهِ الشِّقة للعديدِ من الكتب والإصدارات للكثيرين من الشعراء والأدباءِ المحليِّين الذين صدَرت كتبُهُم على نفقةِ دائرةِ دائرةِ الثقافة العربيَّة التي كان يرأسها هو... وفي مقدِّماتِهِ لدواوينهم الشِّعريَّة نجدُهُ متذوِّقا جيِّدًا للشعر إلى حدٍّ بعيدٍ ومتفهِّمًا وَمُقيِّمًا لهُ تقييمًا صادقا موضوعيًّا وشاملا... وأسلوبهُ في الكتابةِ النثريَّةِ وفي مقدِّماتِهِ للدواوين الشعريَّة قريبٌ جدًّا إلى لغةِ الشعر كالخواطر الأدبيَّة... بل هو شعرٌ منثور.

وسأبدأ بديوانِهِ الشعري "وداعًا للصَّمت" فمن ناحيةِ الشكل والبناء الخارجي يخضَعُ لنمط الشعر الحديثِ المنثور - المتحرّر من قيود الوزن والقافية، ولكن يوجدُ في الكثير من قصائد الديوان جرسٌ وموسيقى داخليَّة أخَّاذة تُحِسُّ بها الأذنُ وتأسرُ المشاعرَ والوجدانَ وَتُحَرِّكُ اللواعجَ واللُّبَّ والخيال وتشطحُ وتحلِّقُ بنا إلى أجواءٍ وعوالم رومانسيَّةٍ جميلة. وقصائدُ الديوان تتحدَّثُ وتعالجُ مواضيعَ عديدة، بعضها وجداني يجسِّدُ مشاعرَ وأحاسيسَ وعالمَ الشَّاعر الخاصّ، وهنالك قصائد متقوقعة في الذاتيَّة.

وبعضُ قصائد الديوان يُعالجُ فيها قضايا وأمورًا عامَّة وشاملة تهمُّ وتعني الإنسانَ بشكل عام أينما وُجدَ. واللغة ُ والرُّؤية الشعريَّة عند أبي رفيق موفق خوري متطوِّرة ومنعكسة إلى مساحاتٍ ومداراتٍ بعيدة. فهو دارسٌ موضوع الأدب المقارن (العالمي) والعبري ومطَّلعٌ على إنتاج معظم الشعراء والكتَّاب الأجانب العالميِّين وعلى الشعر العبري والعربي أيضا - قديما وحديثا، واستفادَ كثيرا من مخزونهِ الثقافي الواسع ومن تجارب هؤلاء الشعراء والرُّوَّاد المُبدعين. وعرفَ بدورهِ كيفَ يُطوِّرُ أدواتهُ الفنيَّة والشعريَّة ليلائمَها مع الظروف الحاليَّة ومقتضيات التجديد والحداثة في عصرنا الحالي.

في قصائدِهِ النثريَّة نجدُ عنصرَ التكثيف في المعاني العميقة السَّامية والمواضيع المُتشعِّبة والواسعة وبالخيال المُجنح والصورةالجديدة وبالتعابير والمفردات المبتكرة التي لم تستعملْ سابقا، وبالجرس الموسيقي الداخلي الذي تستريح لهُ الأذنُ ويهفو ويرنو لهُ القلبُ والعقلُ. وبالرغم من كون قصائد هذا الديوان غير مُقيَّدة بوزنٍ، ولكن يوجدُ فيها تفاعيل مختلفة متناغمة مُنسجمة مع بعضِها تستسيغُهَا الأذنُ ويتقبَّلها المنطق والعقلُ والذوقُ الشَّاعري الشَّفاف فنحِسُّ فيها وبجمالها وبحرارةِ الكلمة وصدق العاطفةِ ورهافةِ الحِسِّ ودفء النغمة، والأصالة في التجديد والإبتكار وروعة وخصوبة التجربة. فهذا الديوانُ مستواهُ عالي من خلال المعاني الرَّاقية والمستحدثة والأسلوب الشائق واللغة الشعريَّة الصافية التي لا يشوبُهَا أيُّ نوع من الإقتباس أو التقليد. وكلّ كلمةٍ أو جملةٍ شعريَّةٍ لديهِ جاءت في مكانها وموقعها الصَّحيح حسب التوظيف الدلالي ولا يوجدُ لديهِ،إطلاقا،أيُّ لغو شعريٍّ وتكرار واستهلاكٍ في الكلمات والمعاني.

وسأختارُ نماذجَ من قصائد هذا الديوان. فيقولُ مثلاً في قصيدةٍ بعنوان: ("إنتظار" - صفحة 18):

("لِمَن تطلعُ الشَّمسُ كلَّ يوم؟
وَلِمَ يسقط ُ المَطرْ؟
وَلِمَن تهبُّ الرِّيحُ؟
وَلمَ يسطعُ القمَرْ؟
لِمَن تغرِّدُ البلابلُ؟
وَلمَ يتدَفَّقُ ماءُ للنَّهَرْ؟
ولِمن يتدفَّقُ ماءُ النَّهَرْ؟
لِمَن أرسِلَ الأنبياءُ؟
وَلِمَ يستمرُّ الكفرْ؟..
كلُّ هذا وذاك مِن صُنعِ ربِّ البَشَرْ
فهل صحيحُ أنّ الظلمَ
أيضا مِنَ الإلهِ المُنتظرْ
لا أعرفُ جوابًا لهذا وذاكَ
أنا على مفرق ِهذا العُمر أنتظِرْ ).

