باتت الخيانة وجهة نظر

، بقلم حسن عبادي

تلجأ كاتبات عربيات من مدرسة ما يسمى ب"الأدب النسوي" إلى اغواء القارئ باستنساخ الصورة النمطية الغربية عن المجتمع العربي بتسلّط الرجل على المرأة وعبوديته وقهره لها وكأن الأمر بات جزءًا من قيمنا وإرثًا عربياً أصيلاً لا يمكن التنازل عنه، ويبدو فيها المواطن العربي بشعاً، كريهاً ومنغلقاً - سعياً إلى إرضاء المؤسسة الغربية النخبوية وما أسمّيه "الاستغراب" (التماثل مع الغرب).

ولكن هيام مصطفى قبلان في روايتها "رائحة الزمن العاري" (الطبعة الثانية وهي تحوي 228 صفحة) تتمرّد لتًبدع ولم تقع في هذا الفخ وتمكنت من إعانتنا على رؤية الحياة من زاوية جديدة بجمالية عالية ومكّنتنا من طرح أحلامنا وهواجسنا والنظر إليها بجديّة واحترام كبيرين بعيداً عن النزعة الحسية المجرّدة.

هيام شاعرة وكاتبة متميزة في العديد من المجالات الأدبية ولها الإصدارات العديدة من شعر ونثر، ومنها : آمال على الدروب، همسات صارخة، وجوه وسفر، بين أصابع البحر، طفل خارج من معطفه، لا أرى غير ظلّي غيرها.

تهدي هيام روايتها غلى طائِر الفينيق الخارج من الرّمادِ "نَملِكُ أن نَحيا مَرتين"..

حقّا، من الصعب أن يكون الإنسان امرأة في هذا الشرق، حيث تناضل المرأة العربية من أجل المساواة، وهذا لا غبار عليه ، وخاصة حين يكون نضالها مقرونا بوعي اجتماعي وسياسي شامل، متوازياً مع النضال ضد الاستبداد والقهر والظلم، سعياً إلى رفع القيم الإنسانية كلها ومن بينها حق المرأة في المساواة، لكن هيام كاتبة متمرّدة على العادات والتقاليد ونصيرة المرأة، تهتم بشئون أبناء شعبها: مقت العملاء، باعة وسماسرة الأرض، الخدمة العسكرية الالزامية المفروضة على الدروز في فلسطين وغيرها.

تطرقت هيام للحقوق: الأرض، التّمييز العنصري ضد العرب، مصادرة الأراضي لإقامة المستوطنات، محاولة التهويد والأسرلة وطمس الهوية الفلسطينية.

ثارت هيام ضد الرجل وانهزاماته وخنوعه للتقاليد ونظرته الفوقية مقابل دونية المرأة، وصرخت ضد تهميش المرأة، منادية بتحررها من القيود الاجتماعية والمجتمع الذكوري والعادات المتوارثة ومنها "اجبارها" على الزواج بسبب ضغوط اجتماعية.

وقفت هيام في الرواية ضد سلطة الأب/الأخ/الزوج/العم/الخال التي تقيّد حرية المرأة – بما فيه الخروج من البيت والزواج وغيرها، وعشقت البحر والطبيعة، فتغنّت بزهر الأقحوان ونوّار اللوز وأزهار الياسمين لتُعرّي ذاك الزمن وتشم رائحته... بمزاجها هي!

تحدّت الكاتبة هيام التابوهات المتوارثة، تطرقت بجرأة لانتهاك الجسد ومعرفة الانسان به وتطرقت لهذا الواقع بصراحة فهزار –بطلة الرواية- تتحدّث عن أحلامها، حاجاتها، تطلعاتها، سخطها على المجتمع والقيود المفروضة عليها وحقها الطبيعي بفك القيود لتتعاطى الجنس وتمارسه بشغف مع من تميل اليه – مع كأس نبيذها الأحمر وأدهم العشيق و نبيل الحبيب وتتمنع عنه مع الجنائني والعم لتحارب سفاح المحارم وتمقت نظرة الأخ نزار والزوج كريم اليه فهو حقهّا "الشرعي" وهي سيدة الموقف... وجسدها.

تتميّز الرواية بلغتها السلسة، الانسيابية والشاعريّة وتنضح برائحة المرأة والوطن وما بينهما واضعة النقاط على الحروف، كارهةً رائحة البنادق، وصوت الرصاص الخائن، وخيانة الوطن وخيانة الذات ، حين باتت الخيانة وجهة نظر، فتصوّر معاناة المرأة الشرقية المطلقة والأرملة في المجتمع العربي الذكوري، وقضية الانتماء والهوية والحلم .. وتثور وتحلّق صارخة "أبي.. أنا أُنثى أغوتها الحياةُ، وسافرت بجناحيها حيث النجوم.. حيث البحار تُلملم المُرجان والذهب"! وتتحدى ذاك الزمن : أُحرج من ملامح وجهك الباسم، وانتعل رائحة الزمن العاري! في لحظةٍ من عشقٍ، يختنق ملحُ البحر.. وها أنا أسير إليك حافية القدمين، بين لونٍ ووتر!
حقًا ...إنها رواية تستحق الحياة!