شبح

، بقلم نوميديا جروفي

ذات مساء ممطر قرب مدخل النفق المظلم كانت تقف الشابة بلباسها الأبيض و هي مبلّلة من رأسها لأغمص قدميها.

مرّت سيارة تاكسي بالقرب منها فأشارتْ إلى صاحبها أن يتوقّف، فتوقّف و فتح النافذة وسألها:

- إلى أين يا ابنتي؟

- إلى وسط المدينة.

- تفضلي، و فتح لها الباب الخلفي.

- شكرا لك.

أثناء الطريق أخذ العجوز صاحب التاكسي يتفحصها من خلال مرآة السيارة، فانتبه لكونها مبلّلة و الجوّ بارد و هي لا ترتجف.. ثمّ الوقت متأخر و الظلام يُخيّم على المدينة، و هي كانت في مكان شبه مهجور!!

ترى ماذا كانت تفعل هناك لوحدها و وسائل النقل تكاد تكون منعدمة لوعورة الطريق بانحرافاته الكثيرة،إضافة لكونه مكان مخيف بقصص الأشباح..

التفت إليها و سأله:

- ماذا كنت تفعلين في ذلك المكان يا صغيرتي؟

لم تُجبه و لم تنظر إليه حتى، و كأنه يُكلّم غيرها.

كانت سابحة في مكان بعيد بنظرتها الشاردة و هي تراقب المطر من زجاج نافذة السيارة.
شعر السائق بقشعريرة تصيبه رهبة و خوفا منها دون سابق إنذار.

دخلا المدينة و كان الوقت متأخر و الساعة تقترب من منتصف الليل، و فجأة طلبت منه أن يتوقّف عند مدخل عمارة.

- انتظرني هنا،سأعود لك بالمال... و خرجت دون أن تلتفت إليه.

انتظرها لما يُقارب الساعة و لم تعد، فخاف و غضب في نفس الوقت و قرر البحث عنها حيث دخلتْ، لكن في أيّ شقّة دخلتْ؟ و في أيّ طابق؟

دخل العمارة ذات الطوابق الأربعة ،فأحسّ بقلق و رهبة ،السكون يعمّها.. الصمت..

أخذ يصعد طابقا طابقا و يُنصت علّه يسمع صوتًا، و أخيرا شاهد بصيص نور يخرج من شقّة فطرق الباب طرقًا خفيفًا.

فتح الباب رجل مسنّ،فسأله:

- هل دخلت عندك فتاة شابة قبل قليل؟

- لا يا ولدي.. أفزعتني و أيقظتني من النوم.

- أعتذر منك..غريب، لأني رأيت نورا من أسفل الباب فظننتها هنا.

- يا ولدي لا يوجد غيري في البيت،ادخل و سأقدم لك كوب ماء.

دخل صاحب التاكسي و هو يتفحّص المكان، و فجأة اقشعرّ بدنه و هو يرى صورة الفتاة التي كانت معه في لوحة معلقة!!

- يا الله!! هذه من أبحث عنها!

قالها محدثا نفسه و سأل العجوز:

- من تكون هذه الشابة؟

- هي ابنتي المتوفاة منذ خمسة عشرة سنة.

-كانت معي في السيارة قبل قليل ،وجدتها عند مدخل النفق في اعلى مكان من المدينة قُرب الجرف المميت، و هي من طلبت مني إيصالها!! غير ممكن!! لا أصدق!!

- هي ميتة يا ولدي، سأقصّ عليك كيف ماتتْ.. انتحرت من أعلى ذلك الجرف حيث وجدتها..

كانت وحيدتي سعيدة قبلها بأيام و هي تُحضر نفسها ليوم زفافها من ابن الجيران، أحبا بعضهما منذ كانا طفلين،خطبها و قبلنا، و قبل يومين من الزفاف،كان جالسا مع رفيقه الأقرب في سكة قطار يدردشان كالعادة، و عندما اقترب القطار ابتعد صديقه و ساعده للوقوف،لكن رجله علقت هناك و لم يمهلهما القطار بسرعته فقتله.

صُعق الصديق و هو يراه كيف مات ففقد عقله و مات بعده بيوم واحد..

عندما وصلنا الخبر من الجيران،جُنّ جنون ابنتنا و أخذت تصرخ و تلطم غير مصدّقة.

ذهبت لبيتهم فوجدت العزاء لطمت و مزقت ثيابها و أخذت تركض هائمة على وجهها حتى وصلت أعلى تلة من ذلك الجرف و رمتْ نفسها منتحرة.

و من يومها و شبحها يحوم حول ذلك المكان لتعود للبيت، وكأنها نادمة لسبب مازلنا لا نعرفه، و لست الوحيد يا ولدي الذي رآها و أوصلها إلى هنا..

أغمي على سائق التاكسي،و استيقظ بعد ساعات في بيت العجوز و هو يرتجف بسبب الحمى..

و منذ ذلك اليوم ترك السيارة و لم يقربها مجددا..