والقصيدة ُ فلسفيَّة نوعا ما، وتذكِّرُنا بالشِّعر المهجري وبالذات بقصيدةِ الطلاسم لإيليَّا أبو ماضي التي يكثرُ فيها من التساؤل عن جميع الأمور الحياتيَّة وماهيَّة وحقيقة الكون والوجود وكنه طلاسمهِ التي لم تفكّ وتفسَّرْ بعد.

وأمَّا قصيدة ("وداعا للصمت"- صفحة 60) فنجدُ فيها البُعدَ والنفسَ الوطني، والقصيدة ُ فيها تهكُّمٌ بالوضع العربي المُزري والتخاذل العربي وحيث الأنظمة العربيَّة لم تحرِّك ساكنا بالنسبةِ لمأساةِ الشعبِ الفلسطيني ولم تعمل وتساعدَهُ على حَلِّ قضيَّتِهِ ولم تؤازرهُ وترفع عنهُ حصارَ الجوع والالم... والعسف والقتل والتنكيل، فيقولُ في القصيدة:

("باعونا بالشِّيكل والدُّولارْ
نستغيثً نُصَلِّي // نحاربُ // نقاتلْ
وحولنا تلتهبُ النار // لا أحدٌ يسألُ عنَّا
غدرَنا الزَّمانُ // وبقينا في فقر ٍ وجوع
نرنو في الأخبار ونصرُخْ // يا عربَ العارْ...
قولوا للوليدِ، وللعاص ِ، ومعاويه:إنهضوا لتنظرُوا وتسمَعُوا
أخبارَ الأشرارْ
نموتُ كلَّ يومٍ مرَّاتٍ وَمرَّاتْ // وَمَن تبَقَّى في احتظارْ
خسئَت مارسيديسَات القدرْ // ولموازينَ الشيوخ والزُّوَّارْ
إلى متى هذا الصَّمت الرَّهيب؟ // لقد شُوِينا ببحرِّ القارْ
يا أهلَ الكهفِ والقصور ِ // كيفَ تنامُ جفونكُمْ //
وَمَنْ تُضَاجعونَ في أحلامِكم")... إلخ.

والقصيدة ُ بعضُ مقاطعَِا جاءت موزونة ً، كما هو واضحٌ،على بحر المتدارك.
ويقولُ الأستاذ ُ موفق في القصيدةِ الأولى من الديوان بعنوان: (فرحة لقاء) - والقصيدة ُ وطنيَّة غزليَّة:

("أكتمُ في قلبي أسرارَ الوجودْ
والوجهُ تُغطِّيهِ بسمة ٌ // لكنَّني حاولتُ الصُّمُودْ //
ويقولُ: (إغتالوني يا حبيبي عندما كنتُ في سنِّ الوُرودْ //
لم تشفعِ ليَ النجومُ ولا شمسٌ ولا قمَرْ //
وضعُوا في الأغلال أطرافي //
واغتصبُوا على جوانبي الحُدودْ //
قلتُ: يا أقدسَ زهرةٍ ويا مُنية َ القلب//
الريحُ تذهبُ وتعودْ
وأنا وأنتِ سنبقى على مَرِّ العهودْ // أوفياءَ للأمانهْ //
ويقولُ: (وَسَيمحُو المطر// كلّ أوساخ الزلزال// وأنتِ أمُّ وأختُ الأسودْ //
سنلتقي يومًا // وتكونُ أعيادُ ميلادِكِ // فرحة َ لقاءٍ //
وعناقا، وشقاءً مولودْ //
في ظلِّ أصواتِ البلابل // تحتَ أشجار الصُّنوبر ِ //
تتراقصُ الأغصانُ // ونُغنِّي سنعُودْ //
ويقولُ:(حبيبتي في كلِّ زمان مكانٍ // تضيىءُ مشاعلَ الأمل ِ المَنشُودْ //
لأنَّكِ قلبلتي وأنتِ مزاري // لكِ ومنكِ أستلهمُ سرَّ الوجُودْ //).

سأكتفي بهذا القدر من إستعراض القصائد وسأنتقل إلى مجموعاتِهِ القصصيَّةِ للأطفال ففي مجموعاتِهِ هذهِ (قصص الأطفال) نلمسُ أنَّهُ كتبَها بلغةٍ جميلةٍ سهلةٍ سلسةٍ ومفهومةٍ...يفهمُهَا الصغيرُ ويتذوَّقهَا ويتأثَّرُ بها الكبيرُ أيضا، وأسلوبُ موفق شائقٌ دائما ولغتهُ في أدب الأطفال غير معقدة. ومجموعاتهُ هذهِ التي بين أيدينا (18 كتاب صغير "قصص") تضمُّ وتحوي كلَّ أسس وعناصر الإبداع وشروط أدب قصص الأطفال من:

1 - العنصر التعليمي والتثقيفي.

2 - المستوى الأدبي والفنِّي.

3 - اللغة الجميلة السَّلسة الشائقة والمفهومة.

4 - الجو الدرامي الجميل والمُمَيز.

5- عنصر المفاجأة ونقل الصُّور والمشاهد للقارىءِ بشكلٍ متناغم.

وعدا هذا نجد عندَهُ البُعدَ الإنساني والثقافي، فالكتابة ُ للأطفال بحدِّ ذاتِها هي مسؤوليَّة ٌ عظيمة، وليس كلُّ أديب وكاتبٍ يستطيعُ أن يكتبَ للأطفال، لأنَّ هنالك شروطٌ عديدة لإكتمال وارتقاءِ العمل الأدبي القصصي في هذا المضمار والنجاح في هذه المجال. والأستاذ "موفق خوري " يعرفُ جيدًا من أين تأكلُ الكتف - نظرًا لخبرتِهِ الطويلة وثقافته الواسعة...وقد استطاعَ أن يُحققَ الغاية َ ويتابعَ المشوارَ على أحسن ما يكونُ وعلى أكمل وجهٍ، وأن يُبدعَ ويتألَّقَ فنيًّا حيث نجحَ نجاحًا ملحوظًا وَمُمَيَّزا في مجال قصص أدبِ الأطفال. ونحن محليًّا (على الصَّعيد المحلِّي) نعاني من نقص كبير في هذا المجال (أدب للأطفال)، والقلائلُ من الأدباءِ الذين ولجوا هذا البابَ وهذا الموضوع، وبعضهُم أخفقَ فيهِ. وبهذا نستطيعُ القول: إنَّ الأستاذ موفق خوري قد أضافَ إلى الأدبِ المحلِّي باقات جديدة يانعة مترعةٍ بأريج وعبير فوَّاح ٍ مُنعش ٍ سيكونُ بلسمًا ودواءً وعزاءً وغذاءً للأجيال الناشئة القادمة - أطفالنا وفلذات أكبادنا وللكبار البالغين ايضا الذين جميعهم بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى هذا النوع النفيس والهامّ من الثقافةِ والأدب.

وفي مجموعاتهِ القصصيَّة هنالك قصَّة ٌ أريدُ تركيزَ الضوءِ عليها في هذا المقال وهي بعنوان: "الطيَّار" التي سُبكتْ وَحِيكت فصولُها بلغةٍ جميلةٍ سلسةٍ سهلةٍ ومُبَسَّطةٍ...تتحدَّثُ القصَّة ُ- بلغةٍ مُبسَّطةٍ ليفهمَها الطفلُ أيضا - عن إنسان مكافح هاجَرَ أهلهُ من مدينةٍ "حيفا" بعد نكبةِ ال (1948) مع الكثير من العائلاتِ المُهجَّرةِ إلى لبنان وحَطَّ بهم الترحال في بيروت. واستطاعَ هذا الإنسانُ (بطل القصَّة) أن يُكافحَ ويتحدَّى العراقيلَ منذ صغرهِ وطفولتِهِ بعدَ الهجيج والرَّحيل فتابعَ دراستهُ العلميَّة والأكاديميَّة رغمَ الظروف الصَّعبةِ ليصبحَ في نهايةِ المطافِ طيَّارا عظيمًا. وهذه القصَّة ُ واقعيَّة وتنطبقُ على الكثيرين من أبناءِ شعبنا الفلسطيني الذين دُمِّرَت قراهُم عام 1948 ورحلوا إلى خارج البلاد وعملوا وكافحُوا من أجل لقمةِ العيش واستطاعو أن يُقاوموا الظروفَ القاهرة الصَّعبة َ ويُحقِّقوا النجاحَ الباهرَ اقتصاديًّا وسياسيًّا وعلميًّا واجتماعيًّا (على جميع الأصعدة). وهذه القصَّة ُ، التي نحنُ في صدِها، عدا انها مُسليَّة ٌ وَمُمتعة ٌ للطفل تحملُ في طيَّاتِها بُعدًا إنسانيًّا واجتماعيًّا ووطنيًّا..وتُعلِّمُ الطفلَ الصَّغيرَ كيفَ أنَّ الإنسانِ المُكافحَ بإرادتِهِ القويَّةِ وبالمُثارةِ وبالعمل الدَّؤُوبِ يستطيعُ من اللا شيىء أن يصنعَ الكثيرَ ويحقِّقَ ذاتهُ وكيانهُ وماهيَّتهُ ويتغلَّبَ على كلِّ الظروفِ والعراقيل وينالَ النجاحَ على جميع الأصعدةِ ويحصدَ الجوائزَ والأوسمة َويتبوَّأ المراكزَ والوظائفَ العالية..فلا يوجدُ شيىءٌ إسمهُ مستحيل.


حاتم جوعية

كاتب وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